![]() |
حرب تشرين بين أسطورة النصر وحقيقة التاريخ بقلم الباحث فؤاد زاديكي إن من أخطر ما يمك
حرب تشرين بين أسطورة النصر وحقيقة التاريخ
بقلم الباحث فؤاد زاديكي إن من أخطر ما يمكن أن تُبتلى به الشعوب ليس الهزيمة العسكرية في حد ذاتها، وإنما تزوير الهزيمة وتحويلها إلى نصر، ثم مطالبة الأجيال المتعاقبة بالإيمان بالرواية الرسمية وكأن الحقائق التاريخية يمكن أن تتغير بمجرد تكرار الشعارات في وسائل الإعلام. ولعل حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 تقدم نموذجًا صارخًا لهذه الظاهرة؛ فقد جرى تقديمها في الخطاب الرسمي العربي، ولا سيما في مصر وسوريا، بوصفها «حرب تحرير وانتصار»، حتى أصبحت عبارة «حرب تشرين التحريرية» جزءًا من الذاكرة السياسية والإعلامية، في حين أن قراءة الأحداث بعيدًا عن الشعارات تكشف صورة أكثر تعقيدًا بكثير من تلك التي رُسمت للشعوب. ليس المقصود هنا إنكار ما حققته القوات المصرية والسورية في الأيام الأولى من الحرب، ولا التقليل من شجاعة الجنود العرب وتضحياتهم. فقد نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، وتمكنت القوات السورية في بداية الهجوم من تحقيق تقدم مهم في الجولان. وكانت تلك العمليات مفاجأة عسكرية وسياسية لإسرائيل، وأظهرت أن الجيوش العربية قادرة على المبادرة وإحداث اختراقات عسكرية كبيرة بعد صدمة هزيمة 1967. لكن الاعتراف بهذه الإنجازات لا يعني بالضرورة أن الحرب انتهت بانتصار عسكري عربي حاسم، فبين النجاح في بداية الحرب وتحقيق النصر الاستراتيجي فارق جوهري لا يجوز إلغاؤه بالشعارات. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه ببساطة هو: ماذا كانت النتيجة النهائية للحرب على الأرض؟ في الجبهة المصرية، استعادت مصر شريطًا من الضفة الشرقية لقناة السويس وأقامت رؤوس جسور فيها، وهو إنجاز عسكري مهم بالفعل، لكن القوات الإسرائيلية تمكنت لاحقًا من عبور القناة والوصول إلى الضفة الغربية، ومحاصرة الجيش الثالث المصري، وأصبحت قواتها على مسافة قريبة من القاهرة. وتُظهر الوثائق التاريخية أن القوات الإسرائيلية كانت بالفعل غرب قناة السويس في المرحلة الأخيرة من الحرب، قبل أن يفرض وقف إطلاق النار نفسه على الطرفين. ومن هنا فإن تصوير الحرب باعتبارها تحريرًا كاملًا لسيناء في ميدان المعركة لا يستقيم مع الوقائع. فسِيناء كانت أصلًا تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب 1967، ولم تُستعد بكاملها نتيجة حرب 1973 مباشرة، وإنما جاءت استعادتها لاحقًا عبر مسار سياسي وعسكري طويل انتهى بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء في إطار اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. ولذلك فإن الخلط بين «الإنجاز العسكري في بداية الحرب» وبين «تحرير كامل الأرض» هو خلط بين مرحلتين مختلفتين من التاريخ. أما في الجبهة السورية، فإن الصورة أكثر وضوحًا في دحض الرواية المبسطة. فالجولان كان قد وقع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب 1967، وكانت القنيطرة ومناطق واسعة منه تحت السيطرة الإسرائيلية قبل حرب تشرين. وتمكنت القوات السورية في بداية الحرب من استعادة بعض المواقع والتقدم في أجزاء من الجولان، لكن إسرائيل شنت هجومًا مضادًا واستعادت معظم الأراضي التي فقدتها، بل تقدمت إلى مواقع إضافية داخل الأراضي السورية. وتؤكد الوثائق الأمريكية المعاصرة للحرب أن القوات الإسرائيلية كانت قد استعادت معظم الأراضي التي انتزعتها القوات السورية في بداية الهجوم. فأي تحرير إذن نتحدث عنه؟ وكيف يمكن تسمية حرب انتهت والجولان لا يزال تحت الاحتلال الإسرائيلي بـ«حرب التحرير»؟ وكيف يمكن تقديم القنيطرة باعتبارها رمزًا لتحرير تحقق في حرب 1973، في حين أن السيطرة الإسرائيلية على الجولان استمرت بعد الحرب، ولم تستعد سوريا المنطقة التي فقدتها عام 1967؟ وهنا تظهر مشكلة أخطر من مجرد اختلاف في تفسير الوقائع: تحويل الذاكرة الوطنية إلى أداة سياسية. فحين تقول السلطة لشعبها إن الحرب انتهت بانتصار ساحق، بينما يستطيع المواطن أن يجد في الوثائق والخرائط وشهادات العسكريين والاتفاقيات اللاحقة صورة أكثر تعقيدًا، فإن النتيجة لا تكون رفع معنويات الشعب على المدى الطويل، وإنما تقويض ثقته في مؤسسات الدولة والإعلام الرسمي. فالشعوب لا تحتاج إلى أساطير حتى تفتخر بتضحيات جنودها، ولا تحتاج إلى تزوير النتائج حتى تحترم من قاتل ومات دفاعًا عن بلده. إن البطولة شيء، والحساب العسكري والسياسي شيء آخر. ومن حق الجندي المصري والسوري أن يُكرَّم على شجاعته وتضحياته، ومن حق أسر الشهداء أن تُحترم تضحيات أبنائهم، لكن ليس من حق أي سلطة أن تستخدم دماء هؤلاء لتجميل سجل سياسي أو لإخفاء إخفاقات عسكرية واستراتيجية. فالجندي الذي يقاتل بشجاعة لا يصبح أقل بطولة إذا اعترف المؤرخ بأن الحرب لم تحقق جميع أهداف القيادة السياسية، بل على العكس، إن الاعتراف بالحقيقة هو أسمى تكريم لتضحياته. كما أن استخدام أرقام القتلى والخسائر والآليات والدمار والنزوح والهجرة في السجال السياسي يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، لأن تقديرات الخسائر تختلف باختلاف المصادر ومنهجية الحساب. لكن المؤكد أن الحرب كانت باهظة الثمن بشريًا وماديًا، وأن آلاف الجنود والمدنيين دفعوا حياتهم أو أصيبوا أو فقدوا منازلهم، وأن آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية امتدت سنوات طويلة. ولذلك فإن اختزال كل هذه المأساة في عبارة دعائية مثل «انتصار تاريخي ساحق» لا يخدم الحقيقة ولا يخدم الشعوب التي تحملت كلفة الحرب. والأغرب أن بعض الخطابات الرسمية تتعامل مع كلمة «النصر» وكأنها لا تحتاج إلى معيار. فإذا تقدمت القوات العربية في الأيام الأولى قيل إن ذلك نصر، وإذا استعادت مصر جزءًا من سيناء قيل إن الحرب حُسمت، وإذا صمدت الجبهة السورية فترة من الزمن قيل إن إسرائيل هُزمت، ثم تُهمل بقية الأحداث التي أعقبت تلك المرحلة، وكأن التاريخ يمكن تقسيمه إلى لحظات منتقاة يُسمح للشعب بتذكرها، وأخرى يُطلب منه نسيانها. والمنهج التاريخي السليم لا يقوم على السؤال: أي رواية نريد أن نصدق؟ وإنما على سؤال آخر: ماذا حدث بالفعل؟ ما الأهداف التي أعلنتها القيادات؟ وما الذي تحقق منها؟ وما الأراضي التي كانت تحت السيطرة عند بداية الحرب ونهايتها؟ وما حجم الخسائر؟ وما الذي نتج عن الحرب سياسيًا في السنوات التالية؟ وعندما نضع هذه الأسئلة أمامنا، يصبح من الممكن أن نفهم حرب تشرين بوصفها حدثًا مركبًا: فيها نجاحات عسكرية عربية مهمة، وفيها إخفاقات جسيمة، وفيها مفاجأة استراتيجية لإسرائيل في البداية، وفيها أيضًا تحولات ميدانية لاحقة لم تكن في صالح الجيوش العربية، وفيها نتائج سياسية بعيدة المدى لا يمكن اختزالها في كلمة واحدة هي «النصر» أو «الهزيمة». بل إن الوثائق الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة للحرب تصف نهايتها بأنها انتهت بانتصار إسرائيلي، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن الحرب كانت مكلفة لإسرائيل والولايات المتحدة والمنطقة كلها، وأنها فتحت الطريق أمام مسار تفاوضي أدى لاحقًا إلى اتفاقات فصل القوات ثم إلى السلام المصري الإسرائيلي. وهذه النقطة بالذات تكشف خطورة القراءة الدعائية للتاريخ؛ إذ لا يمكن فهم النتيجة النهائية للحرب بمعزل عن المفاوضات والاتفاقيات التي أعقبتها. إن احترام عقول الشعوب يبدأ من احترام الحقيقة. فالشعب العربي ليس بحاجة إلى من يخبره أن كل معركة خاضها كانت انتصارًا، ولا إلى إعلام يضع له تفسيرًا جاهزًا للتاريخ ثم يطالبه بترديده. الشعوب الناضجة تستطيع أن تقول إن جيشًا ما حقق إنجازًا في بداية حرب، وإنه أخفق في تحقيق أهداف أخرى، وإن المعركة كانت بطولية ومكلفة في الوقت نفسه، وإن النتيجة النهائية كانت مختلطة أو غير حاسمة. وليس في ذلك انتقاص من الوطن أو من الجندي أو من الشهداء. إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأنظمة هو أن تجعل الوطنية مرادفة لتصديق الرواية الرسمية. فالوطنية الحقيقية لا تعني الدفاع عن أخطاء الحكام، ولا تعني تحويل كل إخفاق إلى إنجاز، ولا تعني إخفاء الخرائط والوثائق والاتفاقيات. الوطنية تعني أن نمتلك الشجاعة الكافية لمعرفة الحقيقة، حتى عندما تكون مؤلمة، وأن نتعلم من أخطائنا بدل أن نعيد إنتاجها. لقد آن الأوان لأن تتحرر الذاكرة العربية من سلطة الشعارات، وأن يُترك التاريخ للمؤرخين والوثائق لا لوزارات الإعلام. فالهزيمة لا تصبح نصرًا لأن الخطب الرسمية سمتها نصرًا، والنصر الجزئي لا يصبح تحريرًا شاملًا لأن الصحف وصفته بذلك. إن الأرض والخرائط والاتفاقيات والوقائع الميدانية لا تجامل أحدًا، والتاريخ الجاد لا يقاس بحجم التصفيق في الساحات، وإنما بما حدث على الأرض وما ترتب عليه. إن الشعوب العربية تستحق رواية أكثر صدقًا لتاريخها؛ رواية لا تمجّد الهزائم ولا تنكر الانتصارات، ولا تحوّل الجندي إلى وسيلة لتلميع السياسي. ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أن حرب تشرين 1973 لم تكن حكاية انتصار أسطوري بسيط كما صورتها الدعاية الرسمية، كما أنها لم تكن مجرد هزيمة عربية مطلقة يمكن اختزالها في عبارة واحدة. كانت حربًا كبرى ذات بدايات عربية ناجحة وتحولات عسكرية خطيرة ونتائج سياسية واستراتيجية عميقة، ويجب أن تُقرأ بكل تفاصيلها وتناقضاتها. أما تحويلها إلى أسطورة مكتملة الأركان، أو استخدام شعار «التحرير» لتغطية كل ما جرى، فليس انتصارًا على إسرائيل ولا انتصارًا للحقيقة، وإنما انتصار للدعاية على الوعي. والشعوب التي تريد أن تتقدم لا تخشى الحقيقة؛ لأنها تعرف أن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، وأن كشف الوهم ليس خيانة، وأن التاريخ الذي يُكتب بصدق يمكن أن يكون درسًا للمستقبل، بينما التاريخ الذي يُكتب بأقلام السلطة وحدها يتحول عاجلًا أو آجلًا إلى عبء على الذاكرة الوطنية. فؤاد زاديكي باحث |
| الساعة الآن 11:58 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke