![]() |
إِشْكَالِيَّةُ العَدَالَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَدَوْرِ الكَنِيسَةِ فِي العَالَمِ المُ
إِشْكَالِيَّةُ العَدَالَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَدَوْرِ الكَنِيسَةِ فِي العَالَمِ المُعَاصِر
تَتَصَدَّرُ مَسْأَلَةُ العَدَالَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَدَوْرِ الكَنِيسَةِ فِي الفَضَاءِ العَامِّ مَوقِعًا مِحْوَرِيًّا فِي سِيَاقِ الأَسْئِلَةِ المَسِيحِيَّةِ المُعَاصِرَةِ، إِذْ لَمْ يَعُدِ الإِيمَانُ يُنْظَرُ إِلَيْهِ بِوَصْفِهِ تَجْرِبَةً رُوحِيَّةً مَحْضَةً مُنْفَصِلَةً عَنِ الوَاقِعِ، بَلْ أَصْبَحَ مَطْلُوبًا مِنْهُ أَنْ يُحَدِّدَ مَوْقِعَهُ مِنْ قَضَايَا الإِنسَانِ المُعَاصِرِ، مِنْ فَقْرٍ وَظُلْمٍ وَحُرُوبٍ وَهَجَرَاتٍ وَأَزْمَاتٍ بِيئِيَّةٍ مُتَفَاقِمَةٍ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ السُّؤَالَ لَا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِمَا إِذَا كَانَتِ الكَنِيسَةُ مَدْعُوَّةً لِلتَّدَخُّلِ فِي هٰذِهِ القَضَايَا، بَلْ بِكَيْفِيَّةِ هٰذَا التَّدَخُّلِ وَحُدُودِهِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ. إِنَّ التَّقْلِيدَ الكَاثُولِيكِيَّ قَدْ طَوَّرَ، خُصُوصًا مُنْذُ القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، مَا يُعْرَفُ بِـ«التَّعْلِيمِ الاِجْتِمَاعِيِّ لِلكَنِيسَةِ»، الَّذِي يَجِدُ أُسُسَهُ فِي وَثَائِقَ مِحْوَرِيَّةٍ صَادِرَةٍ عَنِ الحَبْرِيَّةِ، وَالَّتِي تَتَوَّجُ فِي خِطَابِ البابا فرنسيس، خُصُوصًا فِي دَعْوَاتِهِ المُتَكَرِّرَةِ إِلَى الاِهْتِمَامِ بِالفُقَرَاءِ وَحِمَايَةِ الخَلِيقَةِ وَمُوَاجَهَةِ الاِقْتِصَادِ المُتَوَحِّشِ. وَيَقُومُ هٰذَا التَّوَجُّهُ عَلَى فِكْرَةٍ أَسَاسِيَّةٍ، مُؤَدَّاهَا أَنَّ الإِيمَانَ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِتَجَسُّدِهِ فِي العَمَلِ، وَأَنَّ الكَنِيسَةَ، بِوَصْفِهَا جَسَدًا حَيًّا، مَدْعُوَّةٌ لِتَكُونَ حَاضِرَةً فِي قَلْبِ المُعَانَاةِ الإِنسَانِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا المَوْقِفَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قُوَّتِهِ الأَخْلَاقِيَّةِ، يَتَعَرَّضُ لِنَقْدٍ مُتَعَلِّقٍ بِحُدُودِ التَّدَاخُلِ بَيْنَ الدِّينِ وَالسِّيَاسَةِ، إِذْ يُثَارُ التَّسَاؤُلُ حَوْلَ مَا إِذَا كَانَتِ الكَنِيسَةُ تَخَاطِرُ بِفَقْدَانِ طَابِعِهَا الرُّوحِيِّ عِنْدَمَا تَنْخَرِطُ فِي صِرَاعَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ. وَفِي السِّيَاقِ الأُرْثُوذُكْسِيِّ، يَبْدُو التَّرْكِيزُ أَكْثَرَ مَيْلًا إِلَى البُعْدِ الرُّوحِيِّ وَاللِّيتُورْجِيِّ، حَيْثُ تُفْهَمُ العَدَالَةُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ لَا كَمَشْرُوعٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ كَثَمَرَةٍ لِتَحَوُّلِ الإِنسَانِ دَاخِلِيًّا. وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، يُؤَكِّدُ لَاهُوتِيُّونَ مِثْلُ يوحنا زيزولاس أَنَّ مَشْكِلَةَ العَالَمِ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي بُنْيَاتِهِ الاِقْتِصَادِيَّةِ أَوِ السِّيَاسِيَّةِ، بَلْ فِي أَزْمَةِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنسَانِ وَاللهِ، وَبَيْنَ الإِنسَانِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ إِصْلَاحَ العَالَمِ يَمُرُّ، فِي المَنْظُورِ الأُرْثُوذُكْسِيِّ، عَبْرَ إِعَادَةِ تَشْكِيلِ الإِنسَانِ نَفْسِهِ. إِلَّا أَنَّ هٰذَا التَّوَجُّهَ يُوَاجِهُ نَقْدًا يَرَى فِيهِ نَوْعًا مِنَ الاِنْسِحَابِ مِنَ الوَاقِعِ، أَوِ الاِكْتِفَاءِ بِمُعَالَجَةِ الأَعْرَاضِ الرُّوحِيَّةِ دُونَ التَّعَرُّضِ لِلْأَسْبَابِ البِنْيَوِيَّةِ لِلظُّلْمِ. أَمَّا فِي البُرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، فَإِنَّ الصُّورَةَ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا، حَيْثُ يَتَرَاوَحُ المَوْقِفُ بَيْنَ اتِّجَاهٍ يُؤَكِّدُ عَلَى النَّشَاطِ الاِجْتِمَاعِيِّ كَجُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الشَّهَادَةِ المَسِيحِيَّةِ، وَآخَرَ يَحْذَرُ مِنَ تَسْيِيسِ الإِيمَانِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى أَدَاةٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ. وَقَدْ بَلَغَ هٰذَا التَّوَتُّرُ ذِرْوَتَهُ فِي ظُهُورِ «لَاهُوتِ التَّحْرِيرِ» فِي أَمْرِيكَا اللَّاتِينِيَّةِ، الَّذِي ارْتَبَطَ بِأَسْمَاءٍ مِثْلُ غوستافو غوتييريز، وَالَّذِي دَعَا إِلَى قِرَاءَةِ الإِنْجِيلِ مِنْ مَنْظُورِ الفُقَرَاءِ وَالمَظْلُومِينَ، وَإِلَى الاِنْخِرَاطِ الفِعْلِيِّ فِي تَغْيِيرِ البِنَى الاِجْتِمَاعِيَّةِ. وَمَعَ أَنَّ هٰذَا التَّيَّارَ قَدَّمَ نَمُوذَجًا قَوِيًّا لِتَجْسِيدِ الإِيمَانِ فِي الوَاقِعِ، فَإِنَّهُ وُوجِهَ بِانْتِقَادَاتٍ حَادَّةٍ، خُصُوصًا بِسَبَبِ تَقَاطُعِهِ مَعَ بَعْضِ المَقُولَاتِ المَارْكْسِيَّةِ، مِمَّا أَثَارَ مَخَاوِفَ مِنْ تَحْوِيلِ المَسِيحِيَّةِ إِلَى خِطَابٍ سِيَاسِيٍّ ذِي طَابِعٍ صِرَاعِيٍّ. إِنَّ هٰذَا التَّنَوُّعَ فِي المَوَاقِفِ يَكْشِفُ عَنْ إِشْكَالِيَّةٍ جَوْهَرِيَّةٍ، تَتَمَثَّلُ فِي تَحْدِيدِ العَلَاقَةِ بَيْنَ «المَلَكُوتِ» وَ«العَالَمِ»: هَلْ المَلَكُوتُ حَقِيقَةٌ رُوحِيَّةٌ مُتَعَالِيَةٌ لَا تَتَجَسَّدُ كَامِلًا فِي التَّارِيخِ، أَمْ أَنَّهُ مَدْعُوٌّ لِلظُّهُورِ تَدْرِيجِيًّا مِنْ خِلَالِ تَحْقِيقِ العَدَالَةِ فِي الوَاقِعِ؟ وَهَلْ تُعَدُّ الكَنِيسَةُ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ عَلَى هٰذَا المَلَكُوتِ، أَمْ فَاعِلًا فِي بِنَائِهِ؟ فِي العَالَمِ المُعَاصِرِ، تَتَعَقَّدُ هٰذِهِ الإِشْكَالِيَّةُ أَكْثَرَ مَعَ تَشَابُكِ القَضَايَا العَالَمِيَّةِ، كَالهِجْرَةِ وَالتَّغَيُّرِ المُنَاخِيِّ وَالفَجْوَةِ الاِقْتِصَادِيَّةِ، حَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنَ الكَنِيسَةِ أَنْ تَتَّخِذَ مَوَاقِفَ وَاضِحَةً. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّوَقُّعَ يَضَعُهَا أَمَامَ مَأْزِقٍ مُزْدَوِجٍ: فَإِنِ انْخَرَطَتْ بِقُوَّةٍ، خَاطَرَتْ بِالتَّسْيِيسِ وَفَقْدَانِ حِيَادِهَا الرُّوحِيِّ، وَإِنِ انْسَحَبَتْ، وُجِّهَتْ إِلَيْهَا تُهْمَةُ اللَّامُبَالَاةِ وَالعَجْزِ عَنْ مُوَاكَبَةِ العَصْرِ. وَمِنْ زَاوِيَةٍ نَقْدِيَّةٍ أَعْمَقَ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ جُذُورَ الإِشْكَالِ تَكْمُنُ فِي التَّوَتُّرِ بَيْنَ الطَّابِعِ المُطْلَقِ لِلْقِيَمِ الدِّينِيَّةِ وَالطَّابِعِ النِّسْبِيِّ لِلتَّطْبِيقَاتِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ. فَالعَدَالَةُ، بِوَصْفِهَا قِيمَةً إِلَهِيَّةً، تَبْدُو مُطْلَقَةً، لَكِنَّ تَحْقِيقَهَا فِي الوَاقِعِ يَخْضَعُ لِتَعْقِيدَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ حَسْمُهَا بِخِطَابٍ لَاهُوتِيٍّ مَجَرَّدٍ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ أَيَّ مَحَاوَلَةٍ لِتَجْسِيدِ هٰذِهِ القِيَمِ سَتَظَلُّ عُرْضَةً لِلنَّقْدِ وَالاِخْتِلَافِ. وَعَلَى هٰذَا الأَسَاسِ، يَبْقَى السُّؤَالُ الجَوْهَرِيُّ مَفْتُوحًا: هَلْ يُمْكِنُ لِلكَنِيسَةِ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى طَابِعِهَا الرُّوحِيِّ وَهِيَ تَنْخَرِطُ فِي العَالَمِ، أَمْ أَنَّ هٰذَا الاِنْخِرَاطَ سَيُعِيدُ تَشْكِيلَ هُوِيَّتِهَا بِطَرِيقَةٍ جِذْرِيَّةٍ؟ وَهَلْ يَكْمُنُ حَلُّ الإِشْكَالِ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ البُعْدَيْنِ، أَمْ فِي إِعَادَةِ تَعْرِيفِ أَحَدِهِمَا فِي ضَوْءِ الآخَرِ؟ إِنَّ الإِجَابَةَ عَنْ هٰذِهِ الأَسْئِلَةِ لَا تَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِمُسْتَقْبَلِ الدَّوْرِ الاِجْتِمَاعِيِّ لِلكَنِيسَةِ، بَلْ بِمَاهِيَّةِ الإِيمَانِ نَفْسِهِ: هَلْ هُوَ انْسِحَابٌ نَحْوَ المُطْلَقِ، أَمِ انْخِرَاطٌ فِي النِّسْبِيِّ؟ أَمْ هُوَ تَوَتُّرٌ دَائِمٌ بَيْنَهُمَا لَا يُمْكِنُ حَسْمُهُ، بَلْ يَجِبُ العَيْشُ فِيهِ؟ |
| الساعة الآن 08:30 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke