![]() |
تتمة مرحلة الطفولة من خوامش فؤاد زاديكي
هوامش — سيرة ذاتية
الطفولة: جزيرة البراءة في بحر العمر — ✦ — كانت الطفولة، ولا تزال، عالماً قائماً بذاته؛ عالماً يفيض جمالاً وعذوبةً وبراءةً لا تُضاهى، كأنّه جزيرةٌ نائيةٌ في بحر العمر المتلاطم، لا يبلغها صخب الحياة ولا تعصف بها رياح التعقيد. فيها تتفتح الروح على أولى دهشاتها، وتتعلم العين كيف ترى العالم بصفاءٍ ناصع لم تكد تعكره التجارب بعد. ومهما أحاط بها من نقائص أو ظروف، تبقى الطفولة المرحلة الأكثر حساسيةً وعمقاً في تشكيل الإنسان؛ ففيها تُزرع البذور الأولى للشخصية، وتنغرس في أعماق الوجدان جذور القيم والميول والتطلعات التي ستصير مع الزمن خريطة الروح ودليلها في دروب الحياة. في تلك السنوات الغضّة، يكون الطفل كالغصن الطريّ الذي لم يعرف بعد مقاومة الريح؛ يستجيب لكل نسمةٍ تمرّ به ولكل يدٍ تلمسه. فإن أمسكت به يدُ العناية نما مستقيماً مورقاً، يبسط أغصانه نحو النور بثقة الجذور الراسخة. وإن تُرك للريح وحدها، جرفته في اتجاهاتٍ شتّى وبلبلته في متاهاتٍ لا نهاية لها. ولهذا فإن الطفولة لا تحتاج إلى الرعاية وحدها، بل إلى توجيهٍ حكيم يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، وإرشادٍ رصينٍ يقرأ النفس الصغيرة قبل أن يوجّهها، واهتمامٍ نفسيٍّ وتربويٍّ يُميّز بين حاجة الطفل وحاجة الكبير الذي يتولى تنشئته. ففي تلك المرحلة ينمو الجسد نمواً متسارعاً يكاد يُشبه انبثاق الربيع؛ ملامحه تتبدل من موسمٍ إلى آخر، ووظائفه الحيوية تتطور تطوراً متواصلاً كأن الزمن قد اختار تلك السنوات القليلة مسرحاً لأجمل عروضه وأكثرها حيويةً وإبهاراً. غير أن هذا النمو لا يقتصر على الجسد وحده؛ إذ ثمة عوالم أخرى تتفتح في أعماق الطفل في الوقت ذاته: فالعقل يتسع رويداً رويداً للمعرفة، والذاكرة تبني صروحها الأولى من صور التجارب وأصوات اللحظات، والعاطفة تتعلم نبضاتها الأولى بين الفرح والألم، والروح الاجتماعية تبدأ في اكتشاف معنى الآخر ولذة الانتماء. وهكذا يتشكّل الكيان الإنساني في أبعاده المتعددة: البدنية والمعرفية والعاطفية والاجتماعية، في تناسقٍ بديع يشبه اكتمال لوحةٍ فسيفسائية. ومن هنا تتجلى أهمية حضور الكبار في حياة الطفل، لا حضوراً شكلياً عابراً، بل حضوراً واعياً مشاركاً. فليس المطلوب أن يكون الكبار موجّهين فحسب، بل أن يكونوا أيضاً شهوداً منتبهين على تحولات عالمه الداخلي الغامض والغني. فالطفل يعيش صراعاتٍ صغيرة تبدو لعيون الكبار عابرةً لا وزن لها، لكنها بالنسبة إليه عوالم كاملة مكتظة بالمعنى والدلالة: يتأرجح بين الحب والغضب، بين الخوف والفرح، بين الفضول الجامح والتردد الحذر. وإذا غاب الراشدون عن تلك اللحظات الحساسة، أضاعوا فرصاً ذهبيةً لا تعود، وفقدوا معها القدرة على إرشاد الصغير نحو الصواب وحمايته من عثرات الطريق الأولى التي كثيراً ما تترك ندوبها على امتداد العمر كله. — ✦ — وقد أدرك بولس الرسول، بعمق الروح وصدق التجربة، هذا التحول العميق الذي يقع بين عالمَي الطفولة والنضج. فكتب في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس كلماتٍ تختصر هذه الرحلة الإنسانية الكبرى: «لمّا كنتُ طفلاً كطفلٍ كنتُ أتكلّم، وكطفلٍ كنتُ أفطِن، وكطفلٍ كنتُ أفتكر. ولكن لمّا صِرتُ رجلاً أبطلتُ ما للطفل». إنها كلماتٌ تحمل في طيّاتها كل ثقل الرحلة الإنسانية: من براءة البدايات إلى حكمة التجربة، ومن بساطة الطفولة المعطاة هبةً إلى اتساع الرؤية المكتسب بثمن الأيام والسنين. كلمات تذكّرنا بأننا جميعاً بدأنا من هناك، من تلك الجزيرة الدافئة البعيدة التي تسمى الطفولة. — ✦ — أول: رفاق الدرب — الأصدقاء الذين كوّنوا الحكاية — ✦ — وإذا ما عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام البعيدة، إلى سنوات المرحلة الابتدائية التي تبدو من مسافة العمر كأنها حلمٌ عذب طال أو قصر، وجدت نفسي واقفاً أمام عالمٍ آخر كلياً؛ عالمٍ مصنوعٍ من الضحكات والطرقات الترابية التي كانت تحمل خطواتنا الصغيرة المتعجلة نحو مغامراتٍ لا تعرف النهاية ولا الملل. كانت المدرسة في تلك الأيام أكثر بكثير من مجرد مكانٍ للتعلم والكتب والألواح؛ كانت فضاءً حياً يتنفس ويتحرك، تتولد فيه الصداقات الأولى تلك الصداقات النقية التي لا تعرف حسابات المصالح، ولا تلوّثها تعقيدات الكبار ولا مناوراتهم. ذلك الفضاء البسيط المنعم كان مرسماً أيضاً تتشكّل فيه أولى الشخصيات وتتلون. هناك التقيتُ بزملاء الصف وأبناء الحارة الذين أصبحوا شيئاً فشيئاً جزءاً لا يمحى من حكاية طفولتي: سامي داوود القسّ، وجوزيف إسحاق آنطي، وألياس صليبا سلطو، وأفرام مراد لوزي، وشكري برخو، وغيرهم من الرفاق الذين شكّلوا معاً لوحةً زاهية الألوان في ذاكرة الأيام، لوحةً لا يملك الزمن أن يطمس تفاصيلها مهما حاول. غير أنّ أقربهم إلى قلبي، وأكثرهم حضوراً في خلايا ذاكرتي، كان الصديق العزيز بطرس إبراهيم. كنا، أنا وهو، كأننا شقيقان ضلّ كلٌ منا طريقه إلى بيت الآخر فأقام فيه. كانت الأيام تمرّ بنا ونحن لا نكاد نتفارق؛ ذهاباً وإياباً، في اللعب وفي الجدّ، في الفرح وفي تلك اللحظات الصغيرة من الحزن التي لا يفهمها إلا طفلٌ في مثل عمرنا. كنا نذهب معاً إلى بساتين يعقوب لوزي وأخيه مراد لوزي، حيث كانت الأشجار تمتد كأنها مظلاتٌ خضراء أوقفتها السماء تحديداً لتحمي أسرار الطفولة من عيون الكبار. وبين تلك الأشجار الوارفة، كانت تنبثق عينُ ماءٍ صافية باردة تنبض بالحياة كأنها قلبٌ لذلك المكان؛ كنا نشرب منها ونحن نلهث من وطأة الركض واللعب، فنشعر بارتواءٍ يتجاوز العطش الجسدي ويمسّ شيئاً أعمق في الروح. وفي ظلال تلك الأشجار الكريمة، كنا نتقمص أدوار أبطالٍ أكبر منا بكثير، أبطالٍ استعرناهم من قصص قرأناها أو سمعناها. كنا نصير طرزان، نتأرجح بين الأغصان المتشابكة ونطلق صيحات المغامرة المبهجة، وكأن تلك البستان الصغيرة المحاطة بجدران الحارة قد تحوّلت بقدرة الخيال إلى أدغالٍ أفريقية لا أول لها ولا آخر. وأمام سينما هتّى — التي كان يُديرها يوسف إيليا بما تتيحه من نوافذ على عوالم بعيدة — كنا نستحضر الفرسان والأبطال، فيصير عنترة وعمارة الزيادي وغيرهما من شخصيات الملاحم الشعبية أصدقاء جدداً يلعبون معنا في الحارة. كانت تلك اللحظات بسيطة في ظاهرها، بسيطة كشجرةٍ أو كخيط ماء. لكنها في حقيقتها كانت كنوزاً من البراءة التي لا تُقدَّر بثمن. لم نكن نملك الكثير ممّا يملكه أبناء جيلنا اليوم، لكننا كنا نملك ما هو أثمن وأبقى: كنا نملك العالم بأسره في مخيلتنا، نبنيه ونهدمه ونعيد بناءه كلما شئنا. — ✦ — ثانياً: الثلاثي — شي كو كي — ✦ — وفي تلك المرحلة المضيئة من العمر، نشأت صداقةٌ من نوعٍ خاص، صداقةٌ تجمع ثلاثةً لا اثنين، كأن المقادير قرّرت أن تمنح لكل منا نصيبين من الودّ بدلاً من نصيبٍ واحد. تلك الصداقة كانت بيني وبين نعيم حنا رشكّو وأفرام گورگيس شيعا. شيئاً فشيئاً، وبالتراكم الهادئ لأيامٍ متشابهة ولحظاتٍ مشتركة، أصبحنا ثلاثياً لا يكاد يُعرَف بعضنا دون الآخرين. حيثما وُجد أحدنا كان الاثنان الآخران قريبين منه قرب الظل من الجسد؛ نتشارك الطريق إلى المدرسة في الصباح، ونتقاسم اللعب والضحك والأحلام الصغيرة في بقية النهار. وذات يومٍ، خطرت لنا فكرةٌ طريفة تنمّ عن فائض الخيال الطفولي الذي كان يسكننا. قلنا في ما بيننا: لماذا لا نصنع لهذه الصداقة اسماً واحداً يختصرنا ويجمعنا؟ جلسنا نُدير الرأي ونتقليب الأسماء ونتبادل الاقتراحات بين الجدية والضحك المتواصل. كانت أسماء عائلاتنا وألقابنا هي المادة الخام: شيعا، ورشكّو، وزاديكي. وبعد محاولاتٍ كثيرة وضحكاتٍ أكثر، استقر رأي الثلاثة على اسمٍ يبدو غريباً بعض الشيء لكنه بدا لنا يومها عبقرياً ورائعاً: « شِي كو كي » لم يكن ذلك الاسم سوى حروفٍ مختصرة مُركّبة من بدايات ألقابنا، لكنه بالنسبة إلينا كان شيئاً أعظم بكثير: كان رمزاً وعهداً وهويةً مشتركة، كان وشماً خفياً يجمع ثلاثة أطفال قرّروا أن تكون صداقتهم أكبر من مجرد قرب المكان وتقارب السنّ. تخيلنا يومها — بتلك الثقة الساذجة الجميلة التي لا يمتلكها إلا الأطفال — أن ذلك الاسم سيظل يجمعنا إلى الأبد. ومرّت السنون سريعةً كما تمرّ الفصول على الحقول لا تستأذن أحداً. وفي يومٍ لا يزال يحتفظ بألوانه في ذاكرتي، غادر صديقنا نعيم حنا رشكّو إلى ألمانيا حاملاً معه طموحاته وكتبه وشيئاً من الحارة معه. يومها شعرت — وأظن أفرام شعر بالشيء ذاته — أن قطعةً من طفولتنا قد رحلت معه في حقيبته، وأن ثلاثي شي كو كي قد فقد ضلعاً من أضلاعه. ومع ذلك بقي خيط الودّ ممتداً بيننا عبر البحار والقارات، لا تقطعه المسافات الشاسعة ولا يبهته صدأ الزمن. فقد تواصلتُ معه في مناسباتٍ عديدة حتى بعد أن جاوز فراقنا نصف قرنٍ من الزمن — خمسون عاماً تمرّ كلمحة البصر حين يرويها القلب لا العقل. أما صديقنا أفرام گورگيس شيعا، فلم تُتح لنا الحياة بعد ذلك فرصة اللقاء وجهاً لوجه على النحو الذي كنا نلتقي فيه أيام كنا صغاراً. لكن الصوت — ذلك الجسر العجيب بين القلوب المتباعدة — ظلّ يجمعنا عبر الهاتف بين الحين والآخر. وفي تلك المكالمات القصيرة، تمتد الأسلاك الرفيعة لتحمل لا الكلمات وحدها، بل أصداء أيامٍ بعيدة حين كنا ثلاثة أطفال يحلمون بالعالم في زقاقٍ ترابيٍّ ضيق. — ✦ — ثالثاً: دائرة أوسع — رفاق الذاكرة — ✦ — ولم تقتصر صداقات تلك المرحلة المضيئة على الدائرة الضيقة التي ذكرتُها؛ فقد كانت الحياة في تلك الأيام أكرم وأوفر في منحها الرفاق من حياة الكبار. حول ذلك الثلاثي، وحول صداقتي مع بطرس، كانت تتسع دائرةٌ أرحب من الأصدقاء والرفاق الذين تركوا بصماتهم على صفحات تلك المرحلة. فمن بين هؤلاء خالي المرحوم گبرو قرياقس يونو، المعروف بلقبه الحميم لچّي، ذلك الاسم الذي كان يحمل في حروفه القليلة دفأ العلاقة وقرب الروح. وكريم موسى شمو، ونعيم حنا اسطيفو، وكريم چاچو، ويعقوب سليم ججّو، وفؤاد رزقو محبوبي — كلٌّ منهم كان فصلاً قائماً بذاته في رواية الطفولة، كلٌّ منهم ترك لمسةً لا تُمحى في تلك اللوحة الكبيرة التي رسمها الرفاق معاً دون أن يدركوا ذلك يومها. ثم جاءت مرحلةٌ تالية أضافت إلى هذه الدائرة وجوهاً جديدة وصداقاتٍ من طرازٍ آخر؛ وجوهٌ لا تقل حضوراً في الذاكرة عمّا سبقها: بهيج يوسف القس، وريمون عزيز معجون، رجلان يحتلان في ذاكرتي مكانةً خاصة تشبه مكانة الاسم المنقوش على الحجر. وفي الخاتمة — ولكل رواية خاتمتها التي تختم كل شيء بدفء الأقرباء — كانت علاقتي الخاصة بقريبَيَّ العزيزين: عيسى موسى عوري وبهنان ملكي، تلك العلاقة التي تمزج بين دم القرابة وصدق الصداقة وتجعل منهما شيئاً واحداً لا يقبل التفريق. — ✦ — خاتمة — الذاكرة: الغرفة التي لا تُقفل — ✦ — وهكذا تمضي السنون بطيئةً حين تُعاش ومتسارعةً حين تُستعاد، ويبتعد الناس عن بعضهم بفعل الحياة وإلحاحها وأسفارها التي لا تنتظر. لكن شيئاً واحداً يبقى عصياً على الزوال، صامداً في وجه كل موجات الغياب والنسيان: الذكريات. فهي كالغرف المخفية في أعماق القلب، تلك التي يعرف أصحابها وحدهم مفاتيحها؛ نفتح أبوابها بين حينٍ وآخر لا باختيارنا دائماً، فنجد فيها ضحكاتٍ قديمة لا تعرف الصدأ، ووجوهاً مألوفة تبتسم كأن الزمن لم يمسّها، وأياماً كانت تظن أنها ستمضي دون أن تترك أثراً وتركت كل شيء. إن الطفولة ليست مرحلةً تنتهي وتُدفن في أرشيف الماضي؛ إنها كنزٌ حيٌّ يبقى ينبض في أعماق الإنسان، ويطفو على السطح كلما ثقل العمر وازدحم الوجدان. وكلما تقدّمت بنا الأعوام وتراكمت فوق أكتافنا أثقالها، أدركنا بوضوحٍ متزايد أن تلك السنوات الأولى كانت أجمل فصول حياتنا وأصدقها وأنقاها، لأنها كانت مكتوبة بحبر البراءة التي لا تعرف المراوغة، وبصفاء الروح قبل أن تتعلم كيف تختبئ وراء الأقنعة. ولعلّ أجمل ما تمنحنا إيّاه الطفولة في رحلة عمرنا هو تلك القدرة العجيبة الغريبة على الاحتفاظ بالودّ حياً طازجاً، حتى بعد أن تفصل بين القلوب مسافات الأرض وسنوات الزمن الطوال. فالصداقة التي تولد في براءة البدايات، وتُروى بماء اللعب والضحك والأحلام الصغيرة المشتركة، كثيراً ما تبقى أقوى وأصمد من كل ما يأتي بعدها من علاقاتٍ تُبنى على المصالح المحسوبة والمشاعر الموزونة. وهكذا، كلما استعدت تلك الأيام في لحظة صمتٍ وتأمّل، شعرت أن قلبي يعود طفلاً للحظات ثمينة، يمشي في طرقات الحارة القديمة التي يعرف كل حجرٍ في بلاطها ويعرفه، ويركض بين الأشجار في بستان يعقوب لوزي وأخيه مراد، وينادي رفاقه بأسمائهم الأولى تلك الأسماء التي لا يزال يحفظها كأنها آياتٌ من سورة الطفولة... وكأن الزمن، على امتداده وثقله وكل ما فرّق وأبعد، لم يكن في النهاية سوى حلمٍ طويل بين صباحَين من طفولةٍ لا تغيب. — ✦ — يتبع... |
| الساعة الآن 09:49 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke