![]() |
جول جمال وبارجة جان دارك: حين تتحول الدعاية إلى تاريخ مدرسي بقلم الباحث فؤاد زاديكي
جول جمال وبارجة جان دارك: حين تتحول الدعاية إلى تاريخ مدرسي
بقلم الباحث فؤاد زاديكي من أكثر القصص التي ترسخت في الذاكرة العربية حول العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 قصة الضابط البحار السوري جول جمال، الذي قيل لنا ونحن تلاميذ في المدارس إنه أقدم، في عملية استشهادية بطولية، على قيادة زورق طوربيد محمّل بالمتفجرات والاصطدام بالبارجة الفرنسية «جان دارك»، فأغرقها وقتل من كان على متنها. ولم تكن القصة مجرد حكاية عابرة، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة الوطنية والقومية، وتناقلتها الصحافة والإذاعات والكتب المدرسية والأناشيد، حتى أصبحت عند أجيال متعاقبة حقيقة لا تقبل النقاش. غير أن التاريخ لا ينبغي أن يُقاس بما رسخته الدعاية في الذاكرة، وإنما بما يمكن إثباته بالوثائق والسجلات المعاصرة للحدث. وعند إخضاع قصة «جان دارك» للفحص التاريخي تظهر مشكلة جوهرية: السفينة التي يُقال إن جول جمال أغرقها لم تُغرق أصلاً، ولم تختفِ من الخدمة، بل إن السفينة الفرنسية التي حملت اسم «جان دارك» كانت لا تزال موجودة في البحرية الفرنسية بعد أزمة السويس بسنوات طويلة. وتشير المصادر التي تناولت القصة إلى أن الطراد الفرنسي Jeanne d’Arc ظل في الخدمة حتى أُحيل إلى التقاعد، وليس هناك ما يثبت أنه تعرض للغرق في حرب السويس. وهنا تظهر مفارقة أكثر أهمية: يبدو أن ثمة خلطاً تاريخياً بين أسماء سفن فرنسية مختلفة. فـ«جان بارت» (Jean Bart) كان بالفعل سفينة حربية فرنسية شاركت في عملية السويس سنة 1956، وكانت جزءاً من القوة البحرية الفرنسية المتجهة إلى منطقة العمليات. وتؤكد سجلات وزارة الدفاع الفرنسية أن «جان بارت» أبحرت ضمن عملية «موسكيتير»، كما تؤكد وثائق فرنسية أنها كانت تحمل قوات فرنسية متجهة إلى الشرق الأوسط. بل إن الأمر لا يتوقف عند ذلك. فبعد انتهاء العمليات، عادت «جان بارت» إلى فرنسا، ووصلت إلى طولون في نوفمبر 1956، أي بعد أسابيع قليلة من الحرب. وقد نشرت صحيفة «لوموند» في 15 نوفمبر 1956 خبراً عن وصولها إلى طولون قادمة من شرق المتوسط. كما توجد في الأرشيف الفرنسي صور وأفلام للبارجة خلال أزمة السويس وبعدها. وهذا وحده يكفي لإسقاط أي رواية تزعم أنها دُمّرت وغرقت في تلك الحرب. والأدق تاريخياً أيضاً ألا نخلط بين «جان دارك» و«جان بارت». فالقوة البحرية الفرنسية التي شاركت في عملية السويس ضمت، وفق السجلات، البارجة «جان بارت»، وحاملتي الطائرات «أرومانش» و«لافاييت»، والطراد «جورج ليغ»، إلى جانب عدد من المدمرات وسفن الإسناد. أما «جان دارك» التي ارتبط اسمها في الرواية العربية بقصة جول جمال، فلا تقدم السجلات التي أمكن التحقق منها دليلاً على أنها كانت الضحية المزعومة. وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر من مجرد اسم سفينة: ماذا حدث فعلاً لجول جمال؟ الثابت أن جول جمال كان ضابطاً سورياً يدرس في مصر، وأنه شارك في حرب السويس وقُتل خلالها. وتذكر «الموسوعة العربية» أنه تقدم للمشاركة في القتال، وأُلحق بمجموعة من زوارق الطوربيد في منطقة بحيرة البرلس، وأنه استشهد في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1956. لكن الرواية نفسها تزعم أن المجموعة أصابت «المدمرة الفرنسية جان دارك» وعطلتها، وهي عبارة تصطدم مع السجلات المتعلقة بالسفن الفرنسية وأسمائها ومسارات خدمتها. ومن المهم هنا التمييز بين أمرين: موت جول جمال ومشاركته في الحرب من جهة، والرواية التفصيلية عن إغراقه سفينة فرنسية من جهة أخرى. فوجود جول جمال ومقتله في ظروف الحرب لا يحتاج إلى أسطورة لكي يصبح حدثاً تاريخياً. أما تحويل موته إلى عملية أدت إلى إغراق سفينة حربية فرنسية، فهذا ادعاء تاريخي يحتاج إلى دليل مستقل، وهو الدليل الذي لا تقدمه السجلات المتاحة. بل إن إحدى الروايات التاريخية التي تناولت أسطورة جول جمال أشارت صراحة إلى أن القصة اكتسبت انتشارها في العالم العربي بعد بثها عبر إذاعة القاهرة، وأنها تحولت إلى مثال على قدرة الدعاية الإذاعية على نشر رواية لا تؤيدها الوقائع الموثقة. كما بقيت هوية السفينة التي قيل إن جول جمال هاجمها مضطربة بين مصادر مختلفة، فمرة يرد اسم «جان دارك»، ومرة تظهر أسماء أخرى. ومن المفيد كذلك أن نضع هذه القصة في سياق العدوان الثلاثي نفسه، لأن الصورة التي رسخت في الوعي العام كثيراً ما اختزلت الحرب في رواية «انتصار عسكري مصري» لم يقع على الأرض بهذا المعنى. بدأت الأزمة بعد قرار جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس في 26 يوليو 1956، ثم تواطأت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا على خطة عسكرية؛ فهاجمت إسرائيل سيناء في 29 أكتوبر، ثم تدخلت بريطانيا وفرنسا بحجة الفصل بين الطرفين وحماية قناة السويس، في حين كانت الخطة الحقيقية مرتبطة بإعادة فرض السيطرة على القناة وإضعاف نظام عبد الناصر. ومن الناحية العسكرية البحتة، لم تكن مصر هي الطرف المنتصر في المعارك. فقد حققت القوات الإسرائيلية تقدماً سريعاً في سيناء، وتمكنت القوات البريطانية والفرنسية من إنزال قواتها في منطقة قناة السويس واحتلال مواقع مهمة. وتوضح وثائق وزارة الخارجية الأميركية أن الأزمة انتهت عسكرياً على نحو أظهر التفوق الإسرائيلي والبريطاني والفرنسي، لكن ذلك الانتصار العسكري لم يتحول إلى انتصار سياسي. وهنا تكمن الحقيقة التي كثيراً ما يجري إخفاؤها خلف اللغة الدعائية: مصر تعرضت لهزيمة عسكرية، لكنها خرجت من الأزمة بانتصار سياسي ودبلوماسي مهم. فقد اضطرت بريطانيا وفرنسا إلى وقف العمليات والانسحاب تحت ضغط دولي شديد، خصوصاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والأمم المتحدة. وأُنشئت قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة للإشراف على الانسحاب والفصل بين القوات. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأميركية أن الضغط الدولي كان عاملاً أساسياً في إنهاء الحرب وإجبار القوات المعتدية على الانسحاب. وهذه نقطة بالغة الأهمية لفهم ما جرى بعد ذلك. فلم يكن عبد الناصر قد انتصر في ساحة المعركة بالمعنى العسكري، لكنه استطاع أن يحول الأزمة إلى انتصار سياسي هائل على مستوى العالم العربي. بقيت قناة السويس تحت السيطرة المصرية، وانسحبت القوات الغازية، بينما تعرضت بريطانيا وفرنسا لضربة سياسية كبيرة وتراجع نفوذهما في الشرق الأوسط. وفي المقابل ارتفعت مكانة عبد الناصر في العالم العربي باعتباره رمزاً لمقاومة النفوذ الاستعماري. حتى المصادر الأميركية الرسمية تقر بأن الحرب كانت هزيمة عسكرية لمصر، لكنها رفعت مكانة عبد الناصر السياسية في العالم العربي. ومن هنا يمكن فهم الحاجة الدعائية إلى صناعة بطولات فردية خارقة في مجتمع خرج من حرب كانت نتائجها العسكرية قاسية. فبدلاً من مواجهة التناقض بين الأداء العسكري المصري والنتيجة السياسية النهائية، يصبح من السهل بناء رواية تقول إن ضابطاً سورياً شاباً استطاع بمفرده أن يدمر سفينة فرنسية ضخمة، فيتحول المشهد من هزيمة عسكرية إلى ملحمة بطولية. ثم تتكفل الإذاعة والصحافة والمناهج المدرسية والأناشيد بتثبيت الرواية في الذاكرة الجمعية. لكن نقد الأسطورة لا يعني بأي حال الانتقاص من جول جمال نفسه. فإذا كان قد قاتل ومات دفاعاً عن مصر، فذلك وحده موقف جدير بالاحترام، ولا يحتاج إلى اختراع سفينة غارقة كي تزداد قيمته. البطولة الحقيقية لا تحتاج إلى تزوير، والشهادة لا تحتاج إلى أسطورة مصطنعة حتى تصبح ذات معنى. والأخطر من القصة نفسها هو الطريقة التي يمكن بها للدعاية السياسية أن تتحول إلى «حقيقة مدرسية». فالطفل الذي يتلقى المعلومة من كتاب مدرسي لا يملك في الغالب الأدوات التي تمكنه من مراجعة الوثائق العسكرية الفرنسية أو مقارنة أسماء السفن ومسارات خدمتها. وما يكتب في الكتاب يتحول لديه إلى حقيقة تاريخية نهائية. وبعد عقود يصبح من الصعب الفصل بين الحدث الفعلي وبين الرواية التي صنعتها السلطة حول الحدث. إن وظيفة المؤرخ ليست الدفاع عن نظام سياسي أو مهاجمته، وإنما وضع الروايات الرسمية تحت الاختبار. وإذا كانت رواية ما تقول إن سفينة فرنسية غرقت في حرب السويس، ثم نجد سجلات فرنسية وصحفاً معاصرة وصوراً وأفلاماً تثبت أن السفينة المقصودة كانت موجودة بعد الحرب، فإن واجب الباحث هو طرح السؤال، لا ترديد الرواية لأنها أصبحت جزءاً من الذاكرة الشعبية. ومن اللافت أن بعض المصادر العربية نفسها لا تزال تعيد إنتاج الرواية القديمة، فتصف «جان دارك» بأنها مدمرة أصابتها زوارق جول جمال، بينما تكشف المصادر الفرنسية الرسمية أن السفن التي شاركت في عملية «موسكيتير» كانت سفناً أخرى، وأن «جان بارت» نفسها عادت إلى طولون بعد العملية. ولذلك فإن إعادة النظر في قصة جول جمال ليست ترفاً تاريخياً، ولا محاولة لمحو بطولة رجل سوري قاتل في حرب عربية، وإنما هي محاولة للفصل بين الإنسان الحقيقي والأسطورة التي صنعت حوله. جول جمال شخصية تاريخية حقيقية، ومشاركته في حرب السويس ومقتله حقيقة، أما القول بأنه أغرق «جان دارك» فينبغي أن يبقى موضع مساءلة جدية، لأن الأدلة المتاحة لا تسنده، بل تتعارض معه بصورة جوهرية. لقد كانت أزمة السويس واحدة من اللحظات الفاصلة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: هزيمة عسكرية مصرية أمام قوة متفوقة، تلاها انتصار سياسي أجبر القوى الغازية على الانسحاب. وهذه الحقيقة، بكل تعقيداتها، أكثر أهمية من أي قصة بطولية مصطنعة. فالتاريخ لا يصبح أقل مجداً عندما نرويه كما وقع، وإنما يصبح أكثر قيمة وصدقية. وإذا كان ثمة درس حقيقي ينبغي أن يبقى في المدارس، فهو أن الوطنية لا تعني تصديق كل ما تقوله السلطة، وأن تكريم الشهداء لا يبرر اختلاق الوقائع، وأن مهمة التعليم ليست صناعة الأساطير وإنما تعليم الأجيال كيف تميز بين الرواية والدليل. فالبارجة التي قيل لنا إنها غرقت لم تغرق، والسفينة التي تختلط باسمها في الرواية ليست هي السفينة التي تثبت الوثائق مشاركتها في العملية. وبين الحكاية التي حفظناها في الكتب وبين الحقيقة التي تكشفها الأرشيفات، تبدأ مهمة الباحث الحقيقي. بقلم الباحث فؤاد زاديكي |
| الساعة الآن 02:24 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke