Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الثقافي > المنبر الحر ومنبر الأقليات

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24-01-2012, 06:30 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 37,526
افتراضي جزيرة ابن عمر الاب يوسف جزراوي

جزيرة ابن عمر

الاب يوسف جزراوي

(جزيرة الشهداء)

في البدء كلمة....

لا يكتشف الإنسان، المبدعين والعظماء والأحداث الخالدة إلاّ من خلال التاريخ، فهو تراث، ومدرسة، وحضارة، وخبرة أجيال، بل أنه ذاكرة للأجيال ، التي تتعرف بواسطته على جذورها، ومنه تستقي العَِبر.....
ولا أجمل من أن يتناول الإنسان تاريخ أصوله واهله، ليعرف جذروه، فيسعى للتجذر، فأنا من المؤمنين بأن التجذر عنصر جوهري في تكوين الإنسان، والتجذر وحده يسمح للمرء بالامتداد في أفق واسعة دون ضياع واستلاب واغتراب.
عكفت منذ فترة ليست بالقصيرة، بجمع مصادر عن الجزيرة العمرية،ففرغتُ من العمل، لكني كُنت أراه ناقص ،عرضتُ الموضوع على أُستاذنا الأب يوسف توما، فأمدني مشكورًا بمخطوط عن حوادث الجزيرة العمرية مُترجم إلى اللغة العربية•، عنوانه (هل سيموت هذا الشعب؟) كان قد كتبه شاهد عيان وهو الأب جوزيف نعيم ، فصدر الكتاب بأكثر من لغة ، عام 1920 بأسم ( هل ستُفنى هذه الأمة ؟).
قراءتُ المخطوط اكثر من مرة فأستفدتُ منهُ كثيرًا، وبواسطته استجليتُ الحقيقة...... لكنّني لا زلتُ ارى عملي غير متكامل؛ لكن فضلت نشره ، على امل اعادة نشره في صورة متكاملة وشاملة في المستقبل لكن العمل لم يُكتب له ليرَ النور ، ففضلت نشرهُ بصيقة مقال مطول في عينكاوا كوم على امل نشره في المستقبل ان قيض لي الله.
وأنا اعد هذه الكلمة المقتضبة تصورّت الاعداد الكبيرة من الجزراويين الذي أُخرجوا قسرًا من ديارهم ، فسقط عدد كبير منهم في الطريق ، وبعضهم وصلَ إلى الموصل او المدن الاخرى ولا يزال يعيش في ظهرانينا.
والجزراويون اليوم موزعون بشكل عام في زاخو والاغلبية الكبرى هم من الكلدان، بينما يقطن جانب منهم في الموصل وهم من الكلدان أيضًا وينتمي البعض الاخر للكنيسة السريانية بشقيها الكاثوليكي والارثذوكسي وهم اقلية قليلة ، بينما يكثر تواجد الجزراويين في بغداد واكثرهم من الكلدان. وفي سورية وجدت عدد لابئس به من الجزراويين الذي تعود اصولهم إلى جزيرة ابن عمر.
وعندما يدور الكلام عن ابرشيتي العزيزة ( الجزيرة ) وعن أبرشيات أُخر كاماردين وآمد وسعرد، تنقلني الذاكرة مباشرة إلى تركيا، فتلمع فيها وتلوح صورتان مختلفتان كليًا، واحدة قاتمة والاخرى مشرقة.
الأولى :سوداوية دموية تذكرنا بمذابح الدولة العثمانية البائدة.
الثانية : صورة مُشرقة ، وإن غابت عنّا ، لكنّها لم ولن تعرف الغروب؛ صورة تُذكرنا بأبرشياتنا العريقة التي كان فيها اهم المراكز الثقافية وأهم المطرانيات .... فيتوافد إلى مُخيلتنا رجال عظام نموا وترعرعوا في تلك الأرض أو خدموها لسنوات، وهم أشهر من نار على علم، يعرفهم القاصي والداني ، فمن منّا يجهل جبرائيل دنبو مجدد الرهبانيّة الكلدانيّة في ديارنا، وروفائيل مازجي الذي بهمته ودعمه تأسسس معهد شمعون الصفا الكهنوتي في الموصل وأُفتتح سنة 1868 والمطران إيليا ملوس، الذي بصم بصمته في القضية الملبارية، والمطران الشهيد يعقوب اوراها خطاط الرهبانيّة الكلدانيّة، والباحث الشقلاوي الدؤوب ادّي شير الذي كان منكبًا على المخطوطات يُطالعها ويحقق مافيها ... ناهيك عن الكنائس الاثرية والاديار العريقة ، والمطرانيات القديمة ....

ووفاء"ا مني، وأعتزازًا بمسقط رأس أجدادي، أحرص اليوم على نشر هذا العمل، ليتعرف القرّاء على شهود الأيمان الذين دفعوا حياتهم ثمنًا، لكيما يعلو أسم المسيح، فأسأل الله التوفيق....... وآملاً أن أكون قد ملأتُ الفراغ الموجود في مكتبتنا الكنسية.
متمنيــــا للقراّء الأعزاء قراءة ممتعـــة ، وللباحثين الأفاضل فائـــدة كبيرة.....
أُرحب بأي معلومات يمّدني بها القُرّاء الكرام، وساكون شاكرًا بأسمي وباسم مُحبي التاريخ والتراث لكل من يرفدني ويزودني بمعلومات وشهادات مفيدة أو بصور قديمة ونادرة.



لمحــة من التـاريخ

ذَكر اكثر من باحث بأن لهذه الجزيرة أسماء عدة، تعود الى ما قبل الميلاد، فتارة نقرأها صفا وتارة أُخرى أسفيا، علاوة على التسمية المعهودة بـ جزيرة الصخرة... في تاريخنا الكنسي الشرقي عُرفت هذه الجزيرة بأبرشية بيت زبدى. وهي مدينة جميلة تقع في جنوب تركيا. ويطيب لي أن أُسميها: بجزيرة الشهداء نسبة إلى عدد الشهداء الذين سقطوا على أرضها فنالوا اكليل الشهادة فيها.
ويفيدنا الشمـّـاس نوري إيشوع بقوله عن هذه الأبرشية:"موقعها في وادي دجلــة على بعد 3كم جنوب مدينة الجزيــرة الحالية. وكان مركز الابرشية في فنك، ويقال لها الجزيرة، على مسافة خمس ساعات منها. وفي بداية القرن الثالث، وجد أُسقف للابرشية ، يتبع رئاسة كرسي نصيبين المطربوليطي" .... وفي سنة 410 نجد في مقاطعة بازبدى، مطرانتين متجاورتين. الاولى على الضفة الشرقية من دجلة في قردو، ومركزها فنك ، والثانية على الضفة الغربية في قردو ، ومركزها ثمانون. وهي في لحف جبل جودي. في منطقة بوتان اليوم.
وعنها نقرأ أيضًا في مُعجم البلـدان، ليــاقوت الحموي : " بلـــدة فــوق الموصل بينهما أيام ولها رستاق مخصب واسع الخيزران.... تحيط بها دجلــة إلا من نــاحية واحدة شبه الهلال" .
سنـــة 691م ، بنى المسلمون الجزيــــرة العمرية، على بعـــد 3 كـــم شرقي بازبدى. ويقــول الحمـــوي: بــأن " أول من عمرها هو الحسن بن خطاب التغلبي سنة 250هـ" .
رويــدًا رويــــدًا أخذت هذه المنطقة بالتوسع لتغــدو أهــم مدينة في المنطقة، أذ نستشف من كتب التاريخ، بأن المنطقة كانت مركزًا تجاريًا مُهمًا، وكانت حالة الجزيرين الأقتصادية جيدة لان مدينتهم ملتقى التبادل التجاري، زد على ذلك لأن نهر دجلــة يمــر فيها حاملاً الخيرات على أنواعها على متن (الكلاك) قــادمًا من الشمال متوجهة مع تيـــار المـــاء الى الموصل وتكـــريت ثم بغــــداد ، فأهــــل الجزيرة كانـــوا معروفين بنشاطهم في مختلف الميادين، وبالذات الإقتصادي.
وبسبب تربتها الخصبة ومياهها الغزيرة، كانت المدينة غنية بالمنتوجات الزراعية والحيوانية، ومنها كان يتم التبادل التجـــاري باتجــاه الموصل عِبرَ نهـــر دجلـــة.

صورة كلك
كـــان أهــل المنطقة يتكلمون اللغـــة الكردية والعربية بلهجة خاصة بهــم، بينمـــا كــان المسيحيون يتكلمون السورث أيضًا إلى جانب اللغتين المذكورتين وبالذات في القرى، بحيث أمتازت هذه الجزيرة، بكثرة القرى وهي بحسب تفنجي ( الجزيرة ـ طاقيان ــ فيشخابور ــ حصد ــ تل قبين ــ هوز ومير ــ هربول ــ كير كيبدرو ــ نهروان ــ متصورية ــ إشي ــ باز ـ هلتون ـ آقول ـ ديسيون ـ مارشوريشو ـ شاخ ) .
نقرأ في مقال الأب يوسف توما، بأن منطقة الجزيرة كانت عاصمة لأمراء منطقة بوتان، وقد وقعت فيها حروب عدة ومآس آلت إلى تساقط ممالك وإمارات، كانت دولة مهاباد الكردية آخرها، وسكن هذه المنطقة عدد كبير من المسيحيين ، بل كانت أحيانًا مقرًا لثلاث اسقفيات: كلدانية وتسمى اسقفية الجزيرة، وسريان ارثوذكس ومقرها آزخ. ومنذ عام 1888م، كان فيها أسقفية للسريان الكاثوليك.
ويزيد صاحب المقال مستطردًا : لم ينقطع وجود المسيحيين فيها منذ القرن 6م وحتى 19م ، ممّا يمكن أن تعد هذه المنطقة كنزًا للقصص والروايات حول الأنبياء والآباء والقديسين والشهداء .
اهتم بهذه المنطقة الرحالة والسياح ( وليس السواح) لآثارها القريبة منها مثل جبل جودي الذي يدعى بالكردية ( جودي) وبالتركية ( جودي داغ) الذي يرتفع نحو 2100 م فوق سطح البحر ، ويقع هذا الجبل على بعد نحو 20 كم إلى الجنوب الشرقي من الجزيرة العمرية. يطل على سهل دجلة. كما كانت جزيرة ابن عمر محط انظار التجار الاوربيين بسبب نوعية خشب البلوط الذي كان يُكثر فيها ، فينقلونه إلى أوربا ومنه تصنَع افضل انواع البيانو.
ذكر الأب يوسف توما: .... ووجدنا في التقاليد السريانية والكردية ، ولدى اتباع الديانات الكتابية كافّة من يقول إن جبل جودي هو الجبل الذي رست عليه سفينة نوح إلى جانب من يقول إنه جبل أرارات الذي قرب يريفان الأرمنية ، والأرمن يعتمدون النص الكتابي ويقولون إن بقرب آرارات قبر لنوح في مدينة نا خيشسفان، لكن بالقرب من جبل جودي قيل إن فيه قبر لنوح ودير يحمل إسمه، سكنه رهبان من كنيسة المشرق لعدة قرون .
وحسنًا لنا الاستشهاد بما اورده الخوري يوسف تفنكجي عن ابرشية الجزيرة في احصائيته عام 1913 فهي في رأيي الأهم لأنه وضعت قبل المذابح العثمانية: " .... يسكن في المنطقة إلى جانب الكلدان ، السريان والنساطرة والبروتستان بالاضافة إلى الاغلبية المسلمة . يتكلم المسيحيون فيها السورث والعربية ، فيها رسالة للآباء الدومنيكيين واخرى لراهبات التقدمة . مطرانها الحالي مار يعقوب اوراها" .
كنيسة الكلدان في الجزيرة على إسم القديس كيوركيس ، ويعود بناؤها إلى القرن الخامس عشر.ومن اثارها ( الجزيرة ) قلعتها المُشيدة بالاحجار السوداء البركانية والبيضاء الصلبة .
قضى معظم المسيحيين من سكنة الجزيرة نحبهم في الحرب العالمية الاولى، إذ ضربت رؤوسهم بالسيوف ، فوقعوا ضحيت مذابح حيوانية .... فهُجروا من ارض اجدادهم قسرًا من قبل الرجل العجوز (الدولة العثمانية)
فسقط الكثير من الفارين منهم في الطريق امواتًا ، منهم من سقط جوعًا، ومنهم بسبب التعذيب، ومنهم من خرج عليه قطاع الطرق فقتلوهم بعد أن سُلبوا ونهبوا و...
الناجون منهم ( وهم أقلية )، قصد اكثريتهم شمال العراق والموصل .. وخلال الزمن نزحوا إلى بغداد.... وقسم قليل قصد حلب والجزيرة العليا ففروا بجلدهم من مذابح لم يعرف التاريخ مثيلاً لها.
وبعد مذابح 1915 انتقلت ادارة الجزيرة إلى ابرشية زاخو الكلدانية ، واستمرت حتى النصف الثاني من القرن العشرين ، ثم تبعت كنيسة السريان الأرثوذكس .
شيئًا فشيئًا اخذ ينقرض وجود المسيحيين من الجزيرة ، أن لم يكن منقرضًا، فزالت ابرشيات عريقة في التاريخ والقدم في تركيا مثل إبرشية الجزيرة وماردين وسعرد وديار بكر التي هي الأُخرى هي اليوم بدورها باتت شبه فارغة من المسيحيين.



مذبحة الجزيرة والتخوم المجاورة لها
سبب المذبحة
كانت نيران الحرب العالمية الاولى قد اشتعلت وبشكل غريب. فكان المسيحيون بصورة عامة يتابعون تقدم الجيوش الروسية بكل اهتمام ويتقّصون أخبار المعارك باستمرار آملين أن تصل تلك الجيوش إلى مناطقهم وتُخلصهم من نير الحكم التركي الغاشم لأنّهم كانوا يفضلون الحكم الروسي على الحكم العثماني.
انتشرت بعض الدعايات متهمة الأرمن بالإعداد لمؤامرة ضد نظام الحكم العثماني التركي. كانت هذه الدعايات وأمثالها تنتشر بسرعة البرق حيث الأفواه تتناقلها، والأسماع تتناولها مع زيادة بعض الإضافات المثيرة والمضرة.
مذ ذاك أخذت ملامح وجوه الأتراك ونظراتهم إلى المسيحيين تتغير شيئًا فشيئًا حتى غدت تنذر بالوعيد والتهديد بالانتقام. بموازاة هذا التغيير بدأ المسيحيون يلحضون توزيع صور فوتوغرافية، غير حقيقية، توهم من يراها أنه يرى بعض الرجال باعتبار أنهم مسيحيون وهم يقتلون المسلمين بوحشية. بطبيعة الحال إن صورًا كهذه إضافة إلى الدعاية المغرضة كانت توغر صدور المسلمين البسطاء بالحقد والكراهية والبغضاء. ومما زاد الطين بلّة، هو تبنّي الشرطة نفسها مسؤولية توزيع صور كهذه أو على الأقل السماح بتوزيعها.
بعد ذلك أخذ الحال في التدهور وبسرعة حتى انتشرت اشاعات وادعاءات كاذبة ُتفيد أن السلطات الحاكمة تمكنت من كشف مخازن كثيرة (في بيوت بعض المسيحيين وكنائسهم) تحوي أسلحة مختلفة وبكميات كبيرة.







بربرية المذابح
كتب اللورد بريس مقدمة لكتاب الاب جوزيف نعيم الذي نُشِرَ سنة 1920 باللغة الانكليزية ما يلي:
"لم يعرف تاريخ الشرق طوال حقباته أحداثًا دموية كتلك التي سُجّلت خلال المذابح المروعة وحملات الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الحكومة التركية تجاه مسيحيّي الأنضول وأرمينيا عام 1915. إن آلام الأرمن هي التي جذبت انتباه بريطانيا وأمريكا بشكل رئيسي بسبب ضخامة أعدادها وهزت الهيئات الكنسية لما شملته تلك الأعمال البربرية من مناطق واسعة. إن خطط إبادة المسيحية لم تقتصر على الأرمن رغم أنهم كانوا الأكثر تأثرًا بل شملت أيضًا الأقليات المسيحية كالنّساطرة والكلدو آشوريين حيث كانوا هم أيضًا ضحايا المخطط الإجرامي الذي كان هدفه إفناء المسيحيين جذورًا وأغصانًا علمًا أن الأتراك لم يستطيعوا يومًا إثبات أي اتهام أو أعمال معادية لسلطانهم من قبل تلك الأقليات" .
ويزيد صاجبنا في مقدمته قائلاً : قبل بدء الحرب العالمية الأولى، كان عدد الكلدان والسريان واللاثوريين والارمن كبيرًا. وكانت مناطق سكناهم في قرى عديدة انتشرت هنا وهناك في ربوع تركيا و منطقة وان المتاخمة لبلاد فارس والقوقاز. سكن هؤلاء المسيحيون في تلك المناطق منذ قرون طويلة وأجيال عديدة. كانوا يتمتعون بنوع من الحرية والحكم الذاتي إذا ما قورنوا بإخوان لهم سكنوا السهول الفسيحة.
كانوا يعيشون تحت نظام إداري بدائي مجزأ يرأس كل جزء رجل يدعى بـ "الملك". كان مار شمعون يرأس كل هؤلاء الملوك ويقيم في مدينة صغيرة تدعى قوجانس.
كانت القرى المسيحية محاطة بقرى كثيرة يقطنها الأكراد المنتمين إلى عشائر عديدة متناحرة فيما بينها لكنّها جميعًا كانت متـّفـقة على معاداة المسيحية والمسيحيين وتنظر إليهم بكره وحقد منتظرة الفرصة المناسبة حيث كانوا فارضين أنفسهم على مجتمعهم بقوة السلاح مدافعين عن حقوقهم وحامين كيانهم القومي. جعل هذا النوع من الحياة الرجال يعيشون حالة طوارئ مستمرة الأمر الذي جعل منهم قومًا شجاعًا لا يحني الرأس أبدًا. كانت الحكومة التركية (العثمانية) تحاول من حين لآخر أن تخضعهم وتنزع سلاحهم غير أنّ جنودها كانوا يعودون فاشلين كلّ مرّة يحاولون ذلك تاركين وراءهم الكثير من القتلى والأسلحة التي يستولي عليها المسيحيون فيستخدمونها ضد القوات المهاجمة المعتدية.
عندما أُعلنت الحرب ظنّ ابناء الكنيسة الكلدانية والسريانية والاشورية والارمنية القليلي الثـّقة بالدولة العثمانية أنّ ساعة الخلاص من الظلم التركي قد أزفت وأن وقت رحيله قد دنى فقرروا الوقوف إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك.
انتقامًا من موقف الكلدو آشوريين هذا قامت الحكومة العثمانية بإلقاء القبض على كل المنتمين إلى هذه القومية البعيدين عن ديارهم والساكنين في المدن المختلفة. من بين المعتقلين كان أخو مار شمعون الذي كان حينئذٍ في اسطنبول وأعدم بعد ذلك على يد السلطات العثمانية.
استطاع المسيحيون أنّ يُشاغلوا الجيش العثماني أشهُرًا عديدة ويُقاتلوه ببسالة وشجاعة بالرّغم من تفوقه عليهم عـُدة وعددًا.
كما قاتلوا العشائر الكردية التي سلحتّها الحكومة العثمانية ودفعت بها لمقاتلة المسيحيين، مشجّعة اياهم بوعود خلابة قطعتها لتحسين مستقبل الأكراد. كان الكلدان والارمن والاثوريين حتى ربيع عام 1915 هم المسيطرين على الموقف والمنتصرون دومًا. قام بعد ذلك حيدر باشا والي الموصل بتشكيل جيش نظامي تعداده أربعون ألف جندي تدعمه القبائل الكردية. هاجم حيدر باشا المسيحيين مـرّة أخرى من جهة الشمال. دخل الفريقان في حرب ضروس ومعارك حامية دامت أشهرًا. ونظرًا لقلة عدد المقاتلين المسيحيين وبساطة تسليحهم مقارنة بالجيش العثماني النظامي تمكّن حيدر من تضييق الخناق ومحاصرة المقاتلين الكلدان و الأثوريين فقطع خطوط اتصالهم بالروس وجيشهم المتواجد في المناطق المتاخمة. كما أنّ الجيش الروسي لم يستطع إمداد القوات المسيحية في الوقت المناسب. فقلّت المؤونة شيئًا فشيئًا حتى نفدت تمامًا كذلك نفدت الذخيرة ولم يبقَ مجال لاستمرار القتال.
قرّر بعض الشجعان من الطلائع وبعد مداولات قصيرة محاولة كسر طوق الحصار وقيادة الجماهير المحاصرة إلى ما وراء الجيوش العثمانية وقبل أن تقتحم عصابات الأكراد المدعومة بالقوات النظامية القرى المسيحية.
كان العالم كلّه يشهد الفاجعة التي حلّت بالشعب المسيحي في تلك الربوع ولا يُحرك ساكنًا. هجم الأتراك والأكراد هجمة شرسة قطعت أوصال الشعب المسكين وفرقته شذرًا مذرًا، فضربوا الرقاب بالسيف وحرقوا المساكن ودور العبادة من كنائس ومزارات ودمروا الحقول والبساتين. وقع الهاربون العزل المختفين في مضايق الجبال أو المتحصنين في كهوف فريسة ضعيفة بأيدي الطغاة الذين لا يرحمون لأنّهم عصابات خارجة على القانون. لقد كانوا حقًا شعبًا سباه أعداء لا يعترفون بحقوق للإنسانية ولا للعدل من وجود لديهم.
ذُبحت أعداد غفيرة من الجماهير الهاربة في الطريق. استطاعت أعداد قليلة منهم فقط الوصول إلى خطوط القوات الروسية المتواجدة على الحدود التركية الفارسية بعد مرور بأهوال ومخاطر لا تُوصف. هكذا استطاع الناجون من الحصار المضروب اللحّاق بإخوانهم من مسيحيي سهول أورميا وسلامس وخووي.
شهادة الأب دان جيلمونييه
( حول المذابح التركية للمسيحيين وبضمنها مذابح الجزيرة العمرية).

"كل الشعوب عانت المصائب الكبيرة والكثيرة جراء الحرب العالمية؛ قاست الآلام وعانت من نقص الغذاء والإحتياجات الحياتية بشكل أو بآخر، ولكن هناك شعب واحد فقط تأذى بكيانه ووجوده خلال سنين الحرب المدمرة ذلك، هو الشعب المسيحي الذي كان ساكنًا المناطق الشرقية من أراضى الدولة العثمانية (تركيا الحالية).
إنني لا أستطيع أن أصف تفاصيل مقتل أو إبادة كل مسيحي على حدة، كما أني لا أريد أن أدخل في تفاصيل انقساماتهم إلى طوائف وشيع لأن مسؤولية ذلك تقع على الجميع. كل ما أريد قوله باختصار هو الحديث عن الاضطهاد الذي تقاسم الجميع كأسه دون استثناء وشربوه حتى الثمالة. رغم أني في عجالة، لا بد لي أن أتحدث عن المستقبل الذي ينتظره المسيحيون دون تمييز.
قبل الحرب كان تعداد مسيحيي الشرق بضمنهم اليونانيين الأتراك يزيد على الثلاثة ملايين. أما اليوم وبعد مرور سنتين على الحرب، فإن عددهم أصبح لا يزيد على المليون أي أن النقص تجاوز المليونين بسبب المذابح الجماعية والإبادة التامة للسكان بضرب رقابهم بالسيف أو الموت الطبيعي على الطريق عندما كانوا يُنفون أو يُهجّرون نتيجة التعب والجهد أو انتشار الأوبئة. بالحقيقة أن هذه الجموع المظلومة سيقت وكأنها قطعان ماشية إلى المجزرة.
في البداية كانت جموعًا هائلة ولكن في النهاية لم يكن يبقَ منها سوى بعض الذين ساعدهم الحظ على النجاة. لقد هُجّروا ونفوا من مواطن سكناهم وارض أجدادهم على شكل قوافل متتابعة كبيرة العدد. انتشرت فيها الأمراض والأوبئة، ففتكت بجموع منتسبيها فتكًا وحصدتهم وخاصة عندما كانوا يسكنون بصورة مؤقتة في مجمعات إنتظارًا للمصير المجهول. أما الباقون منهم على قيد الحياة وبعد أن نجوا من المذابح، فأنهم لا زالوا مُهدّدين خلال فصل الشتاء القادم بالفناء إن لم تُمد إليهم يد المساعدة والعون.
إن المسيحيين الذين نجوا من الإبادة حتى اليوم هم فقط أولئك الذين يسكنون اسطنبول وحلب وبعض المدن الأخرى القليلة التي تُعد على أصابع اليد . أما أولئك الذين يسكنون القرى والمدن الصغيرة فكانوا الضحايا الأول التي احترقت بنار الاضطهاد لأنهم نفوا أو هُجّروا بعد اعتقال الرجال وخاصة الأثرياء وذوي الجاه أصحاب التأثير في مناطق سكناهم ومراكز تواجدهم. كان أولئك الرجال يؤخذون تحت حراسة الشرطة والجيش المشددة بحجة نقلهم إلى مكان آخر، في الطريق يُنظمون بمجاميع صغيرة تُصفى جسديًا بإعدامهم رميًا بالرصاص. بهذا الشكل انتهت أغلبية الرجال.
بالنسبة للقرى النائية فالطريقة كانت مغايرة حيث أن السلطات أوكلت أمر إبادة المسيحيين الساكنين في تلك القرى إلى الأكراد العتاة الذين لا يقلون شرًا إن لم نقل أنهم كانوا السبّاقين في استنباط الأساليب الجديدة لإفناء المسيحيين. غالبًا ما كانت تبدأ الصولة بنهب القرى وغزوها ثم خطف الشابات الحِسان والنساء الجميلات وأخذهن كسبايا، وكذلك الأطفال الجميلي الصورة والهيئة فيحتفظون بهم ثم يقومون بحرق البيوت فيضطر الباقون على الهرب. وفي الطرق تهجم جموع الأكراد على الفارّين بالسيوف البتارة فيسقطون مضرجين بدمائهم الزكية جثثًا هامدة وهكذا ينتهي أمرهم إلى الأبد.
بعد أن تمت عملية تصفية أغلبية الوجهاء المسيحيين، صدر أمر في اسطنبول بإيقاف الاضطهاد وأعمال الملاحقة لكل المسيحيين سريانًا كانوا أو يعاقبة أو كلدان. لكن هذا الأمر ومع شديد الأسف نُـفـذ بشكل مبتور حتى بالنسبة للمدن المهمة الكبرى. بالنسبة للقرى النائية فقد وصل الأمر متأخرًا أي بعد أن تمت الإبادة الجماعية لسكان أغلب تلك القرى وأصبحت بيوتهم خرائب وآثارًا ينعب فوقها البوم.
لا زال هناك حتى الآن قرى نائية عانت من المذابح والغزوات ولكن لا زال فيها بعض من الأرمن الذين لا يزيد عددهم على البضع مئات فقط، معظمهم من الأرامل والأيتام، وهذا نتيجة لقتل أو ضرب رقاب أكثر من مليون نسمة بالسيف. طائفة الكلدان وحدها خسرت ثلاثة من مطارنتها الشجعان وثلثي أبناء الطائفة. بالنسبة لكنيسة المشرق الآثورية (النساطرة)، فقد تجاوزت خسارتها المائة ألف نسمة من أبناء الطائفة وأغلب مطارنتها وأساقفتها. أما بالنسبة للسريان فقد فقدوا كل أثريائهم وذوي الجاه والمراكز المرموقة ذات التأثير الاجتماعي. والسريان الأرثذوكس (اليعاقبة) في ماردين فأغلبيتهم نجت من المذابح بفضل الرشاوى الضخمة التي قدموها للمسؤولين.
القرى التي سكانها يتبعون هذه الطائفة والقريبة من ماردين فقد كلفتهم المجازر ثمانون ألف نسمة ضربت أعناقهم جميعًا بالسيف على أيدي الأكراد بوحشية وهمجية.
تلخيصًا لكل ما ذُكر، نستطيع أن نؤكد أن رقم المليونين المُقدّر لعدد القتلى من المسيحيين صحيح وهذا فقط خلال السنتين الأخيرتين أي 1915 و1916 وجزء من العام 1917. ما يخص عدد القتلى خلال مسيرة قوافل الإبعاد والنفي فقد تجاوز الأربعين ألف.
علينا أن لا ننسى كذلك أن عددًا كبيرًا من النساء الجميلات والشابات الحسان اللواتي اختطفن وأخذن سبايا لا زال الأكراد والأتراك الذين اختطفوهن محتفظين بهن في أقسام الحريم من بيوتهم. كذلك يجب أن لا ننسى أن الجماهير المسيحية من أتباع الكنيسة البروتستانتية قاسوا هم أيضًا التعذيب والاضطهاد ولكن رغم ذلك هذه الكنيسة كانت السبّاقة في تأسيس المياتم لاستيعاب الصغار اليتامى الباقين على قيد الحياة بعد مقتل الآباء وسبي الأمهات.
لو أردنا تسجيل كل الوقائع الدموية التي حصلت على مدى الأيام والأشهر والسنوات التي طالتها الحرب لاحتجنا إلى آلاف الصفحات والعديد من المجلدات التي ستشكل حتمًا جزءًا مهمًا من تاريخ هذه الحرب الضروس. بعض من تلك الوقائع لم يسجل لها التاريخ مثيلاً من حيث الهمجية والقسوة في الحروب الغابرة عندما كانت البشرية في بداية تحضرها. لا زال هناك حتى يومنا هذا الآلاف من الأرامل والأيتام الذين نجوا من براثن الموت ومخالب الكلاب المسعورة من الأتراك والأكراد يحاولون اللجوء إلى أحضان العوائل المسيحية بسبب رابطة الاخوة الدينية والعقيدة الإيمانية والاطمئنان النفسي ولكنهم لا زالوا يعيشون أوضاعًا مأساوية لعلمهم بأن لهم قريبات لا زلن بين أيدي تلك الوحوش الكاسرة يغتصبونهن ليل نهار أو يمتهنونهن ببيعهن في أسواق النخاسة كما تباع الماشية وتحت أنظار السلطة وأمام عيون العوائل المسيحية التي ترى المأساة ولا تستطيع دفعها أو منعها بسبب ضيق اليد وعدم التمكن من افتدائهن.
وضعت السلطات العثمانية اليد على كل المؤونة والحاصل الزراعي بحجة ضمان توفير القوت للجيوش المحاربة. لذلك أصبح الجوع القاتل يخيم على الناس جميعًا دون تمييز. فقامت الجماهير الكردية والتركية بمهاجمة المسيحيين أينما وجدوا وافترسوهم افتراسًا كوحوش الغاب الكاسرة دون رحمة أو شفقة. وطردوهم من بيوتهم واستولوا على ممتلكاتهم وتركوهم مشردين في الطرقات يتسولون بأسمال بالية. فجابوا القرى والأرياف والمدن طلبًا للقمة خبز أو جرعة ماء، يستعطفون ذوي المروءة والنخوة الطيبي القلب. أحيانًا كانوا لا يجدون حتى الفُتاة، فكانوا يموتون جوعًا دون أن يلتفت إليهم أحد وغير مأسوف عليهم.
لأي تركي الحق في قتل أي مسيحي كيفما وأينما شاء؛ فالمسيحي عليه فقط واجبات والتزامات يجب أن يؤديها كاملاً ودون معارضة أو مناقشة. للأتراك الحق في إبادة المسيحيين وإفنائهم دون مسائلة أو محاسبة ولا من صوت يدافع عنهم أو هيئة تحميهم من الاعتداء. هذا هو الواقع المأساوي الحالي لمسيحيي الشرق في ظل التسلط العثماني التركي الغاشم. بين يدي آلاف البراهين التي تثبت ذلك" .






كَتب الينا الأب جوزيف نعيم عن قصة استشهاد الاف من ابناء شعبنا في بقاع الجزيرة المحيطة بنهر دجلة وميديات حيث كانت تنتشر عشرات القرى الاهلة بالسكان واصبحت اليوم خاوية خربة لا حياة فيها ولا نبات، فيقول: عدد القرى التي اعرفها انا شخصيًا كان يزيد على الخمسين قرية التي ضربت رقاب جميع سكانها بدون استثناء بالسيف-كانت هذه البقاع تعج بالحياة، حقولها خضراء تعيش برفاه وطمأنينة متاملة مستقبلاً سعيدًا خاصة بعد تنفيذ مشروع خط سكة حديد عبرها.
ليس هناك من شك ان عدد الشهداء الذين سقطوا صرعى السيف التركي الغاشم كان مائتان وخمسين الفًا ان لم يتجاوزه جميعهم من الكلد والاشورين . هذا يعني ثلث العدد الكلي للمسيحيين قتل خلال سنوات الحرب العضمى أو مباشرة بعد انتهائها اثر توقيع قرار هدنة) .منطقتان فقط يسكنها الكلدان وهما العمادية وزاخو ، بقيتا سالمتين بفضل الجهود التي بذلها غبطة بطريرك الكلدان حيث كانت تحت نفوذ جيوش الحلفاء . ولكن عندما حل شهر تموز من عام 1919 اجتاحها الاكراد فقتلوا الرجال وخطفوا النساء ونهبوا وسلبوا الاموال والممتلكات .
كان المؤلف الأب جوزيف نعيم رحمه الله قد وضع كتابًا عن مذابح الدولة العثمانية، مذابح قد شاهدها بأم عينيه ولمسها لمس اليد وعبر شهادات الكثير من الناس الذين كُتب لهم الحياة ؛ لذا نقرأ في ديباجته المُشار إليها سلفًا : مؤلفات كثيرة ظهرت حتى الآن تحكي قصص الاعمال الوحشية والمذابح المروعة التي ارتكبها الأتراك في اصقاع ارمنيا واسيا الصغرى وسوريا. ونظرًا لأني كنتُ شاهدًا وضحية لبعض تلك الجرائم ..... اكشف للرأي العام كيف كُنـّا فريسة خانعة بين مخالب غول الانضول ؛ ذلك الوحش الشرس الذي ارتكب جرائم القتل والذبح والاغتيالات والسلب والنهب والتدمير.
ونقرأ في المقال الموسوم " الكنيسة الارمنية في التاريخ للاخ الراهب فاهان اوانسيان : مع بداية القرن العشرين تعرض الارمن والكنيسة لائبشع مذبحة في تأريخ البشرية المعاصر عندما قامت الحكومة العثمانية في عهد طلعت وانور وجمال بقيادة حزب الاتحاد والترقي الذي كان تحت سيطرة الباشاوات بقتل وذبح ما يزيد على (1,5)مليون ارمني. حيث كانت تقوم باعتقال وقتل الرجال والشبان تم جبر النساء والاطفال والشيوخ على الهجرة إلى مدن وقرى بعيدة سيرًا على الاقدام حيث تعرض اغلبهم إلى النهب والقتل في الطريق. ومن نتائج هذه المجزرة البشرية فقدت الكنيسة 90% من رجالها واساقفتها المثقفين ، كما قامت الحكومة بتحطيم وتدنيس العديد من الكنائس والاديرة الواقعة في الولايات التابعة لامبراطوريتها، وقُتل ايضًا العديد من الكلدان والسريان إبّان هذه المجزرة ودنست كنائسهم .











احصائيات
هُناك احصائية للعلامة جان باتيست شابو، نشرها في الاول من كانون الثاني سنة 1896، نقلاً عن لسان البطريرك عبد يشوع الخامس خياط ، يورد فيها احصائيات عن مدينة آمد ـ ماردين ـ الجزيرة ـ سعرد. نوردها في عملنا هذا ليتعرف القُرّاء على عدد المسيحيين قبيل اشتعال نيرا الحرب العالمية :
( آمد )
اللغة ( عربي ، تركي ، ارمني ، كردي )
السكان 3000 نسمة
عدد الخورنات 4
عدد الكنائس 3 عدد الكهنة 1
المدارس ، 4 للذكور ومدرسة واحدة للإناث.
( ماردين)
المطران جبرائيل ادمو
اللغة ( تركي ، سورث )
عدد السكان 850 نسمة
عدد الخورنات 5
عدد الكهنة 3
المدارس واحدة للذكور و2 مختلطة
( الجزيرة )
المطران يعقوب ابراهيم
اللغة ( عربي ، سورث )
عدد السكان 5200
عدد الخورنات 16
عدد الكنائس 17 عدد الكهنة 14
عدد المدارس 12 للذكور والإناث.
( سعرد )
المطران ( يوسف عمّانوئيل توما ) ( البطريرك فيما بعد )
اللغة ( عربي ، كردي ، سورث )
عدد السكان 5000
عدد الخورنات 22
عدد الكنائس 21 عدد الكهنة 17
عدد المدارس 7 للذكور ومدرسة واحدة للإناث
وبحسب احصائية الخوري تفنجي التي وضعها بالفرنسية سنة 1913 وعنوانها المتداول ( الكنيسة الكلدانية سابقًا وحاليًا ) وقد نشرها الكرسي الرسولي في الدليل الحبري ANNUARi PONTiFiCiO لسنة 1914 نوردها في بحثنا هذا لأنها الاحدث عهدًا قبل وقوع المجازر في تركيا وبالذات في الجزيرة العمرية:


آمد مطرانها سليمان صباغ
عدد النفوس 4180 نسمة اللغة ( ارمني ، عربي، تركي ، كردي.
عدد الكهنة 12
عدد الكنائس 5
عدد الكابلات 4 عدد المدارس 4.


ماردين مطرانها اسرائيل اودو
عدد النفوس 1670 نسمة
عدد الكهنة 6
عدد الكنائس 1
عدد الكابلات 2 عدد المدارس 3

الجزيرة مطرانها يعقوب اوراها
عدد النفوس 6400
لغة المسيحيون السورث والعربي
عدد الكهنة 17
عدد الكنائس 11
عدد الكابلات 3 عدد المدارس 7.
سعرد مطرانها ادّي شير
عدد النفوس 5430
اللغة ( الكردية ، السورث ، العربي )
عدد الكهنة 21
عدد الكنائس 31
عدد الكابلات 7 عدد المدارس 9.
وعن قصة استشهاد المطران أدّي شير مطران سعرد ، تنقل لنا الشاهدة استير، الطريقة البشعة التي قتل فيها المطران ادّي شير:
شاهدت يومًا ونحن في "العين" حادثة ستبقى في أعماقي حيّة لا تنسى، تلك هي حادثة مقتل وذبح الشهيد البطل مار أدّي شير مطران سعرت. رأيته يمشي بضعف وصعوبة من شدّة التعذيب الذي قاساه. كان ضعيف البنية هزيلاً ووجهه شاحبًا، كان الجنود يسخرون منه ويهينونه، ويقتلعون شعيرات لحيته بهمجية، ويضربونه بكعب بنادقهم، ويطلقون النار في الهواء من مسدساتهم أمام وجهه لإرهابه. اقتادوه إلى خارج المدينة وقتلوه مع أحد أتباع عثمان أغا الذي سبق وأن التجأ الشهيد البار إلى حمايته. أطلقوا الرصاص على رأسه فسقط مضرجًا بدمائه الزكية. بعد ذلك قطع القتلة المجرمون رأسه بسكين ليحملوه إلى المحافظ الذي أصرّ على أن يرى رأس الشهيد أمامه .
ولعل من المفيد أيضًا الاستشهاد بديباجة حبرها الأب جبرائيل اوساني في مخطوطة الأب جوزيف بتاريخ الأول من تشرين أول عام 1920 تكشف لنا وللقارئ مُعانات أبناء شعبنا في تركيا على يد الغول العثماني واحصائيات ما قبل المذابح وبعدها ؛ فنقرأ:
عند قيام الحرب العظمى، وبناءً على الإحصائيات المُعوّل عليها آنذاك، كان عدد أبناء الشعب الكلدو آشوري في كل من تركيا وبلاد فارس حوالي الثمانمائة ألف مسيحي يعيشون جميعًا في سهول بابل وأعالي بلاد ما بين النهرين وسوريا وجبال أشور وكردستان وبلاد فارس. أما عددهم الآن فانه قد أصبح لا يزيد على النصف مليون إلا قليلاً وهذا ما معناه أن العدد انخفض بمقدار 250 ألف نسمة قتلهم جميعًا الاستبداد التركي والغطرسة الكردية الفارسية المتجبرة. الذين نجوا من المذابح وحد السيف، تركوا قراهم وأوطانهم وهربوا إلى روسيا وسوريا وجنوب وادي الرافدين.
لإعطاء صورة أدق عن الموقف، نقسم الشعب المسيحي الكلدو آشوري إلى الفروع التالية:
الكلدو آشوريون أتباع تعليم نسطورس المدعوون النساطرة هؤلاء يستعملون اللغة السريانية.
الكلدو آشوريون الكاثوليك المدعوون الكلدان بلهجتها وحرفها الشرقي.
الكلدو آشوريون أتباع تعليم أوطيخا المدعوون اليعاقبة هؤلاء يستعملون اللغة السريانية.
الكلدو آشوريون الكاثوليك المدعوون السريان الكاثوليك بلهجتها وحرفها الغربي- المترجم.
أما تعدادهم قبل الحرب فكان:
مائتان وخمسون ألفًا نساطرة. ( يقصد بهم اخواننا الاثوريين )
مائة وخمسون ألفًا كلدان.
مائتان وخمسون ألفًا يعاقبة .
خمسون ألفًا سريان كاثوليك.
بسبب الخسائر الفادحة التي حلت بالشعب الكلدو آشوري المسيحي فإن وضعيته اليوم قلقة جدًا وسوف لن يمكن استبيان الحقيقة كاملة إلا عندما تنتهي مآسي الخراب والدمار الذي حل بتلك البلدان وتعود المياه إلي مجراها الطبيعي علمًا انه إضافة إلى المائتين والخمسين ألف شهيد مسيحي، حصل تدمير كامل لعشرات الكنائس وحرق آلاف البيوت وقتل دزينة من الأساقفة والمطارين ومئات الكهنة وسلب ونهب ممتلكات أبناء الشعب المسيحي عامة والاستحواذ الكامل على ممتلكات وأثاث الكنائس بعد انتهاك محرّماتها وانتشار المجاعة المميتة والاغتصاب والأمراض والفقر وإتباع سياسة النفي والإبعاد والتعذيب وبتر الأعضاء وتشويه الأجسام. كل هذه المحن طالت الآلاف المؤلفة ممن بقوا على قيد الحياة فأصبحوا كائنات حية لا حول لها ولا قوة؛ تعاني البؤس بشكل لا ُيعقل ومخجل.
ويقول تيسران في احصائية 1928: بقي في الجزيرة نحو 1600 نسمة وبدون أي كاهن يخدمهم .
وفي احصائية كان قد وضعها الأب(البطريرك فيما بعد) روفائيل بيداويد عام 1950 بطلب من المعاون البطريركي للكلدان آنذاك المطران اسطيفان كجو ( + 1953) بلغ عدد ما تبقى في أبرشية بازبدى نحو 1789 نسمة، يخدمهم كاهن واحد، وهم موزعون على القُرى التالية: بازنايي ـ بيسبين، اشي، كزنخ، هربول، حسانة، ماير . وكانت هذه المراكز مُناطة بأبرشية زاخو الكلدانية.
اما اليوم وفي وقتنا الحاضر وباطلاعنا على مقابلة مع مطران ديار بكر للكلدان هو السعيد الذكر مار بولس كره تاش الذي كان يُقيم في اسطنبول لا في ديار بكر لقلة عدد المؤمنيين. ومن مقابلة معه في مجلة نجم المشرق ، نورد هُنا في بحثنا هذا بمثابة اخر احصائية رسمية لشعبنا الكلداني في اسطنبول الذي يبلغ عددهم نحو ثلاثة الاف نسمة ، وعنها قال : جماعتي صغيرة .... وهي تُعاني من داء الوبيل ( الهجرة) الذي يُعاني منه شعبنا في كل أقطار الشرق الاوسط....




في ديار بكر لنا كنيسة على اسم مار بثيون لا تزال قائمة ، وهي كبيرة، ومن الطراز الكاتدرائي؛ أي تتكون من ثلاثة هياكل ، وفيها لوحة زيتية لمار بثيون، وفيها سلسلة حديد للمرضى على عادة كنائسنا القديمة ، وفيها مقبرة البطاركة اليوسفيين، أمّا المطرانية فقد سقطت.
وفي ماردين لنا كنيسة مُشيّدة على أسم مار هرمزد قائمة ، لكنها بلا كاهن، فجماعتها صغيرة جدًا ويخدمها كاهن سرياني. ودار المطرانية قائمة، وفيها بعض الكتب الدينية الخطية.
اما ابرشية الجزيرة، فلم يعد هناك احد من شعبنا. المطرانية قائمة ويسكنها غرباء، أمّا الكنيسة فقد سقطت كليًا، وبرغم جمال موقعها على نهر دجلة لكن احدًا لم يتجاسر على استغلاله.
اما عن سعرد ، فأن كنيسة دير مار يعقوب لا تزال قائمة ، أما المكتبة والمخطوطات فلا اثر لها. هُناك اثر واحد هو وادٍ قريب مليء بعظام بشرية في العراء .
وقد ذكر الشمّاس نوري ايشوع : قيل نهاية الألفية الثانية فرغت جميع القُرى من سكانها، اذ هاجر اغلبهم إلى البلدان الغربية. وهكذا عاشت أبرشية بازبدى حياة مأساويّة ، بين التدمير والقتل والسلب والتهجير،مما سبب انقراض المسيحية فيها .







خدم اكثر من اسقف في الجزيرة ، كان اخرهم شهيد الايمان وهو

المطران يعقوب ابراهام :
هو فيلبس بن اوراها من عائلة بودو التلكيفية. مواليد تلكيف 1848 دخل الرهبنة الانطونيّة الكلدانيّة سنة 1866، اتشح بالاسكيم الرهباني في 27/9/1868 على يد الانبا اليشاع الياس الرئيس العام للرهبنة. درس في المعهد البطريركي الكلداني الذي أقامه روفائيل مازجي الآمدي . وهو من أوائل المتخرجين منه. ارتسم كاهنًا سنة 1872، أخُتير للاسقفية سنة 1875 من قبل مار يوسف أودو ليذهب ويتفقد كلدان الملبار، ونتيجة لضغوطات روما وتهديداتها يستدعيه البطريرك اودو في مطلع سنة 1877 ونزولاً عند طلب البطريرك اودو شيخ الطائفة عاد إلى الموصل سنة 1878، حينها كان الشيخ الجليل مار يوسف السادس اودو قد ارتاح بالرب.
أنتقل إلى ابرشية الجزيرة خلفًا لسلفه الذي اختاره اساقفة الطائفة للبطريركية، وهناك نال أكليل الشهادة بتاريخ 16/8/1915، مع ثلاثة من كهنته والُقيت جثتهم في النهر وتجدر الأشارة أنه أخر أسقف كلداني في الجزيرة، وانه أيضًا أصغر أسقف في تاريخ كنيستنا الكلدانية الحديث، إذ رُسِم أسقفًا وهو أبن 27 سنة لا أكثر (رحمه الله) . كما عرف بحس خطه وفي كتاب فهرس المخطوطات السريانية والعربية له نحو (5) مخطوطات خطها في السنوات 1869 إلى سنة 1875. واخر مخطوط خطه هو قوانيين رهبنته بالأشتراك مع رهبان آخرين في دير السيدة .





ما كتبه البطريرك يوسف عمّانوئيل الثاني عن ابرشية الجزيرة في يومياته.

كتب الطيب الذكر البطريرك عمانوئيل الثاني في مذكراته اليومية إبّان الحرب العالمية الاولى والتي تتكون 72 صفحة مفككة مساحتها 30 × 20 والاسطر متفاوتة :اذ نقرأ في مذكرته المؤرخة في 17 تموز 1915 ما يلي : من بداية هذا الشهر انا في غاية القلق من طرف زاخو , والجزيرة غير ان حيدر بك والينا العزيز ، اكد لنا : انه حاضر ان يحامينا ويحامي اولادنا بكل ما له من قوة والوسائط ربنا يحفظه لسنين عديدة ! اللهم ارحم وقصر هذه الظروف.







في 19حزيران 1915 كتب سيّدنا البطريرك ما يلي :في هذا الشهر حزيران، كان من اصعب الأشهر من بداية هذه المُحاربة.
اليوم مساءًا في تموز 1915 : سمعنا بفاجعة فيشخابور المهولة .
وفي 18 تموز من السنة عينها يكتب غبطته .... وبعد العشاء وصل نيسان بن يعقوب من قرية فيشخابور وخبرنا عن الفاجعة التي وقعت براسهم في جميع قرى ابرشية جزيرة. ألهم ارحم واشفق على هولاء المساكين.
اليوم 29 تموز 1915 يؤكدون ان مطران سعرد هو مقتول ، وان قبل كم يوم قُتل أيضًا مطران الجزيرة فلتكن ارادتك .
اليوم 31 تموز وهو اخر يوم من هذا الشهر : وقد كان هذا الشهر انحس واصعب الشهور التي رأيتُها في حياتي ,وبه سمعت عن خراب ابرشيات سعرد والجزيرة.
في 4 اب 1915 : قدمت لحضرة والينا العزيز حيدر بك المحترم تقريرًا كي يقدمه تلغرافيا شفرة الى الداخلية بخصوص فاجعة سعرد وديار بكر وماردين والجزيرة وقراها.
اليوم 13 اب 1915 علمت من مصادر اكيد ان الداخلية رفضت وما قبلت بأن ارسل اليها تقريرنا بخصوص فاجعة ديار بكر وماردين فلتكن ارادة الله وكل ما يريده على الرأس والعين .
وقد كتب سكرتير البطريرك الخوري داود رَمو في مخطوطته الشهيرة (خواطر) والتي تعد مرجعًا مُهمًا في تاريخ كنيستنا الحديث بأن جواب اسطنبول لوالي حيدر بك :ان يبلغ البطريرك ان لا يتدخل بالامور السياسية بل يهتم بوضيفته الروحية في الكنيسة .





الخوري داؤد رمّو

اليوم 18 اب 1915 سمعنا ان (أوصمان آغا) حُوبس من حيث منع قتل نصارى الجزيرة. اللهم ارحم وأشفق على هؤلاء المساكين.
اليوم 23اب : وصل لطرفنا القس انطوان كاهن وسطا ويحكي بشاعات ما قابل عقل الانسان يصدقها لولا ما نسمعها عيان , وان تلك البشاعات وتلك القساوة وصلت حتى بيعت الامرأة في خيارة عدد4 اعني في فلس واحد، وان القاتلين يفتخرون ان يدوروا المدن والقرة وايدهم ملطخة بالدم، يكفي فأرحم شعبك وفرّج.
ثم يقول هذا القس أن الجزيرة إلى قبل 4 ايام هي في الخطر، وان العساكر
والعشائر راحوا الى ازخ لنهبها وقتلها وذبحها.
ثم ان هذا القس العريان الصائر نصف ميت يثني على غيره اولاد شمدين اغا في زاخو وعصمان اغا في الجزيرة . ربنا يكافيهم عوضنا بكل سعادة ممكنة .
ونذكر للتاريخ هؤلاء النشامى الذين رحموا المسيحيين في وقت الضيق وساعات الشدة فقد احتضنوا مع السيد حمو شرو اليزيدي السنجاري ولدوافع انسانية نبيلة اعدادًا كبيرة من المسيحيين الفارين من مخالب الوحش العثماني .
اليوم 27 اب 1915 :أعطيت تلغرافًا مستعجلاً رواح ومجيء الى الجزيرة، ولم ناخذ الجواب ، ومن هذا السكوت يتحقق خبر البارحة القائل :ان المطران يعقوب وجماعته ذبحوا في 21 اب 1915 ؛أسفي على هذا الشعب المذبوح ظلمًا.
في 27 اب 1915 : مساءًا جاوب المطران يعقوب ، ومن جوابه يبان انه مع الجماعة في حال الصحة ، فألف شكر لله على هذه البشرى .
اليوم 30 آب ما وصلنا خبر من مطارين زاخو والجزيرة وماردين وبقينا من جديد في القلق ...
اليوم 7 ايلول وصل لطرفنا رزق الله أخو الخواجا يوسف وطلب 30 ليرة بدموع غزيرة ليفك عائلته الوحيدة الباقية من كل نصارى الجزيرة بعد قتل المطارين والقسوس والجماعة، ويحكي امورًا ما وصل إليها فرعون ولا نيرون.
فيقول البطريرك : اكرامًا لولادة العذراء اعطيناه 30 ليرة رغمًا من ضيقتنا. ويزيد غبطته : يقول المخبر العياني : قبل لمدة شهر كان الناس في البيعة يلتجأون إليه تعالى كي يرحمهم بشفاعة العذراء مريم ولما أتت الساعة فكانوا يعرفون الناس ويشدوهم جوقة جوقة ؛ فكانت الجوقة الاولى تحدث الثانية قائلين :
اياكم أن تفشلوا بعد ارواحنا عند يسوع الفادي وهذا على الاخير ما انوجد احد انكر ايمانه في الجزيرة وقرى نافروي إلاّ بعض النساء اللواتي جبرًا بقين تحت حوزة هؤلاء الوحوش.
ويستطرد سيدنا رحمه الله وهو يؤرخ ذكريات الحرب العالمية الاولى في اخر يوم من سنة 1915، فيكتب :
"لما باشرتُ اكتبُ هذه الاسطر كان بقي 15 دقيقة من سنة 1915 والحق يثقال ان سنة 1915 التي زالت ودخلت الابدية كانت سنة تعيسة لم نرَ مثلها في عمرنا ، بل لم نقرأ في التاريخ نظيرها، فبهذه السنة دكت الكنائس وخربت المذابح وذبح الرعاة مع اغنامها وبيعت النساء مع الاطفال كحيوانات لا قيمة لها . وخلاصة الكلام أن السكوت والانحناء امام احكام الله اولى من ان نبحث عن تعاسة هذه السنة المشؤمة . مع ذلك رغمًا عما صار في هذه السنة التعيسة ، فلقد رأينا قليلاً من الافراج : اذ رأينا ان الزوبعة ما قدرت ان تصل إلى هذه الولاية من بعد مراحم الله وشفاعة العذراء" .


مساعي البطريرك في مذابح الجزيرة وسعرد وغيرها في التوسط لدى الحكومة العثمانية .

في 4آب 1915 : قدمتُ لحضرة والينا العزيز حيدر بك المحترم تقريرًا كي يقدمه تلغرافيًا شفرة إلى الداخلية بخصوص فاجعة سعرد وديار بكر وماردين والجزيرة وقراهم.
اليوم 13 آب 1915 : علمتُ من مصدر أكيد أن الداخلية رفضت وما قبلت بأن أرسل إليها تقريرنا بخصوص حادث سعرد والجزيرة وديار بكر وماردين ، فلتكن إرادة الله وكل ما يريده على الرأس والعين.
كتب رمّو في الخواطر أن جواب اسنطبول إلى حيدر بك أن يبلغ البطريرك عمّانوئيل الا يتدخل في الشؤون السياسية وأن يواضب على وظيفته الروحانية في الكنيسة.
مع ذلك لم يستطع شيخنا الجليل أن يقف مكتوف الايدي أمام مذابح شعبه وخاصته، فيطرق باب هذا وذاك فيكتب : اليوم 20 آب : ترجيتُ حتى يرسلوا نسوان سعرد إلى اربيل وكركوك ولم أنجح.
إن مساعي شيخ الطائفة اثارث ضده حنق المسؤليين حتى أن قنصل المانيا يتشكى منه أمام وألي الموصل حيدر بك. فنقرأ في اليوميات: اليوم 24 آب 1915 سمعتُ أن قنصل ألمانيا يتشكى منّا امام وألينا ، ويبين أننا نُنسب ذبح أولادنا إلى حكومته. ربنا يعطينا الصبر بازاء هذه الصعوبات وهذه النمائم.
وقد كتب المؤرخ الكردي كمال مظهر احمد عن دور الالمان السلبي في مذابح المسيحيين ومنهم الكلدان .
وينقل لنا الأب جوزيف نعيم الشاهد على ابشع مجزرة في التاريخ الحديث عن دور الالمان وعد مبالاتهم لما حدث ويحدث آنذاك:
"عندما التقيت الأب "دان جيلمونييه" في اسطنبول في الرابع من أيلول 1917؛ أخبرني أنه بسبب الحرية الواسعة الممنوحة له لإنجاز مهامه الكهنوتية، استطاع أن يقوم برحلات عديدة وطويلة في مختلف أرجاء تركية بين ماردين وديار بكر فاطلع على الظروف الحقيقية القائمة في تلك المناطق. كما أخبرني أيضًا أنه شاهد عيان للحالة المأساوية لقوافل المسيحيين المنفيين أو المُرحّلين، كذلك حدثني عن الإضطهاد الذي لا زال قائمًا ومؤكّدًا أن نصف الذين كانوا ضمن قوافل النفي والتهجير قُـتـل أو مات بسبب المعاملة اللاإنسانية التي لاقوها على أيدي جلاديهم الأتراك العتاة. أخيرًا أضاف: "إذا ما استمرت الحرب سنتين أخريتين فسوف لن يبقى من المسيحيين أحد".سألته: "لماذا لا تتدخل الحكومة الألمانية في الموضوع؟" أليستْ على اطلاع على ما يجري بالتفصيل طالما لها العديد من المستشارين في الجيش التركي؟ حتمًا أنهم يشاهدون بأعينهم وحشية وهمجية الأتراك. ثم أردفتُ: "بسبب الصمت الألماني المطلق أعتبر ألمانيا وبكل حق مسؤولة عن كل ما يجري ومشاركة في كل الجرائم.
أجابني دان جيلمونييه: "إنك على حق، أنا نفسي لا أفهم هذه اللامبالاة، إني غاضب وساخط عليها وأني أخجل أن أكون ألمانيًا. "قد يكون من الصحيح إن الألمان لم يستطيعوا منع قيام ثورة شعبية ضد الحكم لكنهم حتمًا يستطيعون على الأقل ممارسة الضغط للحد من أعمال العنف والاضطهاد.
عند رجوعي إلى ألمانيا سـأرفع صوتي وأصرخ عاليًا مطالبًا بالعون والمساعدة لهؤلاء التعساء المظلومين. أخيرًا قام بتزويدي وبناء على طلب مني بتقرير ملخص عن كل ما يعرفه من حقائق شاهدها شخصيًا حيث يُعد أحد الخبراء القلائل بالظروف التي عاشها ويعيشها المسيحيون في الأراضي التركية" .
اليوم 3ت2 : زرتُ خالد بك، واظهر لنا مراعاة فوق العادة ، وبعد الكلام على أصل الكلدان وعلى الامور الحاضرة ، وبعد ان فهم ان نصارى الجزيرة ما كانوا ارمن ، اظهر تاسفه على ذلك، وحينئذ اخذ الوالي حيدر بك العزيز الكلام وبدأ يُبين مغدوريتنا، وحامى عنّا وعن نصارى ولايته ازيد منّا، وختم الكلام انهُ: بعدما يرجع على صحته سيعمل فرد علاج ( علاجًا ما) للباقين من نصارى الجزيرة.
وبدوري أرى في كلمات الوالي هذه، هي اشبه بالمورفين ، أن لم اقل انها ضحك على الذقون.
اليوم 9ت2: طلبتُ من حيدر بك والينا بأن يعمل فرد علاج لفك النساء والأطفال الموجودين في الجزيرة وقراها ، فأجاب : أنه بعد كم يوم يسافر إلى تلك الناحية ويعمل اللازم ، وإذا ما سافر ـ قال ـ سندرس هذه المسالة فيما بعد حتى نجد فرد علاج.
كل تلك المحاولات والمساعي ذهبت سُدى، من المُحتمل أن مساعيه هذه خففت من شدة الاضطهاد الذي لقيه مسيحيو الموصل وقراها على يد الدولة العثمانية ، وبدوري ارى مجاملات كثيرة وكبيرة وغير مستحقة لرجال الدولة العثمانية في الموصل وغيرها ، ربما من باب الخوف فبطريركنا لم يكتب كل ما كان يجيش في داخله من المسؤلية خوفًا من ان يكبس عليه الديوان العرفي. وما ادراكم ما هو الديوان العرفي!!
ولستُ متفقًا مع رأي أُستاذنا محقق تلك اليوميات في طبعتها الاولى والثانية بقوله: "اما مدحه للوالي سليمان نظيف وخاصة للوالي حيدر بك، فقد كان صادقًا لأن الرجلين اخلصا للبطريرك وساعداه في الملمات" .
لكنّني من خلال يوميات البطريرك نفسها أرى أن في الكثير من المواقف والاحداث، كان يقف حيدر بك متفرجًا مكتوف الايدي ، لا يحرك ساكنًا. و هنا نستشهد بما كتبه البطريرك بنفسه عن هذا الصدد، في 3ت2 1915"..... وبعد أن فهم (يقصد به الوالي حيدر بك) أن نصارى الجزيرة ما كانوا ارمن اظهر تأسفه على ذلك ...." . لكن ليس من المعقول او من المقبول أن رجل مسؤل في هكذا منصب لا يميز بين الطوائف المسيحية، فلا يميز بين الارمن والكلدان وغيرهم !! انه ضحك على الذقون لا أكثر!
والكثير من متابعي هذه المرحلة يعلمون عمق الصداقة التي كانت تجمع رشيد بك والي الموصل وخلفه حيدر بك، وكلنا يعلم أن ما حصل في تركيا من القتل والذبح والاضطهاد والاغتصاب والنهب والسلب كان من يد رشيد بك وزميله أنور باشا ناظر الحربية وطلعت باشا وجمال باشا ، هؤلاءالرباعي الذين ابادوا الارمن والمسيحيين في تركيا. لكن حيدر بك لم يغير شيئًا من الموقف ، بل أن حكومته بثت اشاعات في مطلع تشرين الثاني من عام 1915 بأن رشيد بك قد جروه إلى الاستانة ، وهي في الاصل محاولة لتهدئة الخواطر وامتصاص غضب الشارع الموصلي ووالرأي العام، بسبب الاعمال الوحشية التي كان قد ارتكبها المدعو رشيد بك.
لكنّنا نذكر للتاريخ جهوده بين الحين والاخر لحماية المسيحيين، وعلى وجه الخصوص في الموصل وكوردستان وبغداد ولكن ليس في تركيا، فلما قام ابن حجي اغا بالهجوم على شيوز؛ إذ كان يتصيد الفرص للانقضاض على نصارى الموصل وكوردستان، فأمر حيدر بك قائمقام دهوك بالقبض على أبن حجي اغا، لكن موقف الوالي هذا كان بتحذير من سليمان نظيف الذي كان قد اتى للموصل صدفة ، فحذر حيدر بك من ان لا يلطخ يده بدماء المسيحيين.
كان لحيدر بك الذي كان يصفه البطريرك بوالينا العزيز، افضال على البطريرك ليس من باب حبه للمسيحيين؛ انما من باب الصداقة التي تربطه مع شيخنا البطريرك، ومن أجل عين تُكرم ألف عين، هكذا يقول المثل الشعبي.
ومهما يكن من امر فأن شيخنا الجليل بذل قصارى جهده من اجل انقاذ ما يمكن اتقاذه ؛ أن كان داخليًا في البلد واظنه نجح في ذلك، وجاء في شهادة الأب جوزيف نعيم (هل ستُفنى هذه الامة؟) عن هذا الصدد ما يلي: "منطقتان فقط يسكُنها الكلدان وهما العمادية وزاخو بقيتا سالمتين بفضل الجهود التي بذلها غبطة بطريرك الكلدان ، حيث كانت تحت نفوذ الحُلفاء". اما خارجيًا (تركيا) أبان المذابح العثمانية، فلم تجدي محاولاته ومساعيه وتوسلاته نفعًا.


استشهاد الجزيرة ومطرانها

كان نزيف الدم يتواصل في الابرشيات الكلدانية وغيرها في تركيا سعرد وماردين واورفا ، إذكان شبح الموت يتقدم تدريجيًا من الجزيرة ليحصد الارواح البريئة، في أول الامر تساقطت قرى البوتان المسيحية الواحدة بعد الاخُرى وقُتل اهلها عن بكرة ابيهم ولم تبق الا المدينة ، مدينة الجزيرة وقد جاء دورها.... لكن هناك ثمة امل يلوح في الافق ؛ إذ كان فيها رجل مسلم من اعيانها يخاف الله يدعى عثمان افندي ، فكر المسيحيون بالذهاب اليه وطلب حمايته، فكان قد تقبل من مسيحي المنطقة بواسطة الشيخ الجليل مار يعقوب اوراها مبلغًا ماديًا كهدية ، حدث ذلك سرًّا ، لكنّه تكفل بحماية المسيحيين ووعدهم خيرًا ، فاطمأنت نفوس المسيحيين ، ومن فرحهم قرروا أن يرفعوا الصلاة الخاصة كل يوم احد على نية عثمان افندي لأنه صار في نظرهم محاميهم القدير. كما قرروا ان يجعلوا صينية خاصة تُقدم له؛ لكن مع الايام اكتشفوا جليًا أن الرجل لا يعمل شيئًا ولا يحرك ساكنًا، بل يكتفي بتهدئة نفوسهم من خلا ل اسماعهم كلام معسول . وهكذا تلاشت أمال المسيحيين، وكانت بداية النهاية عندما الُقي القبض على سيّدنا يعقوب في 21 أب 1915 وبعض الكهنة ووجهاء المسيحيين فزجوا في السجن ، وبعد ثلاثة ايام لقي المطران حتفه بعد ان رمى بالرصاص في السجن .... فمثل بجثته وسحل جسده في ازقة الجزيرة والقي عند نهر دجلة .
هكذا دفع المطران يعقوب ابراهام حياته في سبيل قضية جسيمة، فسقط شهيدًا للإيمان. والشهداء هم الذين سفكت دمائهم في سبيل كلام الله . والانسان في الشهادة يُضحي بأعز ما عنده، يُقدم حياته كُلها من أجل حبه لله وحبه لأخيه الإنسان. ويبقى الموت قدر الإنسان، لكنّه لا اقسى من ان يُنهي الإنسان حياته بشكل مأساوي.
وعن استشهاد المطران يعقوب كتب البطريرك يوسف عمّانوئيل الثاني: اليوم 2 ايلول 1915 يوم جديد وخبر سوء جديد وبه صباحًا سمعتُ من جديد أن المطران يعقوب مع جماعته قتلوا، وقيل أنه قُتل في البحر والبيوت نهبت والنساء والبنات تُباع مثل الحيوانات .
كان رحمه الله يعتمد على المكاتيب أو على شهادات الناجين من مذابح الجزيرة ، لذا بعض اخباره غير دقيقة فمثلاً يكتب عن تاريخ وفاة المطران يعقوب : اليوم 29 تموز 1915 يؤكدون ان مطران سعرد هو مقتول وأن قبل كم يوم قتل مطران الجزيرة .... لكن ان مقتل المطران يعقوب حدث في اواخر شهر اب من سنة 1915 وليس في تموز.
وانا أُسطر هذه الكلمات عن المطران الشهيد مار يعقوب اوراها
تصوّرته وقد تهشمت اوصاله وهو يُسحل بالحبال أمام ابناء رعيته ويرمى في نهر دجلة.

رحمه الله ورحم كل شهداء الجزيرة والذين وقعوا ضحيت البطش التُر


المصادر
أبونا، ألبير( الأب): فيشخابور 2004.
أحمد، كمال مُظهر: كُردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى ، بلا تاريخ.
إيشوع، نوري ( الشمّاس): بازبدى ( أبرشية الجزيرة ) ، مجلة نجم المشرق،ع39، 2004، ص 375 وما يليها.
اوانسيان، فاهان (الراهب): الكنيسة الارمنية في التاريخ: مجلة بين النهرين ، العددان 73 ـ 74، 1991، ص 96.
الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت (ت 626 هـ ) : مُعجم البلدان 2.
بيداويد، روفائيل ( الأب ـ البطريرك ): إحصائيات عن كاثوليك الطقس الكلداني لبطريركية بابل، ت: الأب د. يوسف حَبّي، مجلة بين النهرين ، ع 107 ـ 108، ص 176.
تيسران، اوجين ( الكردينال): خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية. ت: الأب ( المطران ) سليمان الصائغ، الموصل 1939.
توما، يوسف ( الأب ): جزيرة أبن عمر بين التقاليد والاساطير، مجلة الفكر المسيحي، ع407 ـ 408، 2005، ص 184 وما يليها
تفنجي، يوسف ( الخوري ) : الكنيسة الكلدانية بين الامس واليوم، ت: المطران اندراوس صنا، مجلة نجم المشرق، ع 8 ، 1996، ص 512 وما يليها.
جزراوي، يوسف ( الأب) : الدار البطريركية في بغداد، بغداد 2004. جزراوي، يوسف (الأب): جزيرة الشهادة والشهداء ( مخطوط) 2005
حدّاد، بُطرس ( الأب ): مقابلة مع مطران ديار بكر، مجلة نجم المشرق، ع14، 1998، ص 198 وما يليها.
ـــــــــــ: مار يعقوب اوراهام، نشرة ربنوثا، ع34،2005، ص 40 وما يليها.
حَبّي، يوسف ( الأب د.): كنيسة المشرق ( الكلدانية ـ الاثورية)، لبنان 2001.
شكوانا ، عمّانوئيل موسى: الشهيد المطران مار يعقوب اوراها ...، ربنوثا ،ع 27، 2003، ص 50.
حبابه، بهنام سليم : الآباء الدومنيكان في الموصل ( اخبارهم وخدماتهم )، اربيل 2005.
رمّو، داؤد ( الخوري ): الخواطر ( مخطوط ).
عمانوئيل ، يوسف ( البطريرك) : يوميات الحرب العالمية الاولى ، تحقيق : الأب د . بُطرس حدّاد، ط2، بغداد 2002.
نعيم ، جوريف ( الأب): هل سيموت هذا الشعب، ت: نافع توسا، مخطوط.
الخزانة البطريركية ، ملف ابرشية الجزيرة.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:57 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke