عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 06:56 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,288
افتراضي الأناضول بين صعود العثمانيين، ومآسي القرنين الأخيرين بقلم: الباحث فؤاد زاديكي حين ن

الأناضول بين صعود العثمانيين، ومآسي القرنين الأخيرين

بقلم: الباحث فؤاد زاديكي

حين نقرأ التاريخ، لا ينبغي أن نقرأه بعين المنتصر وحده، ولا بعين الضحية وحدها، بل بعين الإنسان الذي يريد أن يعرف: مَن عاش هنا؟ وكيف تبدّلت الخريطة؟ ومَن حكم؟ وكيف حكم؟ وماذا حدث للشعوب التي كانت تعيش في هذه البلاد قبل أن تتغير أسماء الدول والحدود؟
والحديث عن الأناضول، أو ما يشكل جزءًا كبيرًا من تركيا الحالية، يبدأ من حقيقة لا ينبغي تجاهلها: هذه البلاد لم تكن يومًا فضاءً لشعب واحد فقط،
فقبل وصول السلاجقة الأتراك بقرون طويلة، كانت الأناضول ومناطقها الشرقية والجنوبية الشرقية فسيفساء بشرية وحضارية واسعة، تعاقبت عليها شعوب وإمبراطوريات ولغات وأديان كثيرة.
كان للأرمن حضورًا أساسيًّا في مناطق واسعة من شرقي الأناضول، وكان اليونان حاضرين بقوّة في غربي الأناضول وسواحل بحر إيجه والبحر الأسود ومدن الداخل، كما عاش السريان والآشوريون والكلدان في الجزيرة الفراتية وديار بكر وماردين ونصيبين وطور عابدين ومناطق واسعة من الجنوب الشرقي، كما كان للعرب وجود قديم في المناطق الجنوبية والشرقية، خصوصًا في المناطق المتصلة ببلاد الشام والجزيرة، كما عاشت جماعات كردية في المناطق الجبلية الشرقية والجنوبية الشرقية منذ عصور سابقة على السلاجقة، وتربط المصادر القديمة بين مناطق كردية لاحقة ومناطق مثل كاردوخيا في التخوم الشرقية لبلاد الرافدين والأناضول،
ولذلك فإنّ العبارة الأكثر دقّة ليست أن «الأرمن أو اليونان أو السريان أو الأكراد كانوا أصحاب كل الأناضول»، فهذا تبسيط للتاريخ، وإنّما أنّ الأناضول كانت موطنًا تاريخيًّا متعدد الشعوب، وأنُ الوجود التركي فيها جاء نتيجة موجات هجرة وفتح واستيطان بدأت قبل العثمانيين بقرون،
ففي القرن الحادي عشر بدأت مرحلة جديدة مع التوسّع السلجوقي، ولا سيّما بعد معركة ملاذكرد سنة 1071م. منذ ذلك الوقت أخذ الوجود التركي يترسّخ تدريجيًّا في أجزاء واسعة من الأناضول، من خلال الهجرة والاستيطان والحروب والتحوّلات السياسية والدينية والاجتماعية.
لكنّ الدولة العثمانية لم تظهر فجأة باعتبارها «تركيا» الحالية. لقد كانت في بدايتها إمارة صغيرة في شمال غربي الأناضول، ثم توسّعت تدريجيًّا على حساب البيزنطيين وغيرهم، حتى أصبحت إمبراطورية ضخمة.
في سنة 1453م سقطت القسطنطينية على يد السلطان محمد الثاني.
وهنا يجب أن نكون دقيقين مرة أخرى: القسطنطينية لم تكن عاصمة «دولة يونانية» بالمعنى القومي الحديث، بل كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، التي أصبحت لغتها وثقافتها اليونانيتان مهيمنتين عبر القرون.
لكنّ سقوطها كان نقطة تحوّل كبرى، فقد انتقلت المدينة من مركز الإمبراطورية الرومانية الشرقية إلى عاصمة الإمبراطورية العثمانية، وأصبح السلطان محمد الثاني أحد أبرز حكام العالم في عصره، ومنذ ذلك الوقت أخذت الإمبراطورية تتوسّع حتى أصبحت واحدة من أكبر القوى السياسية والعسكرية في العالم.
ولكن وراء قصور السلاطين، وجيوشهم، وفتوحاتهم، كانت هناك قصة أخرى: قصة السلطة والصراع على العرش.
لم يكن الوصول إلى السلطنة العثمانية طريقًا هادئًا. لقد كانت الأسرة نفسها ساحة للصراع.
ومن أكثر الممارسات إثارةً للرعب ما ارتبط بسياسة قتل الأمراء المنافسين، والتي أخذت شكلًا قانونيًّا في عهد السلطان محمد الثاني.
كان المنطق السياسي واضحًا وقاسيًا: إذا كان وجود أمير عثماني آخر قد يؤدّي إلى حرب أهلية، فإنّ قتله يمكن تبريره باعتباره وسيلة لحماية الدولة.
وكانت النتيجة أن أصبح الدم أحيانًا جزءًا من آلية انتقال السلطة.
ومن أشهر الوقائع وأكثرها بشاعة ما حدث عند اعتلاء محمد الثالث العرش سنة 1595م، حين أُعدم تسعة عشر من إخوته الذكور. ثم تغيّرت السياسة تدريجيًّا، فاستُبدل قتل الأمراء في أحيان كثيرة بحبسهم داخل القصر فيما عرف لاحقًا بنظام «القفص».
كانت الدولة التي تقدّم نفسها بوصفها حامية للنظام والقانون قد جعلت من قتل المنافس داخل الأسرة أداة من أدوات المحافظة على العرش.
ولا يمكن فهم السياسة العثمانية دون فهم الحريم السلطاني، فالجواري والعبودية لم تكونا تفصيلًا هامشيًّا في البلاط، بل كانتا جزءًا من البنية الاجتماعية والسياسية للقصر.
دخلت نساء كثيرات إلى القصر بوصفهن جواري، وأصبحت بعضهن زوجات للسلاطين أو أمّهات لأمراء، ثم تحوّلت بعضهن إلى شخصيات صاحبة نفوذ سياسي بالغ.
ومن هنا نشأت شبكة معقّدة من المصالح والصراعات بين السلطان، ووالدته، ومحظياته، وأبنائه، والوزراء، ورجال القصر.
وقد عرفت الدولة في مراحل معينة نفوذًا كبيرًا للنساء داخل البلاط، حتى إنّ المؤرخين أطلقوا على إحدى مراحلها تعبير «سلطنة النساء».
لكن علينا أن نتجنّب المبالغة التي تحوّل الحريم إلى مجرّد مكان للدعارة أو الجنس، فالحريم كان مؤسسة سلطانية واجتماعية وسياسية معقّدة، وكان للنساء داخله أدوار ومصائر مختلفة.
والحقيقة وحدها كافية لإظهار حجم السلطة التي كانت تتصارع داخل القصر.
ثم نأتي إلى الجيش الإنكشاري، أحد أكثر مؤسسات الدولة العثمانية شهرة. لقد ارتبط جزء مهم من تكوينه بنظام الدوشيرمة، المعروف أحيانًا باسم «ضريبة الدّمّ»، حيث كانت الدولة تجمع صبيانًا من بعض الجماعات المسيحية، خصوصًا في البلقان، وتنقلهم إلى مؤسّسات الدولة لتنشئهم على الولاء للسلطان وتستخدمهم في الجيش والإدارة.
لم يكن كلّ طفل يُؤخذ من قرية تعرّضت للإبادة، كما أنّ النظام تغيّر عبر الزمن، ولذلك فإنّ وصفه بصورة واحدة مطلقة سيكون غير دقيق.
لكن الفكرة الأساسية تبقى ثقيلة إنسانيًا، طفل يُنتزع من بيئته الأولى، ويُعاد تشكيل هُوِيّته لخدمة دولة لا عائلته الأصلية.
وهؤلاء الأطفال الذين أصبح بعضهم لاحقًا قادة عسكريين ووزراء وكبار رجال الدولة كانوا جزءًا من إحدى أكثر مؤسّسات الإمبراطورية تميّزًا وتعقيدًا.
لكن؟ المأساة الأكبر لم تكن في صراعات القصر وحدها، فمع ضعف الدولة العثمانية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وتصاعد القومية والحروب مع روسيا والدول الأوروبية، ثم حروب البلقان والحرب العالمية الأولى، بدأ السؤال الديموغرافي يتحوُل إلى سؤال وجود.
من سيبقى في الأناضول؟
ومن سيغادر؟ ومن يملك الأرض؟
وهنا دخلت شعوب الأناضول في واحدة من أكثر مراحل تاريخها دموية.
ففي أواخر القرن التاسع عشر تعرّض الأرمن لمجازر واسعة، ومن أشهرها مجازر 1894–1896 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
وكانت وحدات الحميدية، التي ضمّت مقاتلين من قبائل كردية مسلّحة، من الأدوات التي استخدمتها السلطة في مناطق شرقي الأناضول، وارتبطت بأعمال عنف واضطهاد ونهب وقتل ضد الأرمن وغيرهم. وهذا تفصيل مهم أيضًا لأنّه يذكّرنا بأنّ التاريخ لا يُمكن اختزاله في ثنائية «ترك ضد أرمن»، فقد شاركت أطراف محلّية متعدّدة، بينما كانت الدولة صاحبة السلطة والقرار والإدارة.
ثم جاءت سنة 1915.
وهنا دخل التاريخ مرحلة لا يمكن تجاوزها بالتجميل أو الإنكار.
اعتُقل المثقفون والسياسيون الأرمن في القسطنطينية، ثم بدأت عمليات الترحيل الجماعي. لم يكن الأمر مجرّد نقل سكاني في زمن الحرب؛ فقد تكشف الوثائق عن سياسة مركزية استهدفت الوجود الأرمني، وشملت الترحيل والمصادرة والقتل، وكان قادة الاتحاد والترقي، ومن بينهم طلعت باشا وأنور باشا وبها الدين شاكر، في مركز عملية الدولة. وكانت النتيجة كارثية. مئات الآلاف من الأرمن قُتلوا، ومات آخرون في طرق الترحيل والمخيمات من الجوع والعطش والمرض، وتحوّل ملايين الأشخاص من سكان أصليين في مدن وقرى الأناضول من سريان وآشوريين وكلدان وأرمن إلى لاجئين وناجين في الشتات. ولهذا يعتبر معظم الباحثين المتخصصين هذه الأحداث إبادة جماعية.
ولم يكن الأرمن وحدهم
وهنا تأتي مأساة أخرى كثيرًا ما غابت عن الرواية العامة. فقد تعرض الآشوريون والسريان والكلدان أيضًا لموجات من القتل والتهجير خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، وهي المأساة التي ارتبطت في الذاكرة الآشورية باسم السيفو.
وتعرض اليونانيون العثمانيون، ولا سيّما يونانيو البنطس ومناطق الأناضول وتراقيا، كذلك إلى القتل والترحيل والاقتلاع، في سياق امتدّ من سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى إلى السنوات التي تلتها.
وتتناول دراسات تاريخية متخصّصة هذه الأحداث بوصفها عمليات مترابطة من العنف والتهجير والقتل استهدفت الأرمن والآشوريين واليونانيين بدرجات وأشكال مختلفة.
وبحلول عشرينيات القرن العشرين، كانت الخريطة الديموغرافية للأناضول قد تغيّرت بصورة جذرية.
قرى مسيحية اختفت.
ومدن تغيرت هويتها. ثمّ
أسر أرمنية وسريانية وآشورية ويونانية تفرّقت في أنحاء العالم. وكنائس وأديرة ومدارس ومقابر بقيت شاهدة على مجتمعات كانت موجودة ثم تراجعت بصورة هائلة.
وهنا أيضًا ينبغي ألّا نكرّر خطأ التعميم، فالأكراد لم يكونوا مجرّد «غرباء» في الأناضول، بل كانوا جزءًا تاريخيًّا من سكان مناطقها الشرقية والجنوبية الشرقية، وبعضهم دخل في تحالفات مع الدولة العثمانية، وبعضهم اصطدم بها، وبعضهم شارك في العنف ضد الأرمن والمسيحيين، بينما كان أكراد آخرون ضحايا لسياسات الدولة والقمع والتهجير في مراحل مختلفة. وهذا التعقيد مهم جدًا. فلا يجوز أن نضع «الكرد» جميعًا في خانة واحدة، كما لا يجوز وضع «الأتراك» جميعًا في خانة واحدة. والأمر نفسه ينطبق على العرب. لقد عاش العرب في المناطق الجنوبية والشرقية من الأناضول والجزيرة منذ عصور سابقة، واستمرّ وجودهم في مناطق مثل أنطاكية وكيليس وأورفة ومحيطها ومناطق أخرى بحسب المرحلة التاريخية. إذن فالأناضول لم تكن أرضًا «تركية خالصة» ثم أصبحت كذلك فجأة. بل كانت منطقة متعدّدة القوميات والأديان، مرت بعمليات طويلة من الفتح والهجرة والاستيطان والأسلمة والتتريك والتبادل الثقافي والحروب، حتى وصلت في القرن العشرين إلى شكلها الحالي.
ومن الأماكن التي تختصر هذه المأساة مدينة آزخ، في منطقة طور عابدين وما حولها.
وقد اهتممت كباحث بتوثيق تاريخ آزخ وأحداثها وشخصياتها، وكتبت عن الحصار الذي تعرّضت له البلدة خلال سنوات 1915، وعن مصائر أهلها والهجرات التي أعقبت تلك المرحلة.
وتكتسب شهادة آزخ أهمّيتها لأنّها تذكّرنا بأنّ التاريخ لا يُقرأ فقط من عواصم الإمبراطوريات.
أحيانًا يمكن لقرية صغيرة أو مدينة أن تقول عن التاريخ أكثر مما تقوله قصور السلاطين. فوراء الأرقام الكبيرة توجد عائلات، وراء كلّ قرية مهجورة أسماء. وراء كلّ كنيسة صامتة أناس كانوا يصلّون فيها. وراء كلّ بيت مهجور حكاية عائلة اضطرت إلى الرحيل.
وهذا بالضبط ما يجعل دراستي وغيرها من الشهادات المحلية مهمّة، لأنّها تنقل التاريخ من مستوى الإمبراطوريات إلى مستوى الإنسان.
إنّ نقد التاريخ العثماني لا يعني كراهية الأتراك.
ولا يعني أنّ كلّ تركي مسؤول عن جرائم السلطان.
ولا يعني أنّ كلّ كردي شارك في المجازر.
ولا يعني أنّ كلّ عربي كان طرفًا فيها. ولا يعني كذلك أنّ كلّ مسلم كان قاتلًا أو أنّ كلّ مسيحي كان ضحية في كلّ زمان ومكان، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك. لكنّ هذا التعقيد لا يجوز أن يتحوّل إلى وسيلة لإنكار الجرائم. يمكننا في الوقت نفسه أن نعترف بأنّ الدولة العثمانية أنتجت فنونًا وعمارة وإدارة ومؤسسات مهمة، وأنّها كانت إمبراطورية كبرى، وأنّ كثيرًا من المسلمين والمسيحيين عاشوا فيها قرونًا من التعايش النسبي، وأن نعترف أيضًا بأنّها شهدت سياسات قمع وعبودية وحروبًا ومجازر وتهجيرًا، وأنّ حكوماتها المتأخرة ارتكبت جرائم هائلة بحق شعوبها.
هذه ليست تناقضات. هذا هو التاريخ. والأهمّ من ذلك كلّه أن نفرق بين الأناضول كأرض تاريخية متعدّدة الشعوب وبين الدولة التركية الحديثة.
فتركيا الحديثة لم تنشأ في فراغ، وإنّما خرجت من أنقاض إمبراطورية منهكة وحروب عالمية وصراعات قومية وعمليات قتل وتهجير وتبادل سكاني أعادت تشكيل المنطقة بأكملها.
ولهذا فإنّ السؤال الصحيح ليس:
«لِمًن كانت تركيا منذ الأزل؟» فهذا سؤال حديث يُسقط مفهوم الدولة القومية على عصور لم تعرفه بهذا الشكل. السؤال الصحيح هو: مَن عاش في هذه البلاد؟ ومن حكمها؟ وكيف تغيّرت تركيبتها السكانية؟ ومَن دفع ثمن الحروب والتحولات السياسية؟ وعندما نطرح السؤال بهذه الطريقة، تظهر الحقيقة بوضوح:
الأناضول كانت، وما زالت، أرضًا التقت فيها شعوب كثيرة: الأرمن واليونان والسريان والآشوريون والكلدان والعرب والأكراد والأتراك وغيرهم.
لكن القرنين الأخيرين شهدا تحوّلًا ديموغرافيًّا هائلًا أدّى إلى اختفاء أو انحسار معظم المجتمعات المسيحية التاريخية من القسم الأكبر من الأناضول. وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى شتيمة شعب. ولا تحتاج إلى اختلاق أرقام. ولا تحتاج إلى أساطير. إنّها تحتاج فقط إلى شجاعة النظر في الوثائق، وإلى تسمية المسؤولين والسياسات بأسمائهم، وإلى حفظ ذاكرة الذين لم يبق لهم من قراهم ومدنهم سوى الصور، والقبور، والكنائس الصامتة، وحكايات الأجداد. فالإمبراطوريات تنتهي، والحدود تتغيّر، والسلطنات تسقط، لكنّ ذاكرة الشعوب لا تموت لمجرّد أنّ الخريطة تغيرت.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس