Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   لَهِيبُ الشَّوْقِ وَسُنَنُ الِاسْتِعَارِ (٥) بقلم: فؤاد زاديكي لَيْسَ الشَّوْقُ مَجَ (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51781)

fouadzadieke 04-08-2026 05:30 PM

لَهِيبُ الشَّوْقِ وَسُنَنُ الِاسْتِعَارِ (٥) بقلم: فؤاد زاديكي لَيْسَ الشَّوْقُ مَجَ
 
لَهِيبُ الشَّوْقِ وَسُنَنُ الِاسْتِعَارِ
(٥)
بقلم: فؤاد زاديكي

لَيْسَ الشَّوْقُ مَجَرَّدَ عَاطِفَةٍ عَابِرَةٍ تَسْتَبِدُّ بِالْوِجْدَانِ فِي لَحَظَاتِ الِانْفِرَادِ، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ وَجَذْوَةٌ مُقَدَّسَةٌ مَغْرُوسَةٌ فِي عُمْقِ السَّرِيرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَإِنَّهُ ذَلِكَ اللَّهِيبُ دَائِمُ الِاسْتِعَارِ، الَّذِي لَا يَمُوتُ شَرَارُهُ وَلَا يَخْبُو ضِرَامُهُ، لِأَنَّهُ نَابِعٌ مِنْ حَاجَةِ الرُّوحِ الْأَزَلِيَّةِ إِلَى الِاكْتِمَالِ، وَسَعْيِهَا الدَّائِبِ نَحْوَ مَا طَمَحَتْ إِلَيْهِ مِنْ كَمَالٍ وَجَمَالٍ، حَيْثُ يَتَجَلَّى هَذَا الشَّوْقُ كَقُوَّةٍ دَافِعَةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْبَشَرِيَّةِ الضَّيِّقَةِ، فَالْقَلْبُ الَّذِي يَعْرِفُ الِاسْتِعَارَ الصَّادِقَ هُوَ قَلْبٌ يَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ، إِذْ إِنَّ خُمُودَ الشَّوْقِ لَيْسَ إِلَّا شَبَهَ مَوْتٍ يَتَسَرَّبُ إِلَى النَّفْسِ فَيُطْفِئُ فِيهَا وَهَجَ الطَّمُوحِ وَبَهَاءَ التَّطَلُّعِ. وَإِنَّ هَذَا الِاسْتِعَارَ هُوَ طَبِيعَةُ النَّارِ الْحَيَّةِ، الَّتِي كُلَّمَا ظَنَنْتَ أَنَّهَا اعْتَرَاهَا صَمْتُ الرَّمَادِ، هَبَّتْ عَلَيْهَا رِيَاحُ الذِّكْرَى وَالْمَعْرِفَةِ فَبَعَثَتْهَا مِنْ جَدِيدٍ، فَلَا يَتَغَذَّى عَلَى الْقُرْبِ الْمَادِّيِّ فَحَسْبُ، بَلْ يَعِيشُ عَلَى الْفِكْرَةِ وَالْمَبْدَأِ وَالْأَثَرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ شَوْقًا مَعْنَوِيًّا يَتَطَلَّعُ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْغَائِبَةِ وَالْبَحْثِ عَنِ الْمَعْنَى فِي عَالَمٍ يَمْتَلِئُ بِالْعَابِرَاتِ، أَمْ شَوْقًا رُوحِيًّا يُسَافِرُ بِالنَّفْسِ دَوَّامًا نَحْوَ مَنَابِعِ الْإِلْهَامِ وَالْأَصَالَةِ، حَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ لَهَا قَرَارٌ إِلَّا بِالْوُصُولِ إِلَى جَوْهَرِ كِيَانِهَا. وَحِينَمَا نَنْتَقِلُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ مِنْ سَمَاءِ التَّأَمُّلِ الْأَدَبِيِّ إِلَى أَرْضِ الْمُمَارَسَةِ الْعَمَلِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ لَهِيبَ الشَّوْقِ هُوَ الْمُحَرِّكُ الْأَوَّلُ لِكُلِّ إِعْمَارٍ وَإِبْدَاعٍ، فَالْبَاحِثُ أَوِ الْمُؤَرِّخُ الَّذِي لَا يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ لَهِيبًا دَائِماً لِلْكَشْفِ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَتَوْثِيقِ التَّارِيخِ، لَنْ يَسْتَطِيعَ الصَّمُودَ أَمَامَ مَشَاقِّ الْبَحْثِ وَأَعْبَاءِ التَّنْقِيبِ، إِذْ يَجْعَلُ الشَّوْقُ لِلْمَعْرِفَةِ السَّهَرَ عِبَادَةً وَالتَّعَبَ لَذَّةً، كَمَا أَنَّهُ فِي عَالَمِ الْأَدَبِ وَالْفَنِّ لَا يُولَدُ النَّصُّ الْخَالِدُ إِلَّا مِنْ رَحِمِ احْتِرَاقٍ دَاخِلِيٍّ، فَكُلُّ قَصِيدَةٍ شَامِخَةٍ أَوْ عَمَلٍ أَدَبِيٍّ رَفِيعٍ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ زَفْرَةٌ مِنْ زَفَرَاتِ ذَلِكَ الشَّوْقِ الْمُسْتَعِرِ، الَّذِي يَرْفُضُ الِاكْتِفَاءَ بِالْمَأْلُوفِ وَيَسْعَى لِتَخْلِيدِ الْأَثَرِ، أَمَّا عَلَى صَعِيدِ السَّعْيِ النَّفْسِيِّ وَالْمَهَنِيِّ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَخْبُو شَوْقُهُ إِلَى التَّطَوُّرِ يَقَعُ صَرِيعَ الرُّتُوبَةِ وَالْخُمُولِ، بَيْنَمَا مَنْ كَانَ فُؤَادُهُ شُعْلَةً مُتَّقِدَةً مِنَ الطَّمُوحِ، فَإِنَّهُ يَرَى فِي كُلِّ عَقَبَةٍ تَحَدِّيًا، وَفِي كُلِّ نَجَاحٍ مَحَطَّةً لِانْطِلَاقَةٍ أَعْظَمَ. وَإِنَّ الْعَقْلَ الرَّاجِحَ وَالرُّوحَ الْمُلْهَمَةَ هُمَا اللَّذَانِ يَعْرِفَانِ كَيْفَ يُحَوِّلَانِ هَذَا اللَّهِيبَ الْمُسْتَعِرَ مِنْ حَرِيقٍ يَلْتَهِمُ النَّفْسَ إِلَى نُورٍ يُضِيءُ دَرْبَ الْآخَرِينَ، فَهُوَ شَوْقُ الْإِنْسَانِ الْعَظِيمِ إِلَى أَنْ يَتْرُكَ فِي جِدَارِ هَذَا الْعَالَمِ أَثَرًا لَا تَمْحُوهُ الْأَيَّامُ، وَبَصْمَةً تَشْهَدُ بِأَنَّهُ مَرَّ مِنْ هُنَا، وَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ قَلْبًا تَنَفَّسَ الشَّوْقَ وَصَنَعَ الْحَيَاةَ.


الساعة الآن 05:14 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke