![]() |
بيعة عَذْرِت آزخ كنيسة السيدة العذراء مريم والدة الإله ✦ ✦ ✦ أولاً — حجرٌ يحمل روح
بيعة عَذْرِت آزخ
كنيسة السيدة العذراء مريم والدة الإله ✦ ✦ ✦ أولاً — حجرٌ يحمل روح الأزل ثمةَ أماكنُ في هذا العالم لا تكتفي بأن تكون شاهدةً على التاريخ، بل تصير هي التاريخ ذاته؛ تتنفسه في صمتها، وتبثّه في حجارتها، وتُسرّبه إلى قلوب من يطأون أعتابها. ومن تلك الأماكن النادرة كانت بيعة عَذْرِت آزخ — كنيسة السيدة العذراء مريم والدة الإله — المنتصبة في قلب البلدة القديمة كأنها الروح التي لا تُقال، والذاكرة التي لا تُنسى. لم تكن هذه الكنيسة مجرد بناءٍ حجريٍّ أقامه الإنسان ليحتمي بظلاله من وطأة الزمن؛ كانت أعمق من ذلك بكثير. كانت القلبَ النابض لآزخ، والوريدَ الذي تجري فيه دماء أجيالٍ متعاقبة من المؤمنين، والجسرَ الذي يربط الحاضر بماضٍ ضارب في أعماق الأرض والروح معاً. فمن يقف بين جدرانها يشعر، لا محالة، أن الزمن قد تعثّر هناك وأحجم عن المضيّ، وآثر أن يُقيم في رحاب تلك الحجارة المقدسة. تقع الكنيسة في قلب البلدة القديمة، في الموضع الذي تتشابك فيه الأزقة الضيقة وتتعانق البيوت الحجرية العتيقة، كأن كل شيء في البلدة قد صمَّم أن ينتهي إليها، أو ينبثق منها. وفي تلك الأزقة التي تحفظ في بلاطها أثرَ خطوات أجيالٍ غابرة، كانت الكنيسة قبلةَ الأرواح الظامئة ومرفأ القلوب المتعبة. ✦ ✦ ✦ ثانياً — ما قبل المسيح: جذورٌ في الوثنية الأولى لكن سرّ هذا المكان يمتد إلى ما هو أبعد مما تظنّ؛ فقد يسبق وجوده الإيمانَ المسيحي نفسه. يُرجّح كثيرٌ من الباحثين والدارسين المدققين، استناداً إلى هيئة البناء وأسلوبه المعماري الغريب بعض الشيء عمّا اعتادت عليه الكنائس، أن هذا الموضع لم يبدأ بيعةً مسيحية، بل كان في الأزل معبداً وثنياً قديماً يخدم ديانةً سابقة لانبثاق الرسالة المسيحية في تلك البقاع. ثم جاءت موجة المسيحية الكبرى التي اجتاحت المنطقة في قرونها الأولى، فأعادت تشكيل المكان وأضفت عليه قدسيةً جديدة، وكرّسته باسم أجلّ النساء في التراث الإيماني: مريم العذراء، والدة الإله. وهكذا تحوّل المعبد القديم إلى كنيسة، حاملاً في أحشائه طبقتين من القداسة: قداسة ما قبل المسيح، وقداسة ما بعده. ✦ ✦ ✦ ثالثاً — في عهد الأسقف بَطرَا: ميلادُ بيعةٍ خالدة ويذهب الباحثون إلى أن البناء الذي نعرفه اليوم، بصورته الحالية وملامحه المعمارية المميزة، قد شُيّد في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، في الفترة الممتدة بين عامَي ثلاثمئة وأربعين وثلاثمئة وستين للميلاد — وهي سنوات توافقت مع ولاية الأسقف بَطرَا على أبرشية بيت زبدى. كان الأسقف بَطرَا رجلاً لا يعرف الكسل؛ حافراً بيديه في صخر الزمن والحجر معاً، ناشطاً في تعمير الروح بقدر ما كان ناشطاً في تعمير الأرض. تحت رعايته وبإشرافه المباشر، شهدت المنطقة موجةً من البناء الكنسي لا نظير لها. ويكشف التشابه المعماري اللافت بين بيعة عذرت آزخ وكنيسة العذراء في قرية برا بيت من جهة، وكنيسة العذراء في ديريك من جهة أخرى — ولا سيما أن الثلاثة تشترك في حمل اسم العذراء أم المسيح — أن يداً واحدة رسمتها، وإرادةً واحدة أوجدتها، وروحاً واحدة أمدّتها بالحياة. فمن المرجّح جداً أنها بُنيت في الحقبة ذاتها، وفي عهد هذا الأسقف البنّاء نفسه. ✦ ✦ ✦ رابعاً — الحجارة تتكلم: وصفٌ معماري أما البناء في ذاته، فهو أشبه بقصيدة نُحتت في الصخر. جدرانه العتيقة التي تحمل في نسيجها ذاكرة ستة عشر قرناً أو يزيد، تنطق بلغةٍ لا يفهمها إلا من وقف أمامها طويلاً ومدّ يده على وجهها الخشن. وسقفها المعقود بصفوفٍ متناوبة من الحجارة البيضاء والسوداء يمنحها مهابةً تشبه مهابة القدر؛ فكأن البنّاءين الأوائل أرادوا أن يُضمّنوا في هذا التناوب اللوني فلسفةً عن تعاقب الأيام، وتداول الليل والنهار، ومرور النعمة والمحنة على هذا المكان وأهله. وكانت الكنيسة تُقسَّم تقليدياً إلى فضاءين متمايزين: قسمٌ للرجال وآخر للنساء، وفق ترتيبٍ طقسي قديم استمر صامداً عبر القرون، لم تستطع رياح التغيير أن تقتلعه. وحين زارها صاحب هذه السطور عام ألفين وثلاثة للميلاد، كان ذلك التقسيم لا يزال ماثلاً للعيان، كأنه يحكي بصمتٍ وكبرياء حكايةَ المؤمنين الذين أمّوا هذا المكان جيلاً بعد جيل، كل منهم يحمل همّه وأمله، ويضعهما عند أقدام السيدة العذراء. وفي تلك الزيارة ذاتها لاحظ الزائر أن أعمال الترميم في برج الناقوس كانت قد بدأت بخطىً حذرة، لكنها توقفت في منتصف الطريق، ربما لأن الإمكانات ضاقت، وربما لأن العزائم وهنت حين صار عدد المسيحيين في البلدة لا يتجاوز بيوتاتٍ معدودة على أصابع اليد الواحدة. غير أن الروح القديمة للمكان ظلت حاضرةً بكامل ثقلها وبهائها، كأن الكنيسة قرّرت أن تبقى راسخةً في زمانها، حتى لو خلت من أهلها. ✦ ✦ ✦ خامساً — الشجرة والشمّاس: سدرة المشورة وكان بالقرب من الكنيسة — لصيقةً بها كأنها حارسُها الصامت — شجرةٌ ضخمة شامخة مديدة الجذور، يُعدّ عمرها الحقيقي سرّاً لا يعلمه إلا الله والتراب. لم تكن مجرد نباتٍ باسق يُظلّل الأرض ويُطيّب الهواء؛ كانت شخصيةً من شخصيات آزخ، شاهدةً لا تكذب، ذاكرةً لا تهرم. تحت أغصانها المتشعبة، في ظلٍّ أليف كأنه وُجد لهذا الغرض تحديداً، كان يجلس الشمّاس اسطيفو بن لحدو بازو — رجل آزخ الكبير وعمودها الذي لا ينحني. كان يجلس هناك مع وجهاء البلدة ومستشاريه والمؤمنين، يُديرون حديثاً يمزج بين شؤون الإيمان وشؤون الحياة، يتناقلون أخبار القبائل الكردية المحيطة بالبلدة من كل جانب، تلك القبائل التي كثيراً ما كانت تتربص بآزخ وتتحين الفرص للإيقاع بأهلها. هناك، في ظل تلك الشجرة العظيمة، وعلى وقع أصوات الريح في أوراقها وأجراس الكنيسة في الأعالي، كانت تُتخذ القرارات المصيرية، وتُروى الأخبار الخطيرة، وتُحاك خطط الدفاع عن البلدة التي صار يُذكر اسمها باحترامٍ في المحيط القبلي كله. وكان للشمّاس اسطيفو الفضل الأكبر في رفع شأن آزخ وإعادة هيبتها، حتى صارت لها مكانةٌ في الإقليم تُشار إليها بالبنان. ✦ ✦ ✦ سادساً — ليلة الصوت المجهول: المعجزة والحصار بيدَ أن أعظم ما رسّخ اسم بيعة عذرت آزخ في الذاكرة الجماعية لأبنائها، وجعل منها أكثر من مجرد كنيسة، هي تلك الحادثة التي يتناقلها الآزخيون جيلاً عن جيل بكل ما يحملونه من إيمانٍ ودهشة وامتنان. في أيام السيفو — تلك الأيام الكالحة التي أسدلت ظلالها السوداء على المسيحيين في تلك الأنحاء كلها، حين كانت الموت يطرق الأبواب ولا يستأذن — حاصر الجيش العثماني بلدة آزخ الصغيرة الشامخة. كان على رأس تلك الحملة العسكرية القائدُ عمر ناجي بك، مدعوماً بعددٍ من العشائر الكردية التي أغرتها الفرصة على الانضمام إلى الحصار. ضاقت الحلقة حول البلدة، وتقاطعت السيوف في الأفق، وبدا المصير المظلم وكأنه قدرٌ محتوم لا مردّ له. لكن آزخ لم تكن وحدها. في إحدى تلك الليالي الحالكة، حين كانت الأرواح تتعلق بخيوط الرجاء الأخيرة، انبثقت من برج الكنيسة أصواتٌ لم يسمع مثلها أحد: دويٌّ مدوٍّ هائل كدوي المدافع الضخمة، يشقّ الليل ويتردد في الجبال والوديان، ويُلقي الرعب في قلوب المحاصِرين كإلقاء الصواعق. ذعر الجنود، واضطربت صفوف القوات، وساد الهلع في المعسكرات. واللافت أن برج الكنيسة لم يكن من الارتفاع والضخامة ما يحتمل وجود مدفع أو آلة حرب. لم يكن في البلدة سلاحٌ من هذا النوع، ولم يدخلها مدد ولا إمداد. ومع ذلك كان الصوت يدوّي، ليلة بعد ليلة، كأن قوةً خفيةً تحرس أسوار آزخ من حيث لا يرى البشر. سرت الشائعات في صفوف الجيش كالنار في الهشيم: أهلُ آزخ يمتلكون سلاحاً متطوراً حصلوا عليه من الإنكليز! فأرسل القائد عمر ناجي بك رسالةً إلى أهل البلدة، يعرض فيها رفع الحصار مقابل تسليم ذلك السلاح الغريب. ردّ أهل آزخ بما لديهم من الحقيقة المجردة: لا سلاح لديهم، ولم يصلهم من الإنكليز شيء، وما يسمعونه هو ما تسمعون، لا يعلمون له تفسيراً. ✦ ✦ ✦ سابعاً — الضابط الألماني لويس برنارد: شاهدٌ يتحول لم يقتنع القائد العثماني تماماً، فأوفد وفداً عسكرياً من ثلاثة أشخاص لتفتيش الكنيسة والتحقق من مصدر الأصوات المحيّرة. وكان من بين هؤلاء الثلاثة شخصيةٌ ستُصبح لاحقاً محوراً من محاور هذه الحكاية: ضابطٌ ألماني يُدعى لويس برنارد، كان يعمل مستشاراً في صفوف القيادة العثمانية وفق الأعراف الحربية لتلك الحقبة. فتّش الوفد الكنيسة من قمتها إلى قاعها؛ دخلوا البرج درجةً درجة، وطافوا الغرف كلها، وعاينوا الساحة، وأماطوا اللثام عن كل زاوية يمكن أن تخفي آلةَ حرب. لكنهم لم يجدوا شيئاً. لا سلاح، ولا آلة، ولا تفسير. البرج لا يتسع لمدفع، والكنيسة لا تُخفي مفاجآت. الحجارة وحدها تواجههم بصمتها الثقيل. عندها بدأ الضابط لويس برنارد يشعر بأن الأمر يفلت من قبضة التفسير المادي الصرف. كان رجلاً مدرّباً على منطق الحرب والأرقام والإستراتيجية، غير أن ما رآه — أو بالأحرى ما لم يره — هزّه في أعماقه. فالصوت كان حقيقياً، والرعب الذي أحدثه في صفوف الجنود كان حقيقياً، لكن المصدر لم يكن موجوداً. كيف يُفسّر هذا بمنطق العسكري؟ كيف تعمل آلةٌ غير موجودة؟ انتهت الحرب في نهاية المطاف بهزيمة الدولة العثمانية، وعاد الضابط الألماني لويس برنارد إلى وطنه حاملاً معه ذكرياتٍ كثيرة من جبهاتٍ عديدة. لكن من بين كل تلك الذكريات، كانت تلك الليلة في آزخ، وذلك البرج الذي لم يُفصح عن سرّه، تحتل مكاناً خاصاً في ذاكرته لا يشاركها فيه شيء آخر. وكما يُروى ويُتناقل، فقد دخل لويس برنارد بعد عودته إلى ألمانيا الحياةَ الرهبانية، سالكاً طريق الإيمان الذي ربما كانت بيعة عذرت آزخ أول من أرشده إليه. وبمرور السنين، ارتقى في السلم الكنسي حتى نال درجة الكردينالية. وفي مقابلاتٍ وكتاباتٍ لاحقة، أشار بنفسه إلى أن حادثة آزخ كانت من الأسباب الجوهرية التي دفعته نحو هذا الطريق؛ فقد رأى فيها عنايةً إلهيةً خاصة — عناية السيدة العذراء التي ضربت بجناحيها فوق البلدة الصغيرة في محنتها الكبرى، وأبلغت الجنودَ برسالةٍ لم تُكتب بالحروف بل بالرعب والدهشة. ولم يكن العساكر الأتراك وحدهم شهود تلك الليلة؛ فمن بين صفوف الأكراد الذين انتظموا في الحصار، روى كثيرون ممن بقوا على قيد الحياة وعادوا إلى قراهم، أنهم سمعوا الدوي المرعب ورأوا ما حيّر عقولهم ولم يجدوا له تفسيراً. وشاع الحديث عن هذه الحادثة في المضافات والمجالس القبلية المحيطة، فأضاف إلى سمعة آزخ ورهبتها طبقةً جديدة من الهيبة. ✦ ✦ ✦ ثامناً — آزخ هاواري ليكي: نداءٌ يعبر الزمن ومنذ تلك الأيام الفارقة، ترسّخت في وجدان أهل آزخ عبارةٌ باتت أشبه بالتعويذة والصلاة والنشيد في آنٍ واحد: "آزخ هاواري ليكي" — يا آزخ استغيثي. هي عبارةٌ تُقال في أوقات الشدة، وتُستحضر في لحظات اليأس، كأنها مفتاحٌ سريٌّ يفتح باباً على تلك الليلة البعيدة، حين سمع أهل آزخ وخصومهم معاً صوتَ من لا صوت لها في عرف البشر، فتحرّكت الأقدار، وانكشفت العناية الإلهية. ✦ ✦ ✦ تاسعاً — الصورة التي تجمع المنفى بالوطن ومع تقلّب الأيام وانتشار أبناء آزخ في شتى أصقاع الأرض، كانوا في حاجةٍ إلى ما يربطهم بكنيستهم الأم وبيعتهم العتيقة. فكانت الصورة. حوالي عام ألفٍ وتسعمئة وستة وثمانين للميلاد، رسم فنانٌ سرياني كاثوليكي من أبناء آزخ يقيم في مدينة القامشلي لوحةً لصورة العذراء، تختصر في خطوطها وألوانها كل ما يعنيه اسم آزخ لمن يحملون اسمها في قلوبهم. دخلت تلك الصورة بيوت الآزخيين المنتشرين من أمريكا إلى أستراليا، ومن السويد إلى لبنان، كما دخلت بيوت من بقي في الوطن الأصلي. صارت جسراً روحياً لا تقطعه المسافات، ورابطاً خفياً يشدّ الجميع نحو تلك البيعة الصغيرة الكبيرة في آزخ. وكان صاحب هذا العمل الفني الرفيع هو الفنان الشاب في تلك الأيام — الذي سيُصبح لاحقاً المطرانَ الجليل مار يعقوب بهنان حنّا هندو. ✦ ✦ ✦ عاشراً — مار يعقوب بهنان هندو: ابن آزخ الذي طار بعيداً وعاد بروحه وُلد بهنان بن موسى هندو — هذا الاسم الذي ستحمله الكنيسة لاحقاً باسمٍ أعلى — في بلدة آزخ (إيدل — تركيا)، في الثامن من آب عام ألفٍ وتسعمئة وواحد وأربعين للميلاد. ووالدته السيدة الفاضلة وديعة بشير. في السنوات الأولى من طفولته، شدّ والداه الرحال إلى مدينة القامشلي في سوريا، حيث تشرّب الصغير بهنان عبير البيئة السريانية الكاثوليكية، وتلقّى تعليمه الأولي في مدرسة السريان الكاثوليك هناك. وفي عام ألفٍ وتسعمئة وثلاثة وخمسين، حين كان الغلام لا يزال في ريعان صباه، توجّه مع عمّه الكاهن القس ميخائيل هندو إلى دير الشرفة في لبنان، حيث أيقظت أجواء الدير وعطر الأسرار المقدسة نداءً في أعماقه لم يهدأ. هناك تلقّى دراساته التكميلية والثانوية، وأتمّ القسم الأول من البكالوريا اللبنانية، تاركاً أثراً طيباً في كل من عرفه بشغفه المعرفي وإخلاصه للطريق الذي اختاره. ثم أرسله رؤساؤه مؤتمنين على أمانةٍ ثقيلة إلى قلب العالم الكاثوليكي: روما. في معهد بروبغاندا فيدي الشهير، وفي رحاب الجامعة الأوربانية العريقة، أبحر بهنان هندو في أعماق الفلسفة واللاهوت، يستقي من ينابيع الفكر الإنساني والإيماني ما يُغذي عقله وروحه على حدٍّ سواء. وفي الرابع من أيار عام ألفٍ وتسعمئة وتسعة وستين للميلاد، في كنيسة مريم العذراء في كامبو مارتسيو بروما — يا لهذا التكرار الرمزي لاسم العذراء في حياته — رُسم كاهناً على يد سيادة المطران إغناطيوس منصوراتي وكيل البطريركية لدى الكرسي الرسولي، مع زميله الشماس إلياس طبّي الذي سيُصبح يوماً مطراناً على أبرشية دمشق. وفي عام ألفٍ وتسعمئة وستة وسبعين، حمل الأب بهنان هندو أسئلته الأعمق إلى باريس، حيث تخصّص في التحليل النفسي وحصل على درجة الماجستير، مُقدِّماً أطروحته حول عالم قصص الأطفال — ذلك العالم الذي يبدو بسيطاً في ظاهره ولكنه ينطوي على طبقاتٍ من المعنى والرمز والتشكيل النفسي العميق. عاد إلى القامشلي عام ألفٍ وتسعمئة واثنين وثمانين، حيث تولّى رعاية الرعية خوريّاً، قبل أن يُوفَد لخدمة الرسالة السريانية الكاثوليكية في باريس. وفي عام ألفٍ وتسعمئة واثنين وتسعين، رُسم خور أسقف في دير الشرفة، مواصلاً مسيرته الكنسية التي كانت تجمع في طيّاتها العبادةَ والتعليم والفن والخدمة الاجتماعية. وبعد استقالة المطران جورج هافوري من مهامه، آلت إلى بهنان هندو راية القيادة في تلك البلاد. فرُسم مطراناً على أبرشية الحسكة ونصيبين للسريان الكاثوليك عام ألفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين للميلاد، في احتفالٍ مهيب أُقيم في كنيسة مار بطرس وبولس في القامشلي. ومن يومها صار يُعرف باسمه الرسولي الكامل: المطران مار يعقوب بهنان حنّا هندو. وخلال سنوات خدمته الطويلة، ترك المطران يعقوب هندو بصمةً راسخة في تربة المنطقة الروحية والثقافية. فأسّس مركز مار أسيا الحكيم في الحسكة، الذي غدا منارةً ثقافية وروحية تُعنى بخدمة الإنسان في أبعاده كلها، وتُسهم في صون الهوية السريانية وإحيائها في وجه تيارات الذوبان والنسيان. ثم جاء الرحيل. في يوم الأحد السابع من حزيران عام ألفين وواحد وعشرين للميلاد، بعد صراعٍ مضنٍ مع المرض لم ينل من ثباته شيئاً، أسلم المطران مار يعقوب بهنان حنّا هندو روحه إلى خالقه. رحل ابن آزخ الكبير تاركاً وراءه إرثاً لا تطاله يد النسيان: كنائسُ بناها، وبشرٌ أعانهم، وثقافةٌ حفظها، وصورةٌ رسمها في شبابه ظلت جسراً يربط المهجر بالوطن. ✦ ✦ ✦ خاتمة — الحجر الباقي والروح الخالدة وهكذا تبقى بيعة عذرت آزخ واقفةً في قلب البلدة القديمة، كما كانت واقفةً منذ أن رسم خطوطها الأولى الأسقف بَطرَا في القرن الرابع الميلادي. حجارتها البيضاء والسوداء المتناوبة لا تزال تروي بلغتها الصامتة حكايةَ الإيمان والصمود والكرامة. برجها الذي أطلق ذات ليلةٍ صوتاً بلا مصدر لا يزال شامخاً يتحدى الريح. والشجرة العتيقة التي أظلّت مجالس الشمّاس اسطيفو لا تزال — إن لم تكن الأيام قد نالت منها — تحرس ذلك الفضاء المقدس. وفي بيوت الآزخيين المبعثرين في أصقاع الأرض، تبقى صورة العذراء التي رسمها بهنان هندو الشاب تُضيء الجدران وتُعطّر الذاكرة. وفي القلوب تبقى تلك العبارة الشهيرة تتردد كلما ضاق الأفق واشتدّت المحنة: "آزخ هاواري ليكي" يا آزخ... استغيثي. فإن العذراء لم تتأخر يوماً عمّن استغاث بها من قلبه. ✦ ✦ ✦ ✦ |
| الساعة الآن 11:30 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke