Sarisûn Kurdim إنّ احترام التاريخ يقتضي التمييز بين الوقائع التاريخية والخطاب القومي. فما ورد في هذا المنشور يجمع بين بعض الحقائق الجزئية وبين استنتاجات لا يسندها الإجماع الأكاديمي.
أولًا، هوية الآشوريين المعاصرين ليست مسألة حُسمت بقرار بريطاني أو دعاية استعمارية، بل هي موضوع بحث تاريخي وأنثروبولوجي ولغوي معقد. صحيح أن بريطانيا استثمرت سياسيًا في بعض الجماعات المسيحية خلال الحرب العالمية الأولى، كما استثمرت في العرب والكرد وغيرهم، لكن لا يوجد دليل علمي على أن الإنجليز "اخترعوا" الهوية الآشورية من العدم. فالاسم الآشوري كان مستخدمًا في الأدبيات الكنسية والرحلات الغربية منذ قرون، قبل الانتداب البريطاني، وإن كان الجدل قائمًا حول طبيعة الاستمرارية التاريخية بين الآشوريين القدماء والمجتمع السرياني الشرقي الحديث.
ثانيًا، القول إن جميع الآشوريين هم "نساطرة أكراد" أو "سريان تحولوا إلى آشوريين" هو تبسيط شديد. فالكنيسة المعروفة تاريخيًا باسم كنيسة المشرق ضمت عبر تاريخها شعوبًا متعددة، منها الناطقون بالسريانية، وكان أتباعها ينتشرون في العراق وإيران وتركيا وسوريا. أما الهوية القومية الحديثة فقد تشكلت، كما تشكلت الهويات القومية الكردية والعربية والأرمنية، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ثالثًا، من الصحيح أن بريطانيا قدمت وعودًا للآشوريين، لكنها قدمت وعودًا مشابهة للعرب والكرد وغيرهم. وهذا جزء من السياسة الاستعمارية البريطانية التي استغلت تطلعات شعوب المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى. غير أن تحميل شعب كامل مسؤولية السياسة البريطانية لا ينسجم مع المنهج التاريخي.
رابعًا، الادعاء بأن الآشوريين لجؤوا إلى كردستان هربًا من الفتح الإسلامي في القرن السابع يحتاج إلى تدقيق. فالمسيحيون السريان وكنيسة المشرق كانوا موجودين أصلًا في شمال بلاد الرافدين وشرق الأناضول قبل الفتح الإسلامي بقرون، واستمر وجودهم في مناطقهم التاريخية بعد الفتح، ولم يكن وجودهم في جبال حكاري نتيجة هجرة واحدة مرتبطة بذلك الحدث.
خامسًا، لا يمكن إنكار أن العلاقات الكردية الآشورية شهدت فترات تعاون طويلة، كما شهدت أيضًا صراعات دامية، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى. وقد ارتُكبت تجاوزات من جميع الأطراف في ظل انهيار الدولة العثمانية وتدخل القوى الكبرى، لكن لا يجوز تحميل المسؤولية لشعب بأكمله بسبب قرارات قادة أو تنظيمات معينة.
سادسًا، أما وصف الآشوريين القدماء بأنهم "مجرد قتلة لا حضارة لهم"، فهو يخالف ما أجمع عليه علماء آثار بلاد الرافدين. فقد كانت الإمبراطورية الآشورية، رغم ما عُرف عنها من عنف عسكري كغيرها من الإمبراطوريات القديمة، من أعظم حضارات الشرق الأدنى. ويكفي أن مكتبة آشور بانيبال في نينوى حفظت آلاف الألواح المسمارية، ولولاها لما وصلتنا ملحمة جلجامش ونصوص علمية وأدبية وقانونية من حضارات أقدم. كما طور الآشوريون أنظمة إدارية وعسكرية وهندسية متقدمة، وأسهموا في العمارة، وشق الطرق، وبناء القنوات المائية، ونقل التراث البابلي والسومري إلى الأجيال اللاحقة.
وأخيرًا، فإن احترام تضحيات الكرد لا يتعارض مع احترام تاريخ الآشوريين، كما أن الاعتراف بالمظالم التي تعرض لها الكرد لا يبرر إنكار هوية الآخرين أو الإساءة إلى حضارتهم. فالشعوب لا تُبنى ذاكرتها على نفي الآخر، وإنما على قراءة التاريخ بإنصاف، بعيدًا عن لغة التخوين والتعميم والكراهية
__________________
fouad.hanna@online.de
|