Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   صفحة من تاريخ ديريك. بقلم: فؤاد زاديكى (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=49864)

fouadzadieke 21-03-2024 11:33 AM

صفحة من تاريخ ديريك. بقلم: فؤاد زاديكى
 
صفحة من تاريخ ديريك

بقلم: فؤاد زاديكى


إنّ أوّل مَن أدخلَ ماكنة الگاروز لبيع و تعبئة الگاروز و السّيفون و لبيع البوز (الثّلج المجمّد) في ديريك كان السيد مراد بهنام مراد, الذي تُوفي في ألمانيا في مدينة أوغسبورغ بولاية بايرن (أخو ببو الخيّاط الذي توفي في ديريك بتاريخ 1/3/1990) و توما موسى عيسى الملقْب بتوما الحجّي و ذلك في بداية الستّينيّات من القرن الماضي. و كانا شريكين بها، اشترى والدي گبرو الياس زاديكى حصّة العم مراد فصار شريكًا لتوما الحجّي في ماكنة الگاروز ، و كان توما نشيطًا و له أسلوب طيب في معاملة الزبائن بنجاح مما زاد من نسبة الأرباح العائدة عليه وعلى والدي و لهذه الصفة الحسنة في توما أطلق عليه والدي لقب (الحَجّي) بقي هذا اللقب ملازمًا له بعد ذلك، بعد هذا اشترى والدي حصة توما أيضًا فصار هو مالك ماكنة الگاروز و البائع الوحيد للبوز في قطع و للخرط (البَشرَة) في ديريك، لا أعلم سبب مشاركة والدي للعم شكري ملكي خَلو (أبو گبرو) سوى انّ الطلب زاد على البضاعة فتمّ شراء ماكنة ثانية، تمّ توقيفها أمام دكان العمّ صليبا الصّولكرين ابو يعقوب صليبا، الذي كان له دكان بنفس الشارع مقابل دكان والده يبيع فيه الراديوات، و كان هذا أوّل دكان لبيع أجهزة الراديو في ديريك في بداية الخمسينيّآت من القرن الماضي.
كانت ماكنة الگاروز التابعة لنا واقفة أمام دكان السيد غانم بدرية طوبية المعروف بأبو جاك، و كان الدكان مخصّصًا لبيع المشروبات الكحولية. استطاع بعد ذلك والدي شراء فروغية الدكان من السيد غانم و شارك أبي في الدكان السيد جوزيف بطرس بيكندي، و بطرس بيكندي المعروف باسم أبو جميل, هذا كان مالك هذا الدكان، قبل هذا التاريخ كان والدي يشارك العم عيسى مراد پسي (أبو مراد) في دكان لبيع البصل و الثوم و البزر و غير ذلك، كان هذا الدكان ضمن الدكاكين التي كانت تعود بملكيتها للسيد عيسى شيرينة والد شمعون و جوزيف و سامي شيرينة.. جوزيف الذي كان له دكان لبيع الأقمشة في نفس الشارع يشاركه في الدكان فهمي ابن گبرو خِتّنِي. كان دكّان والدي و عيسى في الشارع الذي فيه مقهى السيد اسحق عيدو (والد الصديق عيد اسحق عيدو) حيث كان المقهى مقابلًا للدكان, بنفس شارع بيت أبو سمعان, الذي كان لزوجته (سَفْره) تَنَور للخبز تخبز و تبيع الخبز أمام باب دارهم, و كان ابنها ماجد في فترة دراستي في دار المعلمين مديرًا لدار المعلمين بالحسكة.
بعد اختفاء السيد جوزيف بطرس بيكندي في ظروف غامضة، قيل وقتها إنّه كان مديونًا لأشخاص من القومية الكردية، قاموا باختطافه و اعتقاله في إحدى القرى القريبة من نهر دجلة، كان يُسقى ماءً مع الملح إلى أن اهترأت أمعاؤه ففارقَ الحياة، و لغاية اليوم لم يُعرف الفاعلون، أو أنّهم عُرفوا لكن لم يتمّ اتّخاذ أيّة إجراءات بحقّهم.
عرض العم عيسى مراد پسی على والدي مشاركته الدكان بحصّة المرحوم جوزيف بطرس بيكندي، فوافق والدي خاصّةً أنّهما كانا شريكين في عمل آخر قبل هذا العمل.
كان ذلك في حدود سنة ١٩٦٥، كنت وقتها طالبًا في دار المعلمين بالحسكة. سارت أمور ماكنة الگاروز و بيع الخرط و البوز على أفضل حال خصوصًا أنّه لم تكن لدى الناس في تلك الأيّام برّادات أو ثلاجات في بيوتهم، و إنْ كان فهو في بيوت الأغنياء و المقتدرين مادّيًا.
نظرًا لسير العمل في الگاروز و البوز بشكل جيّد و كذلك في عمل الدكان حيث كان جيدًا جدًا, جنى والدي أرباحًا كثيرةً لقاء ذلك, و ممن أذكرهم من زوّار الدكان و الذين كانوا يشربون و يسهرون أحيانًا لغاية الساعات الأولى من الصباح باسيل سغاتيل باسيل. أحمد حاجي عثمان. أبو ماهر رئيس مفرزة الأمن السياسي. خالي يوسف لحدو مراد (حدو ستّو). جورج إيساكوف و شمعون عيسى شيرينة و عيسى ميرمي (أبو مراد) و سرگون شليمون مظلوم, و ميجر و كنعان أبناء رسول الذي قتلت عائلته المطران الكلداني العلّامة أدّى شير في قصة معروفة. قريبي جورج گبرو الحكيم، و كان العم عيسى پسي يشكو دائمًا من سلوك والدي هذا و عدم انتباهه لقرشه، فأبي كان مسرفًا و لو انتبه لنفسه جيدًا، لكان جمع ثروة طائلة من الدكان و الماكنة. جميع النّصائح، التي كان العم عيسى ينصح بها والدي تدخل من طرف أذنه لتخرج من الطرف الثاني بدون أيّ اعتبار أو اهتمام أو نتيجة، فهو استمرّ على ما كان عليه.
وأذكر أنّه كان يقول لوالدي: يا أبو فؤاد اسرقْ منّي لو شئت, المهمّ أن تؤمّن مستقبلًا جيّدًا و مضمونًا لأسرتك و أبنائك.
أمّا كيف كان يتمّ تحضير شراب الخرط بألوانه المختلفة, فإنّنا كنّا في البداية نشتري صبغة الألوان و هي عبارة عن بودرة ناعمة بألوان مختلفة حسب الرغبة، من العم حنا حنا (أبو اسكندر) الذي كان يملك هو الآخر ماكنة گازوز في مدينة القامشلي و زوجته (مارتو) من بيت اسفطون من أقرباء عائلة (ساري آدم) أم زوجتي سميرة. كانت والدتي حانة تقوم بصنع مادة الشراب و إعداده في البيت و تعبئته في قناني بحسب الألوان و كنا نستخدم ألوان الأخضر و الأحمر و الأصفر و القرمزي على الأغلب. كانت أمّي تضيف البودرة إلى كمية محدّدة من الماء بحسب القياس للكمّيّة المرغوب عملها, ثم تقوم بتحليته بمادة السكّر و بعد ذلك تضيف إليه مادة تُسمّى (أسانس) و هي مادة لتثبيت اللون و تدخل أيضًا في صناعة العطور و صناعة المسكرة. كنا نقوم ببشر البوز أو بخرطه بواسطة خرّاطة مصنوعة من الحديد لها من أسفل أسنان حادّة و لها غطاء علوي مرتبط بها بواسطة برغي أو بُزال، يُفتح و يُغلق بسهولة، فعندما يتمّ بشر البوز إلى أن تمتلىء الخَرّاطة نقوم بتفريغها في القدح و نعيد الكرّة إلى أن يمتلىء القدح بالمادة المبشورة من البوز الزّبون، ثم نضيف إليه الشراب باللون المطلوب بحسب رغبة الزبون. أمّا الگازوز فكنّا نصنّع مادة السيفون و هي مادة غازية حادّة عن طريق ماكنة الگازوز بواسطة قارورة غاز طويلة يتم ربطها من عنقها بخرطوم يوصلها بالماكنة. كنا نقوم بتقديم الگازوز للزبائن بحسب الطلب إمّا بملئه في أكواب زجاجية مخصّصة للگازوز أو بتعبئته في قناتي صغيرة مٌعَدّة لهذا الغرض نقوم بكبسها بالمكبس, أي بإقفال عنق القنينة (الزجاجة) بواسطة غطاء القناني ليتمّ تبريدها في صندوق مملوء بقطع من البوز لتبقى باردةً، كانت تُفتح بمفتاح القناني لدى بيعها للزبائن و هناك من كان يشرب السيفون على الحلّ لوحده بدون صبغة و هناك من كان يرغب بشرب لون معيّن يختاره هو.
أمّا بيع البوز فكان يتمّ قطعه (نشره) بواسطة المنشار بحسب الكمية المطلوبة بفرنگين أو بربع ليرة سورية أو بنصف ليرة أو بربع قالب أو نصف قالب وأحيانًا بقالب بوز كامل للمؤسسات و الأندية و المقاهي. كنا نحصل على البوز من معمل أبو أحمد الكائن على الطريق المؤدي إلى عين العسكرية التي كان أنشاها الفرنسيون مع ما انشاؤوا من مواقع مثل: القِشلَة (الثكنة العسكرية) و السجن و السراي و الجسر فوق المجرى المائي على طريق القامشلي و المستوصف. تقع عين العسكرية على مدخل ديريك القديمة (ديرِكِت العَتيقَة) على طريق عين ديوار (عَندِيوَرْ) كنت و أخي الياس و بقيّة العمال الذين كانوا يعملون لدينا نقوم بحمل قوالب البوز من المعمل إلى مكان العمل و هو دكاننا كان منهم ابراهيم ابن گورگيس پِلحس (باهِي)، و ابن بلقو. كنّا نقوم بلفّ قالب البوز بكيس من الخيش كي نتفادى ضرر درجة التجلّد و كذلك لحماية الكتف أثناء نقل قوالب البوز و كثيرًا ما كنّا نحمل على كتفنا قالبين من البوز دفعة واحدة من معمل البوز إلى دكاننا، و كنّا نقوم بتغطيته و لحمايته من الحرارة كي لا يذوب و كم من القوالب ذابت و خسرنا فيها، عندما كانت تشتدّ درجات الحرارة، لم يكن معمل ديريك قادرًا على تأمين حاجتنا من الكميات المطلوبة لكثرة الطلب على مادة البوز فكنا نضطّر لأن نستورد من القامشلي يتمّ نقله بواسطة بوصطة العم جورج رزقو أو بعض التكاسي التي كانت تعمل على خط ديريك القامشلي لنقل الركاب منهم جورج عرّو و ليفون و ابلحد رزقو و يعقوب سوسي ملّوسي و أبو حاوى و غيرهم، لينقلوا لنا قوالب البوز من القامشلي إلى الدكان, و كثيرًا ما كانت تتأخّر السيّارات في الطريق, فتذوب بعض قوالب الجليد (البوز) و تكون بذلك خسارة مادّيّة, و بجانب معمل البوز كانت رحّان النّار، التي كان أهالي ديرك و القرى المجاورة يقومون بطحن الحنطة فيها للحصول على مادة الدّقيق (الطّحين) لصنع الخبز. و من هذه الطّريق كانت الباقورة تتجمّع ثمّ يقودها (الگاڤان) الراعي إلى أماكن الرّعي ليعود بها عند الغروب, و أذكر أنّنا كنّا نأخذ بقرتنا إلى ذلك المكان لتنضمّ إلى الباقورة.
قلّ الطلب على مادة البوز بسبب توفّر البرادات في ديريك حيث كان الصديق شكري سليمان بَرخو فتح دكانًا لبيع البرادات و الغسالات و الثلاجات و كنت اشتريت منه غسالة و برّادًا في تلك الأثناء. لهذا انتهت فترة ماكنة الگاروز و بيع البوز و التي كانت لنا معها ذكريات لا تُنسى. في تلك الاثناء كنّا استأجرنا مقهى نازار لمدة سنتين يُجدّد العقد من السيد حبيب الصائغ فهو كان مالك المقهى و في ذلك المقهى صار حفل عرسي في الحوش بين الأشجار سنة1977. كنتُ و أخي أديب و أخي فهمي نعمل في المقهى إلى جانب عمّال بالأجرة يساعدوننا في خدمة الزبائن.
بعد مرور أعوام و انتقال العم عيسى مراد پسی إلى مدينة الحسكة و افتتاحه مطعمًا للدجاج المشوي، انتهت شراكته مع أبي, و أذكر أنّ سبب انتقال العمّ عيسى پِسي من ديريك إلى الحسكة كان سببه, حصول شجار بينه و بين (ي. ل. م) الذي كان يُعدّ خطّة للتّخلص من عيسى بقتله بواسطة آلة مدبّبة كان يعمل على شحذها و تدبيبها, لاحظ والدي الأمر, و لكونه كان يحبّ العم عيسى, أخبره بذلك و رجاه بأن يغادر ديريك و إلّا فإنّ النتيجة ستكون غير حميدة, لهذا اضطّر العم عيسى مراد الذي توفي في السويد, إلى مغادرة ديريك و الانتقال إلى مدينة الحسكة وكانت زوجته (فهيمة) من الحسكة, كان العم عيسى و قبل وفاته زارني في داري بالمانيا مع صهره (زوج أخته) أبو ماهر, شربنا و سهرنا و أعدنا الذكريات القديمة رحمه الرب و رحم جميع الموتى.
قام المرحوم أبي بمشاركة أخيه المرحوم عمي حنا في الدكان و الماكنة، لكن و بكلّ أسف حصل ما لم يكن متوقّعًا فقد تمّ التّحايل على أبي من قبل ابن عمي (ع. ح) فصار الدكان و ماكنة الگاروز لملكيتهم، ليفتح والدي بعد ذلك دكّانا في بيته في حارة موتور الماء (حارة كنيسة ماردوو) على طريق قرية گرزرك. و بهذا تنتهي فترة عملنا بماكنة الگاروز و بيع البوز في ديريك إلى الأبد, لتطوى صفحة من تاريخ مدينة ديريك بكل شجونها و شؤونها, أفراحها و أتراحها, فرحها و حزنها, و مفاجآتها.

fouadzadieke 13-03-2026 01:10 PM

إليك النص الكامل والنهائي بعد دمج كافة التفاصيل والحقائق الجديدة، مصاغاً بأسلوب روائي بليغ يجمع بين التوثيق التاريخي والدفء الوجْداني، ليليق بذكرى والدك وبالتاريخ الذي تدوّنه بقلمك:
ديريك: صدى الغاروز وتراتيل الجليد
بقلم: فؤاد زاديكي
في ذاكرة المدن تفاصيلُ صغيرة قد لا يعبأ بها المؤرخ العابر، لكنها عند أبنائها تشكّل الهوية الروحية والنبض اليومي للحياة. ومن تلك التفاصيل في مدينة "ديريك" السورية، تبرز حكاية "ماكنة الغاروز" و"البوز"، تلك الحكاية التي لم تكن مجرد تجارة، بل كانت طقساً اجتماعياً ارتبط بأسماء وعائلات حفرت حضورها في وجدان المدينة.
بداياتُ الانتعاش وبزوغ الفكرة
مع إشراقة الستينيات من القرن الماضي، شهدت ديريك دخول أول "ماكنة غاروز" لبيع وتعبئة المشروبات الغازية (السيفون) وقطع الثلج المجمّد (البوز). كان الرواد في هذا المضمار هما السيد مراد بهنام مراد (شقيق الخياط الشهير ببو)، والسيد توما موسى عيسى الملقب بـ "توما الحجي".
لم يمضِ وقت طويل حتى دخل والدي، كبرو الياس زاديكي، شريكاً في هذا المشروع بعد شرائه حصة العم مراد. تشكلت حينها ثنائية عمل فريدة؛ فتوما الحجي كان كتلة من النشاط، يمتلك كاريزما تجارية وأسلوباً دمثاً في استقطاب الزبائن، مما جعل الأرباح تزدهر والسمعة تطيب، حتى أن والدي هو من خلع عليه لقب "الحجي" تقديراً لنبله، وهو اللقب الذي لازمه طوال حياته.
تطورت الأحوال، فاشترى والدي حصة شريكه توما، ليصبح المالك الأوحد لهذه الماكنة، والوجه الأبرز لتيجارة "الخرط" (بشر الثلج) في ديريك. ومع تزايد الطلب، استدعت الحاجة شراكة جديدة مع العم شكري ملكي خلو (أبو كبرو)، فتم استقدام ماكنة ثانية نُصبت أمام دكان العم صليبا الصولكرين، الذي كان محله شاهداً على دخول أولى أجهزة الراديو إلى المدينة في الخمسينيات.
جغرافيا الدكاكين وحكايات الشوارع
تنقّلت ماكنتنا بين زوايا المدينة؛ فاستقرت ردحاً من الزمن أمام دكان السيد غانم بدرية طوبية (أبو جاك)، الذي كان مقصداً لبيع المشروبات. لاحقاً، تملّك والدي "فروغية" ذلك الدكان بالشراكة مع السيد جوزيف بطرس بيكندي، ووالده أبو جميل.
قبل ذلك الاستقرار، كان والدي يشارك العم عيسى مراد بسي (أبو مراد) في دكان لبيع البصل والثوم، يقع ضمن عقارات السيد عيسى شيرينة. كان ذلك الشارع ينبض بالحياة؛ ففيه مقهى السيد اسحق عيدو، وبيت "أبو سمعان" حيث كانت زوجته "سفره" تملأ الحي برائحة الخبز الطازج من تنورها الواقف بباب دارهم. كان ابنها ماجد زميلاً للزمن، غدا لاحقاً مديراً لدار المعلمين بالحسكة حين كنت طالباً فيها.
مأساة ووفاء: رحيل جوزيف وبداية عهد جديد
لم تخلُ الرحلة من الآلام؛ فقد فُجعت المدينة باختفاء السيد جوزيف بطرس بيكندي في ظروف يكتنفها الغموض والقسوة. ترددت الأنباء حينها عن اختطافه واقتياده إلى قرية حدودية قرب نهر دجلة، حيث ذاق مرارة التعذيب حتى فارق الحياة. بقيت تلك الجريمة جرحاً نازفاً في ذاكرة ديريك، غاب فاعلوها عن يد العدالة لكن ذكراهم لم تغب عن الوجدان.
في أعقاب تلك الفاجعة، عرض العم عيسى مراد بسي على والدي أن يحلّ مكانه في حصة المرحوم جوزيف، فالتقت إرادتهما مجدداً في عام 1965. كانت تلك الأيام "ذهبية"؛ إذ لم تكن البرادات قد غزت البيوت بعد، فكانت ماكنة الغاروز وقطع "البوز" هي الملاذ الوحيد لتبريد القلوب في هجير الصيف.
صناعة الفرح: كيف كنا نصنع "الخرط"؟
خلف تلك المشروبات الملونة، كانت هناك أيدٍ حانية تعمل؛ فوالدتي "حانة" كانت "المهندسة" الحقيقية لهذا المذاق. كنا نبتاع صبغة الألوان من العم حنا حنا (أبو اسكندر) في القامشلي، وهو قريب لعائلة زوجتي سميرة.
كان البيت يتحول إلى مختبرٍ للجمال؛ تمزج والدتي البودرة بالماء والسكر، وتضيف "الأسانس" لتثبيت النكهة. أما "الخرط"، فكان يتطلب جهداً بدنياً؛ نضع قالب الثلج في خراطة حديدية، نبشره حتى يمتلئ القدح بـ"ثلج ناعم"، ثم نسكب عليه الأصباغ الزاهية من أحمر وأصفر وأخضر وقرمزي. أما "السيفون"، فكان يُصنع بضغط الغاز عبر الماكنة، ويُعبأ في قناني زجاجية تُبرد في صناديق خشبية محشوة بالثلج.
رحلة الشقاء من المعمل إلى الكتف
كنا نقطع الطريق إلى معمل "أبو أحمد" عند "عين العسكرية"، الموقع الذي أسسه الفرنسيون. كنا، أنا وأخي الياس والعاملان إبراهيم ابن باهي وابن بلقو، نحمل قوالب البوز على أكتافنا، نلفها بأكياس الخيش لنحمي جلودنا من "لسعة الجليد". وفي أيام القيظ، كنا نستورد الثلج من القامشلي عبر "بوسطة" العم جورج رزقو أو سيارات الأجرة. كانت تلك الرحلات مقامرة مع الزمن؛ فكثيراً ما كانت الشمس تسبقنا، فتذوب الأرباح وتتحول قوالب الثلج إلى ماءٍ يسيل على طرقات السفر.
فصلُ الختام: بين نبل الأب وجور القربى
بمرور الأيام، آلت الشراكة في الدكان وماكنة الغاروز إلى والدي وشقيقه العم حنا. ومع الأسف، حصل ما لم يكن متوقعاً؛ فقد تعرّض والدي لعملية تحايلٍ من قِبل ابن عمي (ع. ح)، الذي دأب على إيهام والدي بوجود ديونٍ مستحقّة لأشخاصٍ وهميين، وكان يفرض على والدي دفع سلفٍ مالية لتغطيتها. والحقيقة المُرّة هي أنّ تلك الأموال لم تكن لأغراب، بل كانت من مال العم حنا نفسه، في خطةٍ استهدفت إثقال كاهل والدي بالالتزامات المالية.
وأمام تراكم هذه الديون المفتعلة، وجد والدي نفسه مضطراً لبيع حصته لأخيه مقابل سداد تلك السلف. وما يدمي القلب، هو أنّني كنتُ قد عرضتُ على والدي مسبقاً أن أشتري حصة عمي حنا بمالي الخاص، إلا أنّ والدي، بروحه الأبوية العالية، رفض ذلك بشدّة. لقد كان يقول لي إنّ عائلتي ومستقبلي هما الأَوْلى بذلك المال، مفضلاً أن أحافظ على مدخراتي التي خصصتها لـ "جمعية المعلمين" لبناء شقة سكنية، على أن يغامر بها في تجارةٍ نخرت فيها المكائد. آثر والدي خسارة عمله وعرق جبينه، على أن يمسّ أماني أبنائه.
وبهذا السيناريو القاسي، انطوت صفحة عملنا في ماكنة الغاروز وبيع البوز في ديريك إلى الأبد. انتقل والدي ليفتح دكاناً صغيراً في بيته في "حارة موتور الماء" (حارة كنيسة ماردوو). رحل الدكان، وبقيت ذكرى الأب الشهم الذي قدّم استقراره المهني قرباناً لاستقرار أبنائه، لتبقى قصته صفحةً مضيئة في تاريخ المدينة رغم عتمة الغدر وشجون الرحيل.
تم دمج كافة التفاصيل بدقة. هل ترغب في إضافة أي تفاصيل أخرى عن حارة "كنيسة ماردوو" أو دكان البيت الأخير لتكملة المشهد؟

fouadzadieke 13-03-2026 01:56 PM

ديريك: صدى الگازوز وتراتيل الجليد

بقلم: فؤاد زاديكي

في ذاكرة المدن تفاصيلُ صغيرة قد لا يَعبأ بها المؤرخ العابر، لكنّها عند أبنائها تشكّل الهُوِيّة الرّوحية والنّبض اليوميّ للحياة. ومن تلك التفاصيل في مدينة "ديريك" السورية، تبرز حكاية "ماكنة الگازوز" وبسطة "قوالب البُوز"، تلك الحكاية التي لم تكن مجرّد تِجارة، بل كانت طقسًا اجتماعيًّا ارتبط بأسماء وعائلات حَفرت حضورَها في وجدان المدينة.

بداياتُ الانتعاش وبزوغ الفكرة

مع إشراقة السّتينيّات من القرن الماضي، شهدت ديريك دخول أول "ماكنة گازوز" لبيع وتعبئة المشروبات الغازية (السيفون) وبَيع قطع الثّلج المجمّد (البوز). كان الرّوّاد في هذا المضمار هما السيد مراد بهنام مراد (شقيق الخياط الشهير ببو)، والسيد توما موسى عيسى الملقب بـ "توما الحجي".
لم يمضِ وقت طويل حتى دخل والدي، گبرو الياس زاديكي، شريكًا في هذا المشروع بعد شرائه حصّة العم مراد. تشكّلت حينها ثنائية عمل فريدة، فتوما الحجّي كان كتلةً من النّشاط والذّكاء، يمتلك كاريزما تجاريّة وأسلوبًا دمثًا في استقطاب الزبائن، مما جعل الأرباح تزدهر والسّمعة تطيب، حتّى أنّ والدي هو من خلع عليه لقب "الحَجّي" تقديرًا لنبله، وهو اللقب الذي لازمه طوال حياته.
تطوّرت الأحوال، فاشترى والدي حصّة شريكه توما، ليصبح المالك الأوحد لهذه الماكنة، والوجه الأبرز لتجارة "الخرط" (بَشْرُ الثّلج) في ديريك. ومع تزايد الطّلب، استدعت الحاجة شراكةً جديدة فكانت مع العمّ شكري ملكي خَلو (أبو گبرو)، حيث تمّ استقدام ماكنة ثانية نُصبت أمام دكّان العم صليبا الصولكرين، وهو دكان لبيع الخردوات والتوابل وأشياء أخرى، كان محلّ ابنه يعقوب صليبا في دكانٍ مُقابلٍ لدكّان والده شاهدًا على دخول أولى أجهزة الراديو إلى المدينة في الخمسينيات.

جغرافيا الدكاكين وحكايات الشوارع

ثبُتت ماكنتانا بين زوايا المدينة، واحدة أمام دكاننا لاحقًا والثانية أمام دكّان العمّ صليبا الصّولكرين، كانت الأولى قد استقرّت ردحًا من الزّمن أمام دكان السيد غانم كنعان بدريّة طوبيّة (أبو جاك)، الذي كان مقصدًا لبيع المشروبات الروحيّة. لاحقًا، تملّك والدي "فروغية" ذلك الدّكان بالشّراكة مع السيد جوزيف بطرس بيكندي، وكان الدّكان ملكًا لوالده أبو جميل.
قبل ذلك الاستقرار، كان والدي يشارك العمّ عيسى مراد پِسِي (أبو مراد) في دكان لبيع البصل والثّوم، يقع ضمن عقارات السيد عيسى شيرينة. كان ذلك الشارع ينبض بالحياة، ففيه مقهى السيد اسحق عيدو أبو عيد وبيت "أبو سمعان" حيث كانت زوجته "سَفْرِه" تملأ الحيّ برائحة الخبز الطّازج من تنّورها الواقف بباب دارهم. كان ابنها ماجد قد غدا لاحقًا مديرًا لدار المعلمين بالحسكة حين كنت طالبًا فيها.

مأساة ووفاء: رحيل جوزيف وبداية عهد جديد

لم تخلُ الرحلة من الآلام، فقد فُجعت المدينة باختفاء السيد جوزيف بطرس بيكندي في ظروف يكتنفها الغموض والقسوة. تردّدت الأنباء حينها عن اختطافه واقتياده إلى قرية حدودية قرب نهر دجلة، حيث ذاق مرارة التّعذيب حتى فارق الحياة. بقيت تلك الجريمة جرحًا نازفًا في ذاكرة ديريك، غاب فاعلوها عن يد العدالة لكنّ ذكراهم لم تغب عن الوجدان.
في أعقاب تلك الفاجعة، عرض العمّ عيسى مراد پِسِي على والدي أن يَحلّ مكانه في حصّة المرحوم جوزيف، فالتقت إرادتهما مجددًّا في عام 1965. كانت تلك الأيام "ذهبية"، إذ لم تكن البرّادات قد غزت البيوت بعد، فكانت ماكنة الگازوز وقطع "البوز" هي الملاذ الوحيد لتبريد القلوب في هجير الصيف.

صناعة الفرح: كيف كنا نصنع "الخرط"؟

خلف تلك المشروبات الملوّنة، كانت هناك أيدٍ حانية تعمل، فوالدتي "حانة قرياقس" كانت "المهندسة" الحقيقيّة لهذا المذاق. كُنّا نبتاع صبغة الألوان من العمّ حنّا حنّا (أبو اسكندر) في القامشلي، وهو قريب لعائلة زوجتي سميرة، وكان يمتلك ماكنة گازوز في القامشلي منذ وقتٍ طويل.
كان البيت يتحوّل إلى مختبرٍ للجمال، تمزج والدتي البودرة بالماء والسّكر، وتضيف "الأسانس" لتثبيت النّكهة. أما "الخَرْط"، فكان يتطلّب جهدًا بدنيًّا، نضع قالب الثلج على الطاولة ثم نقوم بواسطة خَرّاطَة حديدية، لها ثقوب من اسفل، نبشره حتى يمتلئ القدح بـ"ثلج ناعم"، ثم نسكب عليه الأصباغ الزاهية من أحمر وأصفر وأخضر وقرمزي بحسب الرّغبة. أما "السِّيفون"، فكان يُصنع بضغط الغاز عبر الماكنة، ويُعبَّأ في قناني زجاجية تُبرد في صناديق خشبية محشوة بالثلج، أو توضع مباشرةً في كؤوس مُعَدّة لهذا الغرض.

رحلةُ الشّقاء من المعمل إلى الكَتِف

كُنّا نقطع الطريق إلى معمل بوز "أبو أحمد" عند "عين العسكرية"، الموقع الذي أسّسه الفرنسيون. كنّا، أنا وأخي الياس وأخي فهمي والعاملان إبراهيم (باهي) ابن گورگيس پِلْحِس وابن بلقو "أبو نِعسَان" أخو كريم بلقو، نحمل قوالب البُوز على أكتافنا، نَلفّها بأكياس الخيش لنحمي جلودنا من "لسعة الجليد". وفي أيّام القيظ الشّديد وبسبب عطل في معمل ديريك او تزايد الطلب على البوز، فإنّنا كنّا نستورد الثّلج من القامشلي عبر "بوسطة" العم جورج رزقو أو سيّارات الأجرة. كانت تلك الرّحلات مُقامرةً مع الزّمن، فكثيرًا ما كانت الشّمس تسبقنا، فتذوب الأرباح وتتحوّل قوالب الثّلج إلى ماءٍ يسيل على طرقات السفر.

فصلُ الختام: بين نُبل الأب وجور القُربَى

بمرور الأيام، آلت الشّراكة في الدكّان وماكنة الگازوز إلى والدي وأخيه العمّ حنّا زاديكي. ومع الأسف، حصل ما لم يكن متوقعًا، فقد تعرّض والدي لعملية تحايلٍ من قِبل ابن عمي (ع. ح)، الذي دأب على إيهام والدي بوجود ديونٍ مستحقّة لأشخاصٍ وهميين، وكان يفرض على والدي دفع سلفٍ مالية لتغطيتها. والحقيقة المُرّة هي أنّ تلك الأموال لم تكن لأغراب، بل كانت من مال العم حنّا نفسه، في خطةٍ استهدفت إثقال كاهل والدي بالالتزامات المالية.
وأمام تراكم هذه الديون المفتعلة، وجد والدي نفسه مضطرًّا لبيع حصّته لأخيه مقابل سَداد تلك السُّلَف. وما يُدمي القلب، هو أنّني كنتُ قد عرضتُ على والدي مُسبقًا أن يشتري ابي حصّة عمي حنّا بمالي الخاصّ، إلّا أنّ والدي، بروحه الأبوية العالية، رفض ذلك بشدّة. لقد كان يقول لي: "إنّ عائلتي ومستقبلي هما الأَوْلى بذلك المال" مُفَضِلًا أن أحافظ على مُدّخراتي التي خصّصتها لـ "جمعية المعلمين" لبناء شقة سكنية، في تلك الجمعيّة، على أن يغامر بها في تجارةٍ نخرت فيها المكائد. آثر والدي خسارة عمله وعرق جبينه، على أن يمسّ أماني أبنائه وأحفادِه.
وبهذا السيناريو القاسي، انطوت صفحة عملنا في ماكنة الگازوز وبيع البوز في ديريك إلى الأبد. انتقل والدي ليفتح دكانًا صغيرًا في بيته في "حارة موتور الماء" (حارة كنيسة ماردوو). رحل الدكان، وبقيت ذكرى الأب الشهم الذي قدّم استقراره المهني قربانًا لاستقرار أبنائه، لتبقى قصته صفحةً مُضيئة في تاريخ المدينة رغم عتمة الغدر وشجون الرّحيل.


الساعة الآن 10:58 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke