المسيحُ بين الظّهوراتِ والمَجيءِ الثّاني [قراءةٌ لاهوتيّةٌ في الرّجاءِ والتّمييزِ ال
المسيحُ بين الظّهوراتِ والمَجيءِ الثّاني
[قراءةٌ لاهوتيّةٌ في الرّجاءِ والتّمييزِ الرّوحيِّ ونهايةِ الأزمِنَةِ]
بقلم: فؤاد زاديكى
في الإيمانِ المسيحيِّ يُعلَنُ بِوُضوحٍ أنّ المَجيءَ الثّانيَ للمسيحِ هو حَدَثٌ واحدٌ، نهائيٌّ، شاملٌ، وكونيٌّ، يقعُ في آخرِ الأيّامِ ويشكّلُ ذُروةَ التّاريخِ الخلاصيّ. هذا المجيءُ لا يُفهمُ كَخِبرةٍ فرديّةٍ أو موضعيّةٍ، بل كظهورٍ مجيدٍ علنيٍّ «تَراهُ كلّ عين»، فيه تتمُّ القيامةُ العامّةُ والدّينونةُ واكتمالُ ملكوتِ اللهِ. لذلك فإنّ المجيء الثّاني، بحسبِ التّقليدِ الرّسوليّ المشتركِ بين الكنائسِ، لم يحدثْ بعد ولا يُمكِنْ اختزالُه أو التّمهيد له بسلسلة من الظّهورات الجزئية أو الخاصّة.
في المقابلِ، يُميّز الفكرُ المسيحيُّ تمييزًا دقيقًا بين هذا المجيء النّهائيّ وبينَ ما يُسمّى بالظّهوراتِ أو الرّؤى، سواءً نُسِبتْ إلى المسيحِ نفسِه أو إلى شخصيّاتٍ مقدّسةٍ. فالظّهور، إنْ وُجِد، فهو خبرةٌ محدودةٌ في الزّمانِ والمكانِ، موجّهةٌ إلى شخصٍ أو جماعةٍ بعينِها، ولا تَحملُ طابعَ الشّمولِ أو الإلزامِ. تاريخيًّا، يَعرفُ العهدُ الجديد نفسُه ظهوراتٍ للمسيحِ القائمِ من بين الأمواتِ، كما في ظهورِه للتّلاميذِ أو لبولس الرّسول، إلّا أنّ هذه الظّهوراتِ لم تُفهَمْ قطّ على أنّها المجيء الثّاني، بل كانت جُزءًا من إعلانِ القيامةِ وتأسيسِ الكنيسةِ. ومن هنا، لا ترى الكنيسةُ في مبدأ الظّهوراتِ تَعارُضًا مع الإيمان بأنّ المجيء الثّاني لم يتمّ بعد، شرط ألّا تُحمَّل هذه الظهورات معنىً إسكاتولوجيًا (ما يتعلّق بالأمور الأخيرة والنّهاية) نهائيًّا.
هذا التّمييزُ يَقودُ إلى فَهمِ الفَرقِ الجوهريّ بينَ «الظّهورِ» و«الرّجاءِ» في العقيدةِ المسيحيّةِ. فالظّهورُ، بطبيعتِهِ، حَدَثٌ اختباريٌّ أو إدراكيٌّ، قد يكونُ خارجيًّا أو داخليًّا، حِسّيًّا أو روحيًّا، لكنّهُ يظلّ أمرًا عرضيًا لا يشكّلُ أساسَ الإيمان ولا مصدرَ العقيدةِ. أمّا الرّجاءُ، فهو فضيلةٌ لاهوتيّةٌ مركزيّة، موجّهة لا نحوَ خبرةٍ استثنائيّةٍ بل نحو وعدٍ إلهيٍّ ثابتٍ، يتمثّلُ في عَودةِ المسيحِ، وقيامةِ الأمواتِ، والحياةِ الأبديّةِ. الرّجاءُ لا يحتاجُ إلى علاماتٍ حِسّيةٍ كي يَتَغذّى، بل يقومُ على أمانةِ اللهِ وكلمتِه، ويُعَاشُ في الحاضرِ كالتزامٍ أخلاقيٍّ وروحيٍّ لا كَتَرقّبٍ قَلِقٍ لأحداثٍ مستقبليّةٍ غامضةٍ.
عند النّظر إلى مواقف الطوائفِ المسيحيّةِ المختلفةِ من الظّهوراتِ، نلاحظُ اتّفاقًا واسعًا على هذه المبادئِ الأساسيّةِ مع اختلافٍ في درجةِ القبولِ والحذَرِ. فالكنيسة الكاثوليكيّة تقبلُ مبدئيًّا بإمكانيةِ الظّهوراتِ، لكنّها تُخضِعُ أيَّ ادّعاءٍ لفحصٍ صارمٍ طويلِ الأمدِ، لاهوتيًّا ونفسيًّا وأخلاقيًّا، وتؤكّد أنّ حتى الظّهوراتِ، التي تُقبَلُ رسميًّا لا تُعَدُّ جُزءًا من وحي الإيمان ولا تُلزِمُ المؤمنينَ بتصديقها. أمّا الكنائسُ الأرثوذكسيّةُ، فَتَمِيلُ إلى حَذرٍ أشدّ، مركّزةً على مفهومِ التّمييزِ الرّوحيّ، ومُحذّرةً من خطرِ الخِداعِ الرّوحيّ، الذي قد يتخفّى في صورةٍ نُورانيّةٍ أو تَقويةٍ ظاهريّةٍ، ومُشدّدة على أنّ الخبرةَ الرّوحيّةَ الحقّةَ تقودُ إلى التّوبةِ والاتّضاعِ لا إلى التّهويلِ أو الادّعاءِ بالاصطفاءِ. في حينِ تتبنّى غالبيةُ الكنائسِ البروتستانتيّةِ موقفًا أكثرَ تشكّكًا، انطلاقًا من مبدأ «الكتاب المقدس وحده»، فترفضُ إعطاءَ الظّهوراتِ وزنًا لاهوتيًّا، وترى أنّ الإيمانَ لا يقومُ على اختباراتٍ غير قابلةٍ للتحقّقِ الكتابيّ أو الجماعيّ.
تَزدادُ حساسيةُ هذا الموضوعِ عندَ الحديثِ عن الظّهوراتِ الحديثةِ وربطِها بنهايةِ الأزمنةِ. فالكنيسةُ، عَبْرَ تقاليدِها المختلفةِ، تُلاحظُ أنّ الادّعاءاتِ بالظّهورِ تتكاثرُ عادةً في أزمنةِ الاضطرابِ والحروبِ والقلقِ الوجوديّ، حيثُ يَميلُ الإنسانُ إلى البحثِ عن يقينٍ فوريٍّ وعلاماتٍ حِسّيّة. غيرَ أنّ هذا السّياقَ نفسَه يجعلُ مثلَ هذه الادّعاءاتِ موضعَ ريبةٍ أكبرَ، لا أقلّ، لأنّ الكتاب المقدس يُحَذّرُ صراحةً من كَثْرَةِ الأنبياءِ الكَذَبَةِ والمُسَحَاءِ الكَذَبَةِ في أزمِنَةِ الضّيقِ، ويؤكّدُ أنّ معرفةَ توقيتِ النّهايةِ ليست مُعطَاةً للإنسانِ. لذلك فإنّ أيّ ظُهورٍ يُستخدَمُ لإثارةِ الخوفِ، أو لتحديدِ الأزمنة، أو لإعلانِ معرفةٍ خاصّةٍ بأسرارِ النّهايةِ، يُعَدُّ مؤشّرًا قويًّا على عَدَم مِصداقيتِه من مَنظورٍ كَنَسيٍّ.
من هنا، طَوّرَ التّقليدُ المسيحيُّ مَعاييرَ التمييزِ بين ما قد يكونُ خِبرةً روحيّةً أصيلة وما يُعدّ خداعًا روحيًّا أو إسقاطًا نفسيًّا. من أهمّ هذه المَعاييرِ انسجامُ الخبرةِ مع الإيمانِ الرّسوليّ والكتابِ المقدّسِ، ونوعيّةِ الثّمرِ الرّوحيّ، الذي تتركُهُ في حياةِ الأفرادِ والجماعةِ، وموقفِ الشّخصِ، الذي يَدّعي الظّهور من حيثُ الاتّضاعِ والخضوعِ للكنيسةِ ورفضِ التّمجيدِ الذّاتي، إضافةً إلى السّلامِ الداخليّ الذي يُرافق الخِبرة بدلَ الاضطرابِ والهَوسِ. هذه المعاييرُ لا تهدفُ إلى تشجيعِ البحثِ عن الظّهوراتِ، بل بالعكسِ، إلى حمايةِ المؤمنِ من الانجرافِ وراءَ ما قد يَصرِفُه عن جوهرِ الإيمانِ.
في ضوءِ ذلك كلّه، يتّضح أنّ الظّهورات، سواءً قُبِلتْ أو رُفِضتْ، تبقى هامِشيةً بالنّسبة للإيمان المسيحيّ، ولا تشكّلُ طريقًا لمعرفةِ الأزمنةِ الأخيرةِ ولا أساسًا للرّجاء. فالرّجاءُ المسيحيُّ لا يُبنَى على رُؤيةٍ بل على وعدٍ، ولا يُغَذّى بالخوفِ منَ النّهايةِ بل بالثّقةِ في أنّ التّاريخ، بكلِّ آلامِه واضطراباتِه، يتّجهُ نحوَ اكتمالٍ في الله. لذلك تعيشُ الكنيسةُ بين «الآن» و«ليس بعد»، لا بانتظارِ علاماتٍ استثنائيّةٍ، بل بأمانةٍ يوميّةٍ، وسَهَرٍ رُوحيّ، ومَحبّةٍ عَاملةٍ، مُردّدة لا كصرخةِ هلعٍ بل كاعترافِ إيمانٍ: «تَعَالَ أيُّها الرّبُّ يسوعُ».
__________________
fouad.hanna@online.de
|