![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
في محكمةِ القَدَر
بقلم: فؤاد زاديكي هَلْ لَنَا أَنْ نُحَاسِبَ القَدَرَ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ بِنَا؟ أَمْ أَنَّ القَدَرَ أَعْلَى مِنْ أَنْ تُطَالَهُ أَيْدِي البَشَرِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ لُغَاتُ العِتَابِ؟ مُنْذُ أَنْ فَتَحَ الإِنْسَانُ عَيْنَيْهِ عَلَى هٰذَا العَالَمِ، وَهُوَ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ لَا يَعْرِفُ آخِرَهُ، تَصْفَعُهُ الأَيَّامُ مَرَّةً، وَتُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيَبْقَى هُوَ مُعَلَّقًا بَيْنَ السُّؤَالِ وَالصَّبْرِ، بَيْنَ الرِّضَا وَالاعْتِرَاضِ، كَأَنَّهُ وُلِدَ لِيَكُونَ شَاهِدًا عَلَى مَا لَا يَفْهَمُ. نَحْنُ لَا نُحَاسِبُ القَدَرَ لِأَنَّنَا أَقْوَى مِنْهُ، بَلْ لِأَنَّ قُلُوبَنَا أَضْعَفُ مِنْ أَنْ تَحْتَمِلَ كُلَّ هٰذَا الغُمُوضِ. فَالإِنْسَانُ، حِينَ يَخْسَرُ شَيْئًا يُحِبُّهُ، لَا يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ بِقَدْرِ مَا يَبْحَثُ عَنْ كَتِفٍ يَضَعُ عَلَيْهَا انْكِسَارَهُ. وَحِينَ يَسْأَلُ السَّمَاءَ: «لِمَاذَا أَنَا؟» فَهُوَ لَا يُرِيدُ إِدَانَةَ القَدَرِ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يُقْنِعَ وَجَعَهُ أَنَّهُ مَرْئِيٌّ فَقَط. القَدَرُ لَيْسَ خَصْمًا نَقِفُ أَمَامَهُ فِي مَحْكَمَةٍ، وَلَا صَوْتًا يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَسْئِلَتِنَا. إِنَّهُ ذٰلِكَ الغَيْبُ الَّذِي يَمُرُّ فِينَا كَالرِّيحِ؛ لَا نَرَاهُ، وَلٰكِنَّنَا نَرَى آثَارَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: فِي رَحِيلِ مَنْ نُحِبُّ، وَفِي الأَبْوَابِ الَّتِي أُغْلِقَتْ فِي وُجُوهِنَا، وَفِي الأَحْلَامِ الَّتِي ذَبُلَتْ قَبْلَ أَنْ تُزْهِرَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَبْقَى فِي الإِنْسَانِ شَيْءٌ يُقَاوِمُ. شَيْءٌ يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ وَرَقَةٍ تَحْمِلُهَا رِيَاحُ المَصِيرِ حَيْثُ تَشَاءُ. فَنَحْنُ، وَإِنْ عَجَزْنَا عَنْ تَغْيِيرِ مَا وَقَعَ، نَمْلِكُ أَنْ نُغَيِّرَ مَعْنَاهُ فِي دَاخِلِنَا. نَمْلِكُ أَنْ نَخْرُجَ مِنَ الأَلَمِ أَعْمَقَ، وَمِنَ الخَيْبَةِ أَكْثَرَ نُضْجًا، وَمِنَ الانْكِسَارِ أَشَدَّ بَصِيرَةً. لِذٰلِكَ، لَا أَظُنُّ أَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَاسِبَ القَدَرَ حَقًّا، وَلٰكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ: كَيْفَ سَقَطَ؟ وَكَيْفَ نَهَضَ؟ وَكَيْفَ، بَعْدَ كُلِّ هٰذَا الظَّلَامِ، مَا زَالَ يُؤْمِنُ أَنَّ فِي قَلْبِ الحَيَاةِ نُورًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ مِنْ أَجْلِهِ؟ |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|