عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 19-01-2026, 06:53 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,911
افتراضي مُحَمَّدُ بْنُ سَلْمَانَ وَتَفْكِيكُ الْمُقَدَّسِ الزَّائِفِ بقلم: فؤاد زاديكي

مُحَمَّدُ بْنُ سَلْمَانَ وَتَفْكِيكُ الْمُقَدَّسِ الزَّائِفِ: نَحْوَ تَحَرُّرٍ فِكْرِيٍّ وَثَقَافِيٍّ فِي السُّعُودِيَّة


بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي

لَمْ تَكُنِ التَّحَوُّلَاتُ الَّتِي شَهِدَتْهَا المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ فِي السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ مُجَرَّدَ إِصْلَاحَاتٍ إِجْرَائِيَّةٍ أَوْ قَرَارَاتٍ إِدَارِيَّةٍ مَعْزُولَةٍ، بَلْ مَثَّلَتْ فِي جَوْهَرِهَا مَشْرُوعًا فِكْرِيًّا وَثَقَافِيًّا شَامِلًا، اسْتَهْدَفَ تَفْكِيكَ بِنْيَةٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ تَرَاكَمَتْ عَبْرَ عُقُودٍ، وَفَرَضَتْ نَفْسَهَا بِاسْمِ الدِّينِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْحِمَايَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ.

فَقَدْ شَهِدَتِ السُّعُودِيَّةُ، فِي ظِلِّ وِلَايَةِ العَهْدِ الَّتِي يَتَوَلَّاهَا الأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلْمَانَ، قَطِيعَةً مَعَ خِطَابِ التَّشَدُّدِ وَالإِقْصَاءِ، وَإِعَادَةَ تَعْرِيفٍ لِعَلَاقَةِ الدِّينِ بِالْمُجْتَمَعِ، وَلِمَكَانَةِ الإِنْسَانِ فِي الْفَضَاءِ الْعَامِّ.

مِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الْخُطُوَاتِ مَنْعُ تَدَاوُلِ كُتُبٍ وَخِطَابَاتٍ دِينِيَّةٍ اشْتُهِرَتْ بِتَحْرِيضِهَا عَلَى كَرَاهِيَةِ الآخَرِ، وَتَكْرِيسِهَا لِمَنْطِقِ التَّكْفِيرِ وَالاصْطِفَافِ وَالصِّرَاعِ، وَمِنْ بَيْنِهَا كُتُبُ يُوسُفِ الْقَرَضَاوِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ حَوَّلُوا الدِّينَ إِلَى أَيْدِيُولُوجِيَا سِيَاسِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ. وَلَا يُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا الْقَرَارِ عَلَى أَنَّهُ رَقَابَةٌ فِكْرِيَّةٌ فَقَطْ، بَلْ هُوَ قَطْعٌ مَعَ ثَقَافَةِ التَّحْرِيضِ، وَإِعَادَةُ تَوْجِيهٍ لِلْمَجَالِ الثَّقَافِيِّ نَحْوَ قِيَمِ التَّعَايُشِ وَالْمُوَاطَنَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالآخَرِ.

وَفِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ، بَرَزَ تَحَوُّلٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ فِي الْخِطَابِ الدِّينِيِّ الرَّسْمِيِّ حِيَالَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ تَمَّ كَسْرُ أَحَدِ أَعْتَى الْمُحَرَّمَاتِ التَّارِيخِيَّةِ مِنْ خِلَالِ الِاعْتِرَافِ بِحَقِّهِمْ فِي مُزَاوَلَةِ شَعَائِرِهِمْ الدِّينِيَّةِ، وَفَتْحِ الْبَابِ أَمَامَ خِطَابِ التَّعَايُشِ الدِّينِيِّ وَالْحِوَارِ بَيْنَ الأَدْيَانِ، فِي بِلَادٍ كَانَ مُجَرَّدُ النِّقَاشِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ يُعَدُّ، قَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، ضَرْبًا مِنَ الْجُنُونِ أَوِ الْخِيَانَةِ الثَّقَافِيَّةِ.

وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الْقَرَارَاتِ جُرْأَةً وَتَأْثِيرًا فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ لِلسُّعُودِيِّينَ هُوَ تَحْجِيمُ الدَّوْرِ التَّنْفِيذِيِّ لِهَيْئَةِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَسَحْبُ صَلَاحِيَّاتِهَا الْقَمْعِيَّةِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْهَا، لِسِنِينَ طَوِيلَةٍ، سَيْفًا مُسَلَّطًا عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَشُرْطَةَ أَخْلَاقٍ تَتَدَخَّلُ فِي اللِّبَاسِ، وَالسُّلُوكِ، وَالذَّوْقِ، وَالْفَضَاءِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ.

إِنَّ نَقْلَ “الأَخْلَاقِ” مِنْ مَنْطِقِ الْقَسْرِ إِلَى مَنْطِقِ الِاخْتِيَارِ، وَمِنَ الْعِصَا إِلَى الْوَعْيِ، مَثَّلَ تَحْرِيرًا حَقِيقِيًّا لِلْإِنْسَانِ السُّعُودِيِّ، وَإِعَادَةَ الِاعْتِبَارِ لِلْفَرْدِ كَكَائِنٍ أَخْلَاقِيٍّ مَسْؤُولٍ، لَا كَقَاصِرٍ تَحْتَ الْوِصَايَةِ الدَّائِمَةِ.

وَتَكَامَلَتْ هَذِهِ الْخُطُوَاتُ مَعَ انْفِتَاحٍ ثَقَافِيٍّ وَفَنِّيٍّ شَامِلٍ: عَوْدَةِ السِّينَمَا، وَدَعْمِ الْمَسْرَحِ وَالْمُوسِيقَى، وَتَأْسِيسِ هَيْئَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَإِعَادَةِ تَعْرِيفِ الْهُوِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا هُوِيَّةٌ وَطَنِيَّةٌ جَامِعَةٌ، لَا تَقْتَصِرُ عَلَى تَفْسِيرٍ دِينِيٍّ أُحَادِيٍّ، بَلْ تَحْتَفِي بِالتَّنَوُّعِ وَالتَّارِيخِ وَالْحَدَاثَةِ، ومِنْ أهمّ ما اتّخَذَهُ مِنْ إجرَاءَاتٍ وَقَرَارَاتٍ حَاسِمةٍ هو سَماحُهُ بِبِنَاءِ الكَنَائِسِ فِي السُّعُودِيّةِ، وهُو أمرٌ كَانَ أقْربَ إلى المُسْتَحِيلِ مِنْهُ إلَى الوَاقِعِ.

خِلَاصَةُ الْقَوْلِ: إِنَّ مَا يَجْرِي فِي السُّعُودِيَّةِ الْيَوْمَ لَيْسَ تَغْيِيرًا فِي الشَّكْلِ، بَلْ ثَوْرَةٌ هَادِئَةٌ عَلَى الْمُقَدَّسِ الزَّائِفِ، وَقَطِيعَةٌ مَعَ تَدَيُّنٍ مُسَيَّسٍ وَمُعَادٍ لِلْحَيَاةِ. وَهِيَ خُطُوَاتٌ، لَوْ طُرِحَتْ قَبْلَ عَقْدٍ مِنَ الزَّمَنِ، لَاعْتُبِرَتْ ضَرْبًا مِنَ الْجُنُونِ، أَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّهَا تُشَكِّلُ أَسَاسَ وِلَادَةِ إِنْسَانٍ سُعُودِيٍّ جَدِيدٍ، أَكْثَرَ حُرِّيَّةً، وَأَكْثَرَ ثِقَةً، وَأَكْثَرَ تَصَالُحًا مَعَ ذَاتِهِ وَالْعَالَمِ.
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 26-01-2026 الساعة 07:04 AM
رد مع اقتباس