![]() |
«هَلْ يَتَعَلَّمُ الإِنْسانُ الحُبَّ مِنَ الحُبِّ؟» تَأَمُّلٌ في أُصُولِ العَلاقَةِ
«هَلْ يَتَعَلَّمُ الإِنْسانُ الحُبَّ مِنَ الحُبِّ؟»
تَأَمُّلٌ في أُصُولِ العَلاقَةِ الإِنْسانِيَّةِ فُؤاد زاديكي ليستِ القُدْرَةُ عَلَى الحُبِّ أَمْرًا طارِئًا عَلَى الإِنْسانِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ أَصيلٌ مِنْ بِنْيَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَالوُجودِيَّةِ. فَمُنْذُ اللَّحَظاتِ الأُولى لِلوِلادَةِ، يَبْدَأُ الإِنْسانُ بِالبَحْثِ عَنِ القُرْبِ وَالأَمانِ وَالاسْتِجابَةِ العاطِفِيَّةِ. وَكَأَنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ مَفْطُورَةٌ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي أَنْ تُرَى وَتُفْهَمَ وَتُحْتَوى. غَيْرَ أَنَّ الحُبَّ، وَإِنْ كانَ قابِلِيَّةً فِطْرِيَّةً، لا يَتَشَكَّلُ فِي الفَراغِ. فَالإِنْسانُ لا يَتَعَلَّمُ الحُبَّ بِالمَفاهيمِ المُجَرَّدَةِ وَحْدَها، بَلْ يَتَعَلَّمُهُ مِنْ خِلالِ التَّجْرِبَةِ وَالمُعايَشَةِ. وَكَما أَنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى الكَلامِ، لَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ النُّطْقَ إِلَّا إِذا سَمِعَ اللُّغَةَ وَعاشَها، فَكَذَلِكَ الحُبُّ: إِمْكانٌ فِطْرِيٌّ يَحْتاجُ إِلَى بِيئَةٍ إِنْسانِيَّةٍ تُفَعِّلُهُ وَتُعَلِّمُهُ لُغَتَهُ. فَالإِنْسانُ الَّذِي يَنْشَأُ فِي بِيئَةٍ يَجِدُ فِيها الحَنانَ وَالإِنْصاتَ وَالتَّقَبُّلَ، يَتَعَلَّمُ ضِمْنِيًّا أَنَّ العَلاقَةَ مُمْكِنَةٌ، وَأَنَّ الآخَرَ لَيْسَ مَصْدَرَ تَهْدِيدٍ دائِمٍ. وَمِنْ خِلالِ هَذِهِ التَّجارِبِ المُبَكِّرَةِ، يَبْنِي الإِنْسانُ فَهْمَهُ لِنَفْسِهِ وَلِلآخَرينَ: هَلْ أَنا جَديرٌ بِالحُبِّ؟ وَهَلِ العالَمُ مَكانٌ يُمْكِنُ الوُثوقُ بِهِ؟ أَمَّا مَنْ يَعِيشُ الحِرْمانَ العاطِفِيَّ أَوِ الإِهْمالَ أَوِ القَسْوَةَ، فَإِنَّهُ لا يَفْقِدُ القُدْرَةَ عَلَى الحُبِّ بِالضَّرورَةِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَفْقِدُ الإِحْساسَ بِأَمانِهِ. وَهُنا تَظْهَرُ المُفارَقَةُ المُؤْلِمَةُ: فَبَعْضُ النّاسِ يَشْتاقونَ إِلَى الحُبِّ بِعُمْقٍ، لَكِنَّهُمْ يَخافونَ الاقْتِرابَ مِنْهُ، لأَنَّ التَّجارِبَ السّابِقَةَ عَلَّمَتْهُمْ أَنَّ القُرْبَ قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا لِلأَلَمِ أَوِ الخَيْبَةِ. وَمِنْ هُنا يُمْكِنُ فَهْمُ المَقُولَةِ الشّائِعَةِ: «مَنْ لَمْ يَذُقِ الحُبَّ لا يَعْرِفْ كَيْفَ يُحِبُّ». فَهِيَ لَيْسَتْ حُكْمًا مُطْلَقًا، وَلَكِنَّها تُشيرُ إِلَى حَقيقَةٍ نَفْسِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: أَنَّ الإِنْسانَ يَتَعَلَّمُ الحُبَّ، فِي الغالِبِ، مِنْ خِلالِ أَنْ يُعامَلَ بِحُبٍّ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَالإِنْسانُ لَيْسَ أَسيرَ ماضِيهِ بِالكامِلِ. فَالنَّفْسُ البَشَرِيَّةُ تَمْلِكُ قُدْرَةً هائِلَةً عَلَى إِعادَةِ التَّشَكُّلِ وَالتَّعَلُّمِ. وَقَدْ يَجِدُ الإِنْسانُ فِي صَداقَةٍ صادِقَةٍ، أَوْ عَلاقَةٍ آمِنَةٍ، أَوْ تَجْرِبَةِ تَقَبُّلٍ حَقِيقِيَّةٍ، بِدايَةً جَديدَةً لِفَهْمِ الحُبِّ وَمُمارَسَتِهِ. بَلْ إِنَّ بَعْضَ الَّذِينَ عانَوْا الحِرْمانَ العاطِفِيَّ يُصْبِحونَ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى التَّعاطُفِ، لأَنَّهُمْ يَعْرِفونَ مِنَ الدّاخِلِ مَعْنى الفَقْدِ وَالحاجَةِ الإِنْسانِيَّةِ إِلَى الاحْتِواءِ. إِنَّ الحُبَّ، فِي جَوْهَرِهِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ عاطِفَةٍ عابِرَةٍ، بَلْ هُوَ طَريقَةٌ فِي رُؤْيَةِ الإِنْسانِ لِنَفْسِهِ وَلِلآخَرينَ. وَكُلَّما عاشَ الإِنْسانُ تَجارِبَ إِنْسانِيَّةً صِحِّيَّةً، أَصْبَحَ أَقْدَرَ عَلَى العَطاءِ وَالثِّقَةِ وَالتَّواصُلِ. وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ الحُبَّ لا يُولَدُ مِنَ الفِكْرِ وَحْدَهُ، بَلْ مِنَ الخِبْرَةِ الإِنْسانِيَّةِ الَّتِي تُعَلِّمُ القَلْبَ كَيْفَ يَنْفَتِحُ دُونَ خَوْفٍ، وَكَيْفَ يَبْقَى إِنْسانًا رَغْمَ ما عَرَفَهُ مِنْ أَلَمٍ. |
| الساعة الآن 05:29 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke