عرض مشاركة واحدة
  #29  
قديم 05-03-2026, 11:50 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,061
افتراضي

Osama Hasan ملفونو ميقرو مار شمعون الحبسناسي
لم يكن بطريركًا بل كان قديسًا
القديس مار شمعون الحَبْسناسي (الزيتوني)

وُلِد القديس مار شمعون الحَبْسناسي، المعروف أيضًا باسم مار شمعون الزيتوني، في سنة 657 للميلاد في قرية حَبِسْناس الواقعة في منطقة طور عبدين، وهي إحدى القرى السريانية العريقة التي كانت عامرة بالمؤمنين والشمامسة والكتّاب، وكانت جزءًا من البيئة الروحية التي ازدهرت فيها الأديرة السريانية منذ القرون الأولى للمسيحية. نشأ شمعون في أسرة مؤمنة، وكان والده منذر من وجهاء القرية، وقد حرص على تعليمه القراءة والكتابة في كنيسة حَبِسْناس، حيث ظهرت عليه منذ طفولته علامات الميل إلى الصلاة والهدوء والتأمل، وكان يقضي وقتًا طويلًا في الكنيسة، مما لفت أنظار الكهنة والرهبان الذين رأوا فيه استعدادًا روحيًا مبكرًا.

وعندما بلغ العاشرة من عمره، أخذه والده إلى دير قرتمين، أحد أهم الأديرة السريانية في العالم، وهناك بدأ حياته الرهبانية تحت إشراف كبار الرهبان الذين علّموه الطقوس السريانية والكتاب المقدس واللغة السريانية. وقد تميّز شمعون منذ دخوله الدير بالطاعة والزهد وحبّ العزلة، وكان قليل الكلام، شديد التواضع، يميل إلى الصمت والصلاة أكثر من مخالطة الآخرين. وبعد سنوات من الرهبنة، انتقل إلى حياة النسّاك، فكان يقيم في مغارة قريبة من الدير، يقضي أيامه بالصوم والصلاة والتأمل، ولا يأكل إلا مرة واحدة في اليوم، وينام على الأرض، ويلبس ثوبًا بسيطًا من الصوف، ويقضي الليل في الصلاة.

وقد اشتهر مار شمعون الحَبْسناسي بالمعجزات التي نُسبت إليه، ومنها شفاء المرضى، وإخراج الأرواح الشريرة، وإنقاذ القرى من الجفاف بالصلاة، والتنبؤ ببعض الأحداث التي وقعت لاحقًا، مما جعل الناس يتوافدون إليه من قرى طور عبدين والجزيرة الفراتية طلبًا للبركة والشفاء. وانتشرت سيرته بين المؤمنين، وأصبح اسمه مرتبطًا بالقداسة والنسك والاتضاع، حتى صار من أبرز قديسي المنطقة.

وبعد وفاته، بُني على اسمه دير كبير في منطقة آزخ، عُرف باسم دير مار شمعون الزيتوني، وأصبح مقصدًا للحجاج من مختلف القرى السريانية، واحتفظ الدير بذكراه وسيرته، كما حفظت المخطوطات السريانية أخبار حياته ومعجزاته، وظلّ قبره موضع تبجيل لقرون طويلة. ويُعدّ مار شمعون الحَبْسناسي واحدًا من أهم قديسي طور عبدين، ومن أبرز النساك السريان في القرن السابع، وقد أثّر تأثيرًا كبيرًا في الحياة الروحية والديرية في المنطقة، وأصبح مثالًا للنسّاك والرهبان في الزهد والصلاة والتقوى.

ويمثّل وجود قديس بهذا المقام من قرية حَبِسْناس دليلًا واضحًا على أنّ هذه القرى كانت جزءًا أصيلًا من التراث السرياني المسيحي قبل التحوّل الديني الذي شهدته المنطقة في القرون اللاحقة، وأنّ الجذور الروحية والثقافية للمحلمية تمتدّ عميقًا في التاريخ السرياني، وأنّ تأثير السريانية في لغتهم وثقافتهم لم يكن طارئًا، بل نتيجة قرون من العيش المشترك في قلب الحياة الديرية والكنسية في طور عبدين.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس