![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
التّجربتان الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة في آزخ بقلم: فؤاد زاديكى تحتلّ بلدة آزخ موقعًا فريدًا في تاريخ السريان ضمن طور عبدين، ليس فقط لما تمتّعت به من مكانة دينية وثقافية راسخة، بل لما شكّلته من نموذج خاص في مقاومة التحوّلات الطائفية خلال القرنين التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في الوقت الذي اكتسحت فيه الإرساليات الغربية - الكاثوليكية والبروتستانتية - مناطق شرق الأناضول، مغيّرة بذلك وجه عدد كبير من القرى السريانية، معيدة تشكيل الخريطة المذهبية ومؤثرة في البنية التعليمية والاجتماعية للمجتمعات المحلية. ومع ذلك، بقيت آزخ حالة استثنائية أدبية وتاريخية، إذ يقف الأدب السرياني الحديث عندها بوصفها "البلدة التي عبرت فيها التجارب دون أن تترك أثرًا عميقًا"، أو كما يُقال في بعض المصادر: "حاول الزائرون الدّخول من أبوابها، فوجدوا جدرانًا لا تُخترق". ولفهم هذه الظاهرة، لا بدّ من التوقّف عند طبيعة الحضور الكاثوليكي والبروتستانتي، الذي يبدو في الرواية التاريخية العامّة مختلفًا عمّا تنقله النّصوص السريانية المحلية. ففي حين تتحدّث الوثائق الإرسالية الغربية عن زيارات ومحاولات اتصال وتواصل، تُجمِع المصادر السريانية الحديثة - سواء تلك المكتوبة في منتصف القرن العشرين أو المرويّات اللاحقة - على أنّ هذه التوجّهات بقيت هامشية، ولم تستطع أن تؤسّس لوجود حقيقي، لا في التعليم ولا في التنظيم ولا في الممارسة الدينية. وهذا يُظهر بوضوح أنّ الأدب السرياني لا يتعامل مع هذا التاريخ بوصفه صراعًا مذهبيًا فحسب، بل كتعبير عن قدرة مجتمع صغير على الحفاظ على وحدة هويته أمام قوى خارجية. ويصف الكتّاب السريان - سواء الكهنة الذين دوّنوا يوميّاتهم وذكرياتهم، أو اللاحقون الذين اعتمدوا الرواية الشفوية - أنّ آزخ في القرن التاسع عشر كانت مجتمعًا ذا هوية متماسكة، يجمع بين الانتماء الكنسي الأرثوذكسي وبين البنية العشائرية التي تكوّن منها سكان البلدة. وبهذا الارتباط الوثيق بين الكنيسة والعائلة، تصبح أيّ محاولة لتغيير الانتماء الديني - ولو كانت تبدو في ظاهرها بسيطة - تهديدًا لاستقرار البنية الاجتماعية بأكملها. هذه النقطة تُعَدّ مفتاحًا لفهم عدم ترسّخ الكثلكة ولا البروتستانتية في البلدة، رغم وجود تأثيرات خارجية في القرى المجاورة. إنّ التجربة الكاثوليكية في آزخ اتّخذت شكلاً يختلف عن تلك التي ظهرت في ماردين أو ديار بكر أو حتى في القرى القريبة، إذ لم تُنشأ في البلدة أي مدرسة نظامية، ولم يقمْ فيها كاهن كاثوليكي بشكل دائم. يُشير الأدب السرياني إلى أنّ الاتصال بالكثلكة بدأ عبر زيارات متفرقة لكهنة من ماردين، كان هدفها الأساسي تعزيز الارتباط الروحي مع الكنيسة السريانية الكاثوليكية التي كانت في مرحلة توسّع. وقد اُستخدمت في ذلك طرق بدائية بسيطة، مثل إقامة صفوف داخل بيوت العائلات التي بدأت تتقرّب من الكثلكة، وتعليم بعض الصلوات التي سُمِعَت للمرة الأولى في البلدة بصيغتها الكاثوليكية. وفي لحظة معيّنة، يبدو أنّ هذا التأثير حقّق درجةً من الانتشار جعلت بعض المصادر تشير إلى "دخول شبه جماعي" للكثلكة، إلّا أنّ الأدب السرياني يلفت إلى أنّ هذا التحوّل لم يكن جذريًّا بل كان هشًّا، قائمًا على ظروف سياسية واجتماعية أكثر منه على قناعة لاهوتية أو طقسية. إنّ ما يدعو للتأمل هو سرعة تراجع هذا النفوذ الكاثوليكي وعدم ثباته، إذ تصف كتب الكهنة السريان أنّ أبناء آزخ سرعان ما عادوا إلى كنيستهم الأم، وأن موجة الكثلكة كانت "مرور ظل لا إقامة شخص"، وأنّ ما لم يكن مؤسّسًا لن يصبح دائمًا. ويُرجع الأدب السرياني هذا التراجع إلى أربعة عوامل رئيسية: أولها انعدام وجود بنية تعليمية كاثوليكية داخل البلدة، وثانيها تماسُك المجتمع الأرثوذكسي الذي اعتبر أنّ أي انقسام قد يفتح الباب لانشقاقات أخرى، وثالثها غياب أيّ منفعة واضحة قد يحصل عليها السكان من تغيير انتمائهم الدّيني في ظلّ بيئة سياسية مضطربة، ورابعها قيام الكهنة الأرثوذكس بمبادرات نَشِطة لإعادة تعزيز الحياة الروحية، ما جعل العودة إلى الأصل أقوى من الانجراف نحو الجديد. ومع هذه الظروف، لم تستطع الكثلكة أن تترك أثرًا فكريًا أو طقسيًا عميقًا في البلدة، وبقيت مجرد فصل عابر في تاريخها. الخلاصة التاريخية * منتصف القرن التاسع عشر (حوالي 1840-1860): بعض العائلات في آزخ ترتبط مؤقتًا بالكثلكة، في إطار الاتصال مع الإرساليات الكاثوليكية في طور عبدين. * نهاية القرن التاسع عشر (1870-1900): تأثير الكثلكة يتراجع تدريجيًا وتزداد العودة إلى الهوية الأرثوذكسية المحلية. * أوائل القرن العشرين (حوالي 1900-1915): إعادة التماسك الأرثوذكسي تكتمل تقريبًا، قبل وبعد أحداث الحرب العالمية الأولى (مذابح سيفو)، وتصبح الكثلكة ظاهرة غير مؤثرة في القرية, إذ بقيتْ فقط (11) عائلة من آزخ على المذهب الكاثوليكي نذكر منهم: القس يوسف شاهين (1895-1942) وابنه القس ميخائيل القس يوسف شاهين (1919-2013) وابنه حنّا القس يوسف شاهين, والخوري عبد الأحد شماس كوركيس حبيب (1847-1937) والخوري يوسف بن يعقوب يوسفكو (1937-؟) ومراد حنّا حنّوش (1877-؟) وأخوه عيدو حنّا حنّوش (1880-1957) ومن أولاد مراد حنّا حنّوش (كانونو) يوسف مراد حنّوش (1923-؟) وأخوه ميخائيل مراد حنّوش (1940-؟) وأخوه أفرام مراد حنّوش (1937-؟) رئيس بلدية آزخ الأسبق وأخوه حنّا مراد حنّوش (1932-) مؤلف كتابي (أحاديث ومراجل سريانية من جعبة آزخية) و ( و... بقيت قبور الأبطال بلا أصحاب) وعائلة سليمان الخيّاط الذي كان يسكن وأخوه في ديريك (بيت گُلان) وعائلة الشّماس جبرائيل قس توما هندو ملكون (1875-1967) ومن عائلتهم المطران بهنام موسى هندو مطران أبرشية الحسكة ونصيبين للسريان الكاثوليك (1941-2021) والأب ميشال ملكون هندو (1911-1972) وعائلة جمعة الگزير وعائلة ملكي آنطون والخوري جرجيس وآخرون. أما التّجربة البروتستانتية فقد بدت في الأدب السرياني أكثر سطحية حتى من التجربة الكاثوليكية. فعلى الرغم من النشاط الواسع الذي قام به المبشرون الأمريكيون والبريطانيون في طور عبدين - من تأسيس مدارس وتوزيع كتب وإقامة مراكز تعليمية في بعض القرى - إلّا أنّ آزخ استقبلتهم بحذر شديد. يصف الكتّاب السريان صورة المبشر البروتستانتي على نحو ثابت تقريبًا: رجل يأتي من الخارج، يحمل كتبًا دينية مطبوعة بالسريانية، يجلس مع بعض أبناء القرية في بيت أو في ساحة، يتحدّث عن الكتاب المقدس وعن "الإيمان الحقيقي"، ثم يغادر دون أن يتمكّن من بناء علاقة ثابتة أو ترك أثر مؤسّسي دائم. ولعلّ هذا الوصف المتكرر يعكس جوهر التجربة، فالبروتستانت لم يقدّموا مدرسة ولا معلّمًا مقيمًا، ولم يسعوا إلى إنشاء كنيسة، لأنّ الظروف الاجتماعية لم تسمح بذلك، ولأنّ مجتمع آزخ نفسه - كما تصفه النصوص - كان يُدرك أنّ أيّ قبول بتعليم مُستدام سيقود حتمًا إلى تغييرات جذرية لا يرغب بها. كان المبشرون البروتستانت يواجهون مشكلة إضافية لا يذكرها التاريخ السياسي بل يصرّ الأدب السرياني على إبرازها: عدم فهمهم للخصائص الثقافية والاجتماعية للبلدة. فقد تعاملوا مع القرية كأنّها نسخة من القرى المجاورة التي نجحوا فيها نسبيًا، ولم يُدركوا أنّ الانتماء الأرثوذكسي في آزخ ليس مسألة طقسية بل هو جزء من هُوية تُحمل مع الاسم والعائلة. كما أنّ محاولاتهم لتفسير الكتاب المقدس بطريقة مختلفة لم تنجح في بيئة تعتمد في فهمها النصوص الليتورجية والشروحات التقليدية. بل إنّ بعض المرويّات الشعبية تروي أنّ الناس كانوا يستمعون للمبشر بدافع الفضول فقط، وأنّ الكتب التي قدّمها بقيت محفوظة في البيوت دون قراءة جدّية، لأنّ طريقة تقديمها لم تتوافق مع تقاليد القراءة المشتركة أو مع الدور الذي يلعبه الكاهن المحلي في التفسير والتعليم. ويُجمع الأدب السرياني على أنّ التجربة البروتستانتية كانت أقل تأثيرًا بكثير من التجربة الكاثوليكية، إذ لم تُنشأ فيها مدرسة، ولم تتشكل جماعة بروتستانتية في البلدة، ولم يُسجّل أي تغيير طقسي دائم. كلّ ما بقي هو ذكرى في الرواية الشفوية تقول إنّ "أناسًا من خارج البلدة جاءوا ليُعلّموا، لكنّ أهل آزخ لم يجدوا في ما قدّموه ما يدعوهم للانتماء إليهم" وبذلك أصبحت التجربة البروتستانتية في الذاكرة الجماعية مثالًا على محاولة لم تَجِد أرضًا صالحةً للنُّموّ. وقد اعتنق المذهب البروتستانتي في آزخ الأسقف حنا ايليا (1885-1936) وبعض أفراد عائلته والقسّ حنّا بسنة وبيت محبي أم توما وكريم وحبيب وآخرون. ومع مقارنة التجربتين، يتّضح أنّ الكثلكة ظهرت أقوى من البروتستانتية لأنّها حاولت تقديم نفسها من الدّاخل عبر أبناء كنيسة سريانية كاثوليكية يتحدّثون اللغة ويشاركون التراث، بينما ظهر البروتستانت كغرباء عن السّياق. ومع ذلك، لم تنجح أيّ من التجربتين. ويبرز هنا سؤال يجيب عنه الأدب السرياني بشكل غير مباشر: لماذا نجحت الإرساليات في القرى المجاورة وفشلت في آزخ؟ يبدو أنّ الإجابة تتعلّق بالطّابع العشائري الفريد للبلدة، وبالوعي الجمعي الذي يرى في الانتماء الدّيني جزءًا من الدّفاع الذّاتي، وبالخوف المستمرّ من السّلطة العثمانية الذي جعل السكان يرفضون أيّ انقسام قد يُضعفهم أمام تهديدات خارجية. هذا إضافةً إلى الدّور الكبير الذي لعبه الكهنة الأرثوذكس، الذين لم يكتفوا بالحفاظ على الطقوس، بل كانوا مُمسكين بالنّسيج الاجتماعي ذاته. وتُظهر الكتابات السريانية الحديثة أنّ هذه التجارب لم تترك أثرًا لاهوتيًا أو طقسيًا، لكنّها تركت أثرًا في الذاكرة الأدبية، إذ أصبحت قصص دُخول الكثلكة وخروجها، وزيارات البروتستانت العابرة، جزءًا من رواية أوسع تصوّر البلدة بوصفها "قلعة لم تسقط أمام التغييرات الخارجية". هذا التوصيف ليس مجرّد خطاب ديني، بل هو جزء من سردية هوية ترى في الثّبات فضيلة وفي التغيير مَدعاة للانقسام والضّعف. يمكن القول إنّ الأدب السرياني الحديث يقدّم لنا صورة واضحة عن تجربة آزخ مع الكثلكة والبروتستانتية: صورة مجتمع قويّ في تماسكه، لم يكن رفضه للإرساليات موقفًا عقائديًا خالصًا، بل موقفًا اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا مرتبطًا بظروف زمانه ومكانه. فالكثلكة مرّت سريعًا ثم تلاشت، والبروتستانتية جاءت كزيارة وغادرت كذكرى، بينما بقيت آزخ - كما تصفها النصوص - وفيّةً لذاتها، محافظةً على وحدتها، وعلى مركزيّتها في التاريخ السرياني بوصفها بلدة عَصِيّة على الانقسام. وهكذا يظهر أنّ التجربتين، رغم اختلافهما في الأسلوب والعمق، كانتا أشبه بصفحتين طُوِيتَا بسرعة، بينما بقيت صفحات البلدة الأصلية مفتوحة على امتداد الزّمن، تُقرأ كما كانت، دون تغيير في الملامح أو في جوهر الهوية. وفي الختامِ هناك سؤالٌ يَخطرُ على بالِ الكثيرينَ مِنّا ألا وهو: لماذ لم تقم كل تلك الإرساليات التبشيرية المسيحيّة سواءً الكاثوليكية أو البروتستانتية بالتبشير بين السريان في تركيا وليس المسلمين؟ هذا سؤال جوهري يتعلّق بفهم طبيعة الإرساليات الأوروبية في الشرق العثماني. لم يكن هدف الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية الرئيسي هو تبشير المسلمين، بل كان التركيز على المسيحيين الشرقيين القدامى (بما فيهم السريان الأرثوذكس في طور عبدين) لعدّة أسباب استراتيجية وقانونية: 🛑 العوائق القانونية والسياسية (تجاه المسلمين) كان التبشير المباشر للمسلمين أمرًا شبه مستحيل في الإمبراطورية العثمانية: * الخطر القانوني: كانت الشريعة الإسلامية والقانون العثماني يحظران التحوّل من الإسلام إلى المسيحية، ويُعاقب المتحول (وكذلك المبشر في كثير من الأحيان) بالإعدام. كان النشاط التبشيري في المناطق الإسلامية الصّرّفة خطراً هائلاً وغير مجدٍ. * الغطاء الدبلوماسي: لم يكن لدى الدول الأوروبية أيّ غطاء قانوني أو دبلوماسي لحماية الإرساليات التي تهدف إلى تحويل المسلمين، بينما كانت لديهم "الامتيازات الأجنبية" لحماية مصالح المسيحيين الكاثوليك (فرنسا) والبروتستانت (بريطانيا وأمريكا). 🎯 الاستراتيجية المذهبية (تجاه المسيحيين الشرقيين) كان الهدف الأساسي للإرساليات هو "إصلاح" و"توحيد" الكنائس الشرقية القديمة: * الكاثوليك (الوحدة): هدفهم كان الوحدة مع روما, أي لم يكن تبشيرًا من الصفر، بل محاولة لجعل المسيحيين السريان الأرثوذكس يقبلون سيادة البابا والعقائد الكاثوليكية مع الحفاظ على طقوسهم الشرقية. وهذا أسهل بكثير من تحويل شخص من دين آخر. * البروتستانت (الإصلاح): هدفهم كان "إصلاح" ما اعتبروه "انحرافًا" في عقائد وطقوس الكنائس الشرقية، وغالباً ما انتهى الأمر بتأسيس كنائس سريانية إنجيلية أو بروتستانتية منفصلة. * التقارب اللاهوتي: بما أنّ السريان الأرثوذكس مسيحيون بالفعل، كان العمل لاهوتياً واجتماعياً (مدارس ومستشفيات)، وليس تحويلاً دينياً جذرياً. 🌉 دور المسيحيين الشرقيين "كجسر" اعتقدت الإرساليات الأوروبية أنّ توحيد أو إصلاح الكنائس الشرقية سيجعلها أكثر فعالية: * مرحلة وسيطة: رأت الإرساليات أنّ المسيحيين الشرقيين الموحدين أو المصلحين يمكن أن يكونوا "جسر المعرفة والحضارة"، وأنهم سيؤثرون على المجتمعات المحيطة بهم لاحقًا بطريقة غير مباشرة وأكثر أمانًا. * نقاط ضعف: كانت الكنائس الشرقية تعاني من الفقر، ونقص التعليم، وقيود اجتماعية عثمانية، مما جعلها هدفاً سهلاً لتقديم الدعم التعليمي والصحّي والمالي مقابل التغيير العقائدي. لذلك، كان التركيز على طور عبدين وغيرها من معاقل الأرثوذكسية الشرقية هو نتيجة استراتيجية براغماتية وواقعية لتجنّب الاصطدام المباشر مع السلطة العثمانية، ولأنّها تمثّل هدفًا قابلاً للتحقيق مذهبيًّا. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 03-01-2026 الساعة 05:35 PM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|