![]() |
طالعتُ هذا الصباح منشورًا للسيد دلدار بدرخان وهو يتحدّث فيه عن الكرد والمواطنة السوري
طالعتُ هذا الصباح منشورًا للسيد دلدار بدرخان وهو يتحدّث فيه عن الكرد والمواطنة السورية وندرًا لما ورد فيه من نقاط لا تخدم المواطنة السورية ككلّ إذ تنطلق من منطلق أحاديّ رأيت أن اقوم بالرد على منشوره كسوريّ سريانيّ وهذا هو ردّي على مضمون منشوره:
أنا فؤاد زاديكي، سرياني سوري، وأقول هذا الكلام من موقع إنسان ينتمي إلى مكوّن عانى هو الآخر من التهميش ومحاولات طمس الهوية، ولذلك فأنا أكثر من يتفهّم حقّ الكوردي في أن يعتزّ بهُوِيته ولغته وثقافته، وأكثر من يرفض أن يُطلب من أي إنسان أن يتخلّى عن انتمائه القومي أو الثقافي حتى يُثبت ولاءه لوطنه. لكن تفهّمي لهذه الحقوق لا يمنعني من أن أتحفّظ بشدّة على بعض ما ورد في هذا المنشور، لأنّني أرى فيه انتقالًا من الدفاع عن الحقوق الكردية المشروعة إلى خطاب يحمل، ولو بصورة ضمنيّة، تعميمًا على الآخرين ونبرة قومية قد تتحوّل من المطالبة بالمساواة إلى إعادة إنتاج الإقصاء بصيغة أخرى. أنا أتّفق مع الكوردي حين يقول إنّه لا يريد أن يكون مواطنًا ناقص الحقوق، وأتّفق معه في أنّ الاعتراف الدستوري والقانوني بالحقوق أفضل من الاكتفاء بشعارات الأخوّة والوحدة الوطنية. وأتّفق كذلك على أنّ سياسات التعريب والتمييز وإنكار الهوية الكردية كانت أخطاء وظلمًا لا ينبغي تبريرهما. لكنّني أتساءل: عندما يقول الكاتب «لوموا أنفسكم» و«فأنتم من جعلتم صاحب الأرض واللغة والثقافة يشعر بأنّه ضيف وغريب في وطنه»، من هو هذا الـ«أنتم»؟ هل هو النظام الذي انتهج تلك السياسات؟ أم العرب جميعًا؟ أم كلّ السوريين من غير الكورد؟ لأنّني كسرياني سوري لا أقبل أن أُحمّل مسؤولية سياسات لم أصنعها، ولا أقبل أن يُنظر إليّ باعتباري جزءًا من جماعة مسؤولة بصورة جماعية عن كلّ ما تعرض له الكورد. ثم إنّ عبارة «صاحب الأرض» تضعني، بصفتي سريانيًّا، أمام سؤال لا أستطيع تجاهله: إذا كان الكوردي هو «صاحب الأرض» في سوريا، فمَن أكون أنا؟ هل أنا ضيف؟ وهل يصبح العربي أو الأرمني أو التركماني أو غيره ضيفًا أيضًا؟ وهل علينا أن ندخل في منافسة تاريخية لا تنتهي لإثبات من كان موجودًا هنا أولًا ومن يملك الحقّ الأكبر في الوطن؟ أنا أرفض هذا المنطق من أساسه، ليس دفاعًا عن قومية ضد أخرى، وإنّما لأنّني أرى أنّ سوريا لا يمكن أن تُبنى على فكرة أنّ هناك قومية صاحبة الأرض وقوميات أخرى ضيوف عليها. أنا سريانيّ، ولي هُوِيّتي ولغتي وثقافتي وذاكرتي التاريخية، ولا أريد أن تذوب في العروبة، لكنّني في الوقت نفسه لا أريد أن أستبدل ذوباني في هُوِيّة قومية مهيمنة بذوباني في هوية قومية أخرى. وإذا كان من حقّ الكوردي أن يقول «لا أريد أن أتخلّى عن كرديتي»، فمن حقي أنا أيضًا أن أقول «لا أريد أن أتخلّى عن سريانيتي»، ومن حقّ الأرمني أن يتمسّك بأرمنيته، والتركماني بتركمانيته، والعربي بعروبته، من دون أن تتحوّل أيّ من هذه الهُوِيات إلى مبرّر لاعتبار أصحاب الهُوِيات الأخرى أقلّ سوريّةً أو أقلّ حقًّا في الوطن. ولهذا أتحفّظ أيضًا على فكرة «التمسّك بالقوميّة قبل السوريّة». أنا لا أرى أنّ علينا أن ندخل في سباق لتحديد مَنْ يأتي أولًا: القومية أم سوريا. بالنسبة لي، يمكنني أن أكون سريانيًّا وسوريًّا في الوقت نفسه، ولا أرى أي تناقض بين الأمرين. وكذلك يستطيع الكوردي أن يكون كرديًّا وسوريًّا، والعربي عربيًّا وسوريًّا، والأرمني أرمنيًّا وسوريًّا. بل إنّ سوريا التي أريدها هي التي لا تضطر فيها إلى الاختيار بين هُوِيتي الوطنية وهُوِيتي القومية، ولا تضطر فيها أنت أيضًا إلى الاختيار بين كرديّتك وسوريّتك. أنا لا أريد سوريا عربيّة تُجبر الكوردي على الذّوبان، ولا سوريا كرديّة تُجبر السريانيّ أو العربيّ أو الأرمنيّ على الذّوبان، ولا سوريا لأيّ قومية أخرى. أريد سوريا تكون فيها المواطنة هي المظلّة السياسيّة والقانونيّة التي تجمعنا، بينما تبقى القوميّات واللغات والثقافات حقًّا أصيلًا لكلّ مكوّن وكلّ فرد. ولهذا أعتقد أنّ علينا أن نكون حذرين جدًّا من استبدال خطاب قومي مُهيمن بخطاب قومي آخر. فالمشكلة ليست في أن يكون للإنسان انتماء قومي، وإنّما في أن يتحوّل هذا الانتماء إلى معيار للأفضليّة أو إلى أساس لتقسيم السوريين إلى أصحاب أرض وضيوف، أو إلى مَظلومين ومُتهمين بصورة جماعيّة. الظلم الذي تعرّض له الكورديّ لا يعطي أيّ كرديّ حصانة من النّقد، تمامًا كما أن المظالم التي تعرّض لها السريان أو الأرمن أو غيرهم لا تمنح أبناء هذه المكوّنات الحقّ في إقصاء الآخرين. نحن نستطيع أن نعترف بالمظالم كلّها، وأن ندافع عن حقوق الجميع، من دون أن نُحوّل التاريخ إلى سلاح في وجه بعضنا البعض. أنا، كسريانيّ سوريّ، لا أرفض الحقوق الكردية، بل أريدها كاملةً وعادلةً، لكنّني أريدها ضمن منظومة حقوق متساوية لجميع السوريين. أريد للكورديّ أن يتعلّم لغته ويحافظ على ثقافته ويعتزّ بهُوِيته ويضمن حقوقه دستوريًّا، كما أريد للسريانيّ أن يفعل الشيء نفسه، وللأرمني والتركماني والعربي وغيرهم. لا أرى في ذلك تهديدًا لوحدة سوريا، بل أراه شَرطًا من شروط استقرارها. لذلك، فإنّ اعتراضي ليس على أن يقول الكورديّ «لي حقوق»، فهذا حقّه، وإنّما على أن تتحوّل عبارة «لي حقوق» إلى «أنا صاحب الأرض وأنتم السّبب في مأساتي». هنا أختلف، لأنّني لا أقبل أن أكون مُتّهمًا لمجرّد أنّني سوريّ من قوميّة أخرى، ولا أقبل أن تكون سوريّتي أقلّ قيمة لأنّ هُوِيتي ليست كرديّة. وأقولها بوضوح: كما أرفض أن تُفرض عليّ العروبة، أرفض أيضًا أن تُفرض عليّ أيّ قومية أخرى. وكما أرفض أن يُطلب من الكورديّ أن يتخلّى عن كرديّته كي يكون سوريًّا، أرفض أن يُطلب مني أن أتخلّى عن سريانيّتي كي أكون سوريًّا. هذه بالنسبة لي ليست معركة بين الكورد والعرب، ولا بين الكورد والسريان، وإنّما معركة من أجل مبدأ واحد: أن يكون الإنسان سوريًّا كامل الحقوق، دون أن يُسأل أولًا عن قوميّته أو يُطلب منه التخلّي عنها. إذا أردنا فعلًا بناء سوريا جديدة، فعلينا أن نخرج من سؤال «مَن صاحب الأرض؟» إلى سؤال أكثر عدلًا وإنسانيّة: كيف نجعل كلّ مَنْ يعيش في هذه البلاد مواطنًا كامل الحقوق، يشعر أنّ هذا الوطن وطنه، وأنّ هُوِيته ليست تهديدًا لهويّة الآخر؟ أنا فؤاد زاديكي، سريانيّ سوريّ، أريد أن أكون سريانيًّا دون أن أكون أقلّ سوريّةً، وأريد للكورديّ أن يكون كرديًّا دون أن يكون أقلّ سوريّةً، وللعربيّ أن يكون عربيًّا دون أن يكون أكثر سوريّةً من غيره. هذه، بالنسبة لي، هي الوطنية الحقيقية: أن لا يحتاج أحدٌ إلى إلغاء الآخر كي يُثبِتَ وُجودَه. |
| الساعة الآن 04:53 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke