Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   الاِتِّساقُ بَيْنَ القاعِدَةِ وَالفِعْلِ: تَأَمُّلٌ مَنْطِقِيٌّ وَتارِيخِيٌّ بِقَلَم (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51575)

fouadzadieke 29-03-2026 01:23 PM

الاِتِّساقُ بَيْنَ القاعِدَةِ وَالفِعْلِ: تَأَمُّلٌ مَنْطِقِيٌّ وَتارِيخِيٌّ بِقَلَم
 
الاِتِّساقُ بَيْنَ القاعِدَةِ وَالفِعْلِ: تَأَمُّلٌ مَنْطِقِيٌّ وَتارِيخِيٌّ

بِقَلَمِ: فُؤادٍ زادِيكِي

فِي رِحابِ التَّأَمُّلِ البَشَرِيِّ، يُطْرَحُ سُؤالٌ مَنْطِقِيٌّ بَلِيغٌ: ماذا يُمْكِنُ أَنْ يُقالَ عَنْ شَخْصٍ يَضَعُ قاعِدَةً عامَّةً، ثُمَّ يُخالِفُها هُوَ نَفْسُهُ؟ المَنْطِقُ البَحْتُ يُجِيبُ بِأَنَّ هٰذا يَخْلُقُ اِزْدِواجِيَّةً فِي المَعَايِيرِ وَيُضْعِفُ مِصْداقِيَّةَ القائِلِ أَمامَ النّاسِ، لِأَنَّ الاِتِّساقَ بَيْنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ يُعَدُّ حَجَرَ الزّاوِيَةِ لِأَيِّ حُجَّةٍ سَلِيمَةٍ أَوْ تَأْثِيرٍ اِجْتِماعِيٍّ فَعّالٍ.

وَقَدْ نَجِدُ فِي التّارِيخِ مِثالًا بارِزًا عَلى هٰذِهِ المَسْأَلَةِ: فَقَدْ جاءَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِرِسالَةٍ تَتَضَمَّنُ قاعِدَةً عامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ الزَّواجُ مِنْ أَرْبَعِ نِساءٍ كَحَدٍّ أَقْصَى. "فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنىٰ وَثُلاثَ وَرُباعَ..." سُورَةُ النِّساءِ – الآيَةُ 3، هٰذِهِ قاعِدَةٌ واضِحَةٌ لِلْعُمُومِ، وَيُتَوَقَّعُ مِنَ القائِلِ بِها أَنْ يَلْتَزِمَ بِها لِنَفْسِهِ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ أَنْ يُوَضِّحَ اِسْتِثْناءَهُ الخاصَّ بِطَرِيقَةٍ تُكْسِبُ النّاسَ مِصْداقِيَّتَهُ وَتُبَيِّنُ أَنَّ القاعِدَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً عَلى شَخْصِهِ وَحْدِهُ.

لٰكِنَّ الواقِعَ التّارِيخِيَّ يُشِيرُ إِلى أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَدَدًا تَجاوَزَ الحَدَّ المَذْكُورَ بِكَثِيرٍ، حَيْثُ كانَ لَهُ عِنْدَ وَفاتِهِ رَسْمِيًّا إِحْدىٰ عَشْرَةَ زَوْجَةً، وَالمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُنَّ كُنَّ تِسْعَ نِساءٍ، مِمّا يَخْلُقُ نَوْعًا مِنَ التَّناقُضِ الظّاهِرِ: قاعِدَةٌ عامَّةٌ لِلنّاسِ، وَاسْتِثْناءٌ خاصٌّ لِلْقائِدِ. وَمِنَ المَنْظُورِ المَنْطِقِيِّ البَحْتِ، فَإِنَّ هٰذا يُثِيرُ تَساؤُلاتٍ حَوْلَ الاِتِّساقِ بَيْنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ، وَيَجْعَلُ الاِنْطِباعَ العامَّ عَنْ مِصْداقِيَّتِهِ أَقَلَّ ثَباتًا، وَيَضَعُ القاعِدَةَ نَفْسَها فِي مَوْضِعِ نِقاشٍ حَوْلَ مَدىٰ شُمُولِيَّتِها.
وَلا يَعْنِي هٰذا التَّحْلِيلُ تَبْرِيرًا أَوْ حُكْمًا دِينِيًّا، بَلْ هُوَ قِراءَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ لِلْمَنْطِقِ: إِذا وُضِعَتْ قاعِدَةٌ لِلْعُمُومِ وَخُولِفَتْ، فَإِنَّ الاِتِّساقَ بَيْنَ ما يُقالُ وَما يُفْعَلُ يُصْبِحُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَيَبْرُزُ الفارِقَ بَيْنَ المَبْدَأِ العامِّ وَالتَّطْبِيقِ الفَرْدِيِّ. هُنا يَظْهَرُ دَرْسٌ مُهِمٌّ: القَوْلُ لِلآخَرِينَ يَفْرِضُ اِلْتِزامًا داخِلِيًّا أَوْ وُضُوحًا بِشَأْنِ الاِسْتِثْناءِ، وَإِلّا ظَهَرَ القائِلُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ مُتَّسِقَةٍ أَمامَ أَعْيُنِ النّاسِ.

وَفِي النِّهايَةِ، يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلى هٰذِهِ الحالَةِ عَلى مُسْتَوَيَيْنِ: الأَوَّلُ مَنْطِقِيٌّ بَحْتٌ يُرَكِّزُ عَلى الاِتِّساقِ بَيْنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ، وَالثّانِي سِياقِيٌّ تارِيخِيٌّ وَدِينِيٌّ يُفَسِّرُ الاِسْتِثْناءَ الخاصَّ بِالقائِدِ. لٰكِنَّ المَنْطِقَ يَبْقىٰ قائِمًا: بَيْنَ المَبْدَأِ وَما يَفْعَلُهُ القائِدُ لِنَفْسِهِ يَكْمُنُ دَرْسٌ خالِدٌ فِي فَهْمِ العَلاقَةِ بَيْنَ المَبادِئِ العامَّةِ وَالسُّلُوكِ الفَرْدِيِّ، وَبَيْنَ القَوْلِ الَّذِي يُنادَىٰ بِهِ وَالواقِعِ الَّذِي يُعاشُ.


الساعة الآن 11:43 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke