![]() |
تابع ملحق طفولتنا ٢
اغْتِرَابُ الرُّوحِ وَمَخَاضُ البَقَاءِ
فِي غَمْرَةِ السَّعْيِ الحَثِيثِ نَحْوُ فُرْصَةٍ لِلْعَيْشِ، انْتَصَبَ أَبِي وَعَمِّي «حَنَّا» عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فِي «القَامِشْلِي»، يَبِيعَانِ ثِمَارَ «الجِبْسِ» (البِطِّيخِ الأَحْمَرِ) لِلْمَارَّةِ. كَانَتْ تِلْكَ الأَيَّامُ حَافِلَةً بِالبَرَكَةِ، إِذْ كَلَّلَ اللهُ عَرَقَهُمَا بِالنَّجَاحِ، حَتَّى اسْتَطَاعَ أَبِي أَنْ يَبْتَاعَ غُرْفَةً مِنْ عَائِلَةٍ أَرْمَنِيَّةٍ كَانَتْ تَسْتَعِدُّ لِلرَّحِيلِ إِلَى أَرْمِينِيَا السُّوفْيَاتِيَّةِ ضِمْنَ مَوْجَةِ الهِجْرَةِ الكُبْرَى عَامَ ١٩٤٩م. كَانَتْ تِلْكَ الغُرْفَةُ القَابِعَةُ فِي «حَارَةِ الزُّنُودِ» هِيَ المُلْكَ الأَوَّلَ، وَالشَّاهِدَ عَلَى بَاكُورَةِ الِاسْتِقْرَارِ. وَفِي تِلْكَ الغُرْفَةِ، وَفِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ هُوَ عِيدُ «مَار گَبْرِيئِيل» (السَّادِسُ مِنْ آبَ ١٩٤٩م)، جِئْتُ أَنَا إِلَى هَذَا العَالَمِ. تَقُولُ الرِّوَايَةُ إِنَّ القَابِلَةَ اللُّبْنَانِيَّةَ حِينَ رَأَتْ طَالِعِي السَّعِيدَ قَالَتْ لِأُمِّي: «إِجَا وَجَابْ اسْمُو مَعُو»، تَيَمُّناً بِالقِدِّيسِ گَبْرِيئِيل، لَكِنَّ أُمِّي بِفِطْرَتِهَا أَجَابَتْ: «لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، فَوَالِدُهُ اسْمُهُ گَبْرُو». وَهَكَذَا كُنْتُ مَوْلُودَ الفَرَحِ فِي مَدِينَةِ الغُرْبَةِ الطَّيِّبَةِ. لَمْ تَدُمْ سَكِينَةُ القَامِشْلِي طَوِيلاً؛ إِذْ ظَهَرَ الجَدُّ «إِلْيَاس» فَجْأَةً فِي مَكَانِ عَمَلِ أَبِي، يَبُثُّهُ الرَّجَاءَ بِالعَوْدَةِ إِلَى القَرْيَةِ. كَانَ عَمِّي «حَنَّا» بِحِنْكَتِهِ يَقْرَأُ مَا بَيْنَ السُّطُورِ، فَقَالَ لِأَبِي مُحَذِّراً: «يَا أَخِي، هَذَا أَبُونَا وَأَنْتَ تَعْرِفُ مَعْدَنَهُ، مَا جَاءَ طَلَباً لِقُرْبِنَا، بَلْ لِحَاجَتِهِ لِمَنْ يَخْدُمُهُ». كَانَتْ بَصِيرَةُ العَمِّ صَائِبَةً، فَبَعْدَ زَوَاجِ العَمَّةِ «إِيلِي» مِنْ «مُوسَى بْن يَعْقُوبِهْ غَرِيب»، بَقِيَ الجَدُّ وَحِيداً فِي دَارِهِ بَعْدَ رَحِيلِ زَوْجَتِهِ الأُولَى «فَهِيمَة القَس يُوسُف» (جَدَّتِي الَّتِي غَادَرَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ وِلَادَةِ عَمِّي اسْطِيفُو عَامَ ١٩٣٠م)، وَبَعْدَهَا اقْتَرَنَ بِـ«حَانَة» مِنْ قَرْيَةِ «عَيْن وَرْد»، تِلْكَ المَرْأَةِ الصَّابِرَةِ الَّتِي حَمَلَتْ جِرَاحَ أَيَّامِ «الفَرْمَانِ» وَفَقَدَتْ طِفْلَهَا الأَوَّلَ. عَادَتِ العَائِلَةُ إِلَى «بَرِهْ بَيْت»، وَسُرْعَانَ مَا انْقَشَعَ قِنَاعُ اللُّطْفِ عَنْ وَجْهِ الجَدِّ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ مِنْ «مَرْيَم گِيلَان». بَدَأَ يَخْتَلِقُ الأَعْذَارَ لِيُشْعِلَ نِيرَانَ الخِصَامِ مَعَ أَبِي وَأُمِّي، طَالِباً مِنْهُمَا الرَّحِيلَ لِيَخْلُوَ لَهُ الجَوُّ مَعَ زَوْجَتِهِ الجَدِيدَةِ. وَرَغْمَ فَيْضِ مَالِهِ، طَرَدَهُمَا دُونَ حُطَامٍ يُذْكَرُ. كُنْتُ حِينَذَاك رضِيعاً لَا يَكْفِينِي حَلِيبُ أُمِّي المَكْدُودَةِ، فَاضْطُرَّ أَبِي لِشِرَاءِ بَقَرَةٍ لِأَقْتَاتَ مِنْ ضَرْعِهَا، وَهَبَّ أَهْلُ القَرْيَةِ الكِرَامُ، بِمُبَادَرَةٍ مِنْ المِخْتَارِ «حَنُو گَارِسِي» وَ«مُرَاد گَبْرُو»، لِيَمُدُّوا أَبِي بِبَعْضِ مَؤُونَةِ اللَّبَنِ وَمَوَادِّ البِنَاءِ لِيُقِيمَ غُرْفَةً مُتَوَاضِعَةً تَسْتُرُ عُرْيَ الحَاجَةِ. تَوَالَتِ السَّنَوَاتُ، وَانْتَقَلْنَا إِلَى «دِيرِيك»، حَيْثُ رَحَلَتْ بِنَا المَقَادِيرُ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ، فِي رِحْلَةِ شَتَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ مَرَرْنَا فِيهَا بِدِيَارِ «إِبْرَاهِيم سِيدِكِهْ»، ثُمَّ «مُرَاد لَوْزِهْ»، فَخَالِي «سُلَيْمَان»، وَآخَرِينَ مِنْ ذَوِي القُرْبَى وَالأَصْدِقَاءِ، كَأَنَّمَا كُنَّا نَبْحَثُ عَنْ هُوِيَّةِ المَكَانِ، حَتَّى اسْتَقَرَّ بِنَا المَقَامُ فِي دَارٍ نَمْلِكُهَا فِي «حَارَةِ المَوْتُورِ» الَّتِي صَارَتْ لَاحِقاً «حَارَةَ مَار دُودُو». وَبَعْدَ زَوَاجِي عَامَ ١٩٧٧م، بَدَأْتُ مَلْحَمَةً أُخْرَى مَعَ «جَمْعِيَّةِ المُعَلِّمِينَ السَّكَنِيَّةِ»، انْتَظَرْتُ طَوِيلاً، لَكِنَّ عَقَبَاتِ الأَرْضِ وَالبِنَاءِ حَطَّمَتْ نَوَافِذَ الأَمَلِ، فَآثَرْتُ الِانْسِحَابَ. ابْتَعْنَا أَرْضاً مِنْ «مَرْيَم زِيرُو» وَشَيَّدْنَا عَلَيْهَا بَيْتَنَا المَنْشُودَ، ذَلِكَ المَلَاذَ الَّذِي لَمْ نَهْنَأْ بِهِ طَوِيلاً؛ فَقَدْ نَادَتْنَا رِيَاحُ الغُرْبَةِ نَحْوَ «أَلْمَانِيَا» عَامَ ١٩٨٦م. رَحَلْنَا وَتَرَكْنَا خَلْفَنَا البَيْتَ وَالذِّكْرَيَاتِ، لِيَبِيعَهُ لَنَا لَاحِقاً أَخِي الرَّاحِلُ «جُوزِيف»، بَيْنَمَا بَقِيَتْ تِلْكَ الغُرَفُ تَرْوِي لِلرِّيحِ قِصَّةَ رَجُلٍ بَدَأَ مِنْ عَرصَةِ الشَّارِعِ وَانْتَهَى بِهِ المَطَافُ وراءَ البِحَارِ. |
مِخَاضُ المَوْتِ وَأُعْجُوبَةُ القِيَامَةِ
فِي مَطْلَعِ صِبَايَ، تَرَبَّصَ بِي مَرَضٌ عُضَالٌ نَهَشَ جَسَدِي النَّحِيلَ حَتَّى أَمْسَيْتُ شَبَحاً يَتَرَجَّحُ بَيْنَ الفَنَاءِ وَالبَقَاءِ، وَظَنَّ وَالِدَايَ أَنَّ رُوحِي الصَّغِيرَةَ قَدْ أَزْمَعَتِ الرَّحِيلَ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاءِ. وَفِي غَمْرَةِ اليَأْسِ، هَرَعَتْ أُمِّي لِتَسْتَشِيرَ الخَالَةَ «نَازِهْ» (زَوْجَةَ سَفَر شِيعَا)، فَمَا كَانَ مِنَ الخَالَةِ إِلَّا أَنْ أَشَارَتْ عَلَيْهَا بِبَصِيرَةِ الإِيمَانِ: «اذْهَبِي بِهِ إِلَى البَيْعَةِ (الكَنِيسَةِ) وَأَلْقِيهِ فِي حِمَاهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عُمْرٍ سَيُشْفَى، وَإِنْ نَادَاهُ المَوْتُ، فَمَا نَحْنُ إِلَّا عَابِرُونَ». حَمَلَتْنِي أُمِّي وَهِيَ تَكْفِفُ عَبَرَاتِهَا، تُرَافِقُهَا قَرِيبَتِي «خَاتِهْ» (زَوْجَةُ مَسْعُود مَسِّهْ)، وَانْطَلَقَتَا بِي إِلَى مَوْضِعٍ فِي سَقْفِ البَيْعَةِ يُسَمَّى «المَفِيش»، حَيْثُ كَانَ البَصَلُ المَخْزُونُ يَمْلأُ الأَرْجَاءَ بِرَائِحَتِهِ الوَخِزَةِ. وَبَيْنَمَا النَّحِيبُ يَمْزِقُ صَمْتَ المَكَانِ، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُسْبَانِ؛ إِذْ بَرَزَتْ أَفْعَى مِنْ شُقُوقِ الجُدْرَانِ القَدِيمَةِ، وَمَرَّتْ بِسُكُونٍ مَهِيْبٍ بِجَانِبِ جَسَدِي الهَامِدِ. انْذَعَرَتْ أُمِّي وَارْتَاعَ قَلْبُهَا، لَكِنَّ «خَاتِهْ» هَدَّأَتْ مِنْ رَوْعِهَا قَائِلَةً: «لَا تَخَافِي، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ سَمَاوِيَّةٌ مِنْ حِمَى البَيْعَةِ أَنَّ طِفْلَكِ سَيَعُودُ إِلَى الحَيَاةِ». بَقِيَتَا مَعِي فِي تِلْكَ العُلِّيَّةِ المُقَدَّسَةِ لِكَنِيسَةِ العَذْرَاءِ فِي «بَرِهْ بَيْت» حَتَّى بَزَغَ خَيْطُ الفَجْرِ، وَإِذَا بِأُعْجُوبَةٍ تَتَجَلَّى؛ فَقَدْ رَدَّ اللهُ إِلَيَّ رُوحِي، وَبَدَأْتُ أَتَحَرَّكُ وَأَلْعَبُ كَأَنَّ لَمْ يَمَسَّنِي سُوءٌ. مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَفَعَتْ أُمِّي عَهْداً مُقَدَّساً لِلْعَذْرَاءِ، أَنْ تُقَدِّمَ نَذْراً سَنَوِيّاً شُكْراً لِهَذِهِ النَّجَاةِ، وَصَارَتْ تَذْبَحُ الدَّجَاجَ كُلَّ عَامٍ وَتُوَزِّعُهُ عَلَى فُقَرَاءِ القَرْيَةِ، وَفَاءً لِعَهْدِ الصِّدْقِ. تَمُرُّ الأَيَّامُ، وَيَطْرُقُ الفَقْرُ بَابَ أَبِي بِقَسْوَةٍ، وَيَتَفَشَّى مَرَضُ الدَّجَاجِ الفَتَّاكُ (الإِيش) فِي أَرْجَاءِ القَرْيَةِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِأُمِّي إِلَّا القَلِيلُ. ظَنَّتِ الأُمُّ فِي ضِيقهَا أَنَّ العَذْرَاءَ سَتَعْذُرُ عَجْزَهَا، فَأَغْفَلَتِ النَّذْرَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ العَجْفَاءِ. لَكِنَّ الرُّؤَى السَّمَاوِيَّةَ جَاءَتْ تَتْرَى؛ فَفِي اللَّيْلَةِ الأُولَى رَأَتِ العَذْرَاءَ تُذَكِّرُهَا بِعَهْدِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ كَرَّرَتِ التَّنْبِيهَ، وَأُمِّي تَحْسَبُهُ مُجَرَّدَ حُلْمٍ عَابِرٍ. وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، تَجَلَّتِ السَّيِّدَةُ العَذْرَاءُ بِمَهَابَةٍ غَاضِبَةٍ، وَأَلْقَتْ فِي رَوْعِ أُمِّي وَعِيداً زَلْزَلَ كَيَانَهَا: «إِنْ لَمْ تَفِي بِالنَّذْرِ، فَإِنِّي سَآخُذُ مِنْ بَيْتِكِ كَبِيرَهُ!». اسْتَيْقَظَتْ أُمِّي مَذْعُورَةً، وَقَصَّتْ عَلَى أَبِي مَا رَأَتْ، فَأَدْرَكَ أَنَّ الأَمْرَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ. رَغْمَ الحَاجَةِ وَقِلَّةِ الزَّادِ، لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمَا سِوَى دِيكٍ وَاحِدٍ وَبَعْضُ دَجَاجَاتٍ، فَقَامَ أَبِي بِذَبْحِ الدِّيكِ فَوْراً، بَارّاً بِيَمِينِ زَوْجَتِهِ، وَفَاءً لِذَلِكَ العَهْدِ القَدِيمِ. وَظَلَّ هَذَا النَّذْرُ دَيْناً فِي عُنُقِ أُمِّي حَتَّى بَلَغْتُ مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَتَزَوَّجْتُ، فَقُمْتُ أَنَا بِأَدَاءِ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ لِمَرَّةٍ أَخِيرَةٍ، لِيُخْتَمَ بِذَلِكَ سِجِلُّ نَذْرٍ عَمَّرَ لِعُقُودٍ، شَاهِداً عَلَى قِصَّةِ طِفْلٍ صَارَ شَاعِراً بِفَضْلِ عِنَايَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَمْ تَخْذُلْهُ يَوْماً. |
| الساعة الآن 11:37 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke