![]() |
قرأت هذا الصباح منشورًا عن قرية سويديكي (الحسانية) للأستاذ فهد شيعا ولكوني لم أستطع م
قرأت هذا الصباح منشورًا عن قرية سويديكي (الحسانية) للأستاذ فهد شيعا ولكوني لم أستطع مشاركته فقد قمت بنسخه للتعليق والردّ عليه مشكورًا:
سويديكي ...قرية النبع والذاكرة على مسافة نحو سبعة كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من ديريك، تقع قرية سويديكي، واحدة من القرى التي جمعت في طبيعتها بين الجبل والماء والأرض الخضراء. هناك، حيث يمر نهر السفان بمحاذاة سفوح الجبال، وحيث يخرج النبع من الأرض ليشق طريقه بين الأشجار والحقول، نشأت حكاية قرية ارتبط تاريخها بالماء منذ بداياتها الأولى. ولم تكن سويديكي، بالنسبة إلى أهلها، مجرد تجمع سكاني أو مساحة من الأرض؛ فقد كانت مشروع حياة بدأ بفكرة، ونما بالعمل، واستقر مع الزمن، حتى أصبح المكان ذاكرة حية لأجيال تعاقبت عليه. من رحلة صيد إلى بداية الحكاية تعود بدايات تأسيس قرية سويديكي إلى عام 1930، وترتبط بصورة وثيقة بالسيد لحدو حنا القس وإخوته. كان لحدو حنا القس يقيم في قرية الحسانية، وكان يرتاد منطقة سويديكي في رحلات للصيد، ولا سيما لصيد الغزلان والخنازير. وفي إحدى تلك الرحلات، استوقفه منظر النبع والأراضي الممتدة تحته بمحاذاة نهر السفان. كانت المياه متوفرة، والأرض صالحة للزراعة، والمكان يحمل في طبيعته ما يوحي بإمكان قيام حياة مستقرة فيه. رأى لحدو حنا القس في ذلك المكان فرصة تستحق التجربة، فاستأجر الأراضي وبدأ باستثمارها زراعيًا. وكانت زراعة الأرز من أبرز الزراعات التي اعتمد عليها، مستفيدًا من مياه النبع ونهر السفان. ولضمان الاستفادة من المياه وتنظيم جريانها، أُقيم سد صغير من التراب عند النبع، فأخذ الماء طريقه إلى الأراضي الزراعية، وبدأت بذلك أولى خطوات تحويل المكان من أرض تستوقف عابرًا إلى أرض تستقر فيها حياة كاملة. السواقي... ذاكرة الماء كان الماء أساس الحياة في قرية سويديكي، ولم يكن النبع وحده مصدره، بل كانت المنطقة تضم عددًا من السواقي التي كانت تحمل المياه إلى الأراضي الزراعية. فقد كانت هناك ساقية تأتي من جهة قرية الشامية وتمتد حتى النبع الكبير، وأخرى تبدأ من حدود قرية كمر بيض، وكانت، بحسب الرواية المحلية، مرتبطة ببيت هدايا وكبرو خدو، وتمتد من النبع مسافة تقارب كيلومترًا ونصف الكيلومتر وصولًا إلى وادي الديب. كما كانت هناك ساقية أخرى تمتد من النبع باتجاه حدود شكر خاج. وكانت هذه السواقي بمثابة شرايين للأرض؛ تحمل الماء إلى الحقول، وتفتح أمام السكان أبواب الزراعة والاستقرار. ولهذا ارتبط تاريخ قرية سويديكي بالماء ارتباطًا عميقًا، حتى بدا النبع وكأنه نقطة البداية التي دارت حولها قصة القرية كلها. حين تحولت الأرض إلى موطن في البداية، استثمر لحدو حنا القس الأراضي بنظام المزارعة لمدة ثلاث سنوات، وكان يقدم الحاصل لأصحابها. وبعد انقضاء هذه المدة، تمكن من شراء الأراضي، فأصبحت ملكًا له ولإخوته. ومنذ ذلك الوقت بدأت ملامح الاستقرار تظهر تدريجيًا. كانت الحياة في بداياتها بسيطة وقاسية؛ فبُنيت غرفة طويلة مغلقة عُرفت باسم «القصركة»، أي القصر الصغير، وكانت بمثابة المسكن الأول. وعاش الرجال فيها نحو اثنتي عشرة سنة من دون نساء، بسبب المخاوف والظروف الأمنية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. ولم يكن الاستقرار آنذاك أمرًا سهلًا، إذ كانت المنطقة تعيش مرحلة مضطربة، وكان الإنسان مضطرًا إلى أن يوازن بين رغبته في البناء والخوف على حياته وأسرته. ومع مرور الوقت وتحسن الظروف، اتخذ الاستقرار شكلًا أكثر رسوخًا، فبُنيت العلية، وجُعل قسمها السفلي لحظائر الحيوانات وتخزين الأعلاف، بينما خُصص القسم العلوي للمضافة وغرف السكن والمعيشة. وبالتوازي مع بناء المساكن، بدأ العمل على تنظيف السواقي وتعزيلها وفتح مجاريها، لتعود المياه إلى مساراتها وتصل إلى الأراضي المحاذية للنهر. وهكذا كانت القرية تنمو بالتدريج؛ بيتًا بعد بيت، وحقلًا بعد حقل، وساقية بعد ساقية. الطاحونة... صوت الحياة في القرية ولم تلبث قرية سويديكي أن عرفت نشاطًا اقتصاديًا آخر تمثل في الطاحونة التي أقيمت إلى جانب النبع. كانت الطاحونة تؤمن الطحين لأهالي القرية والقرى القريبة، فغدت جزءًا من الحياة اليومية للسكان. وفي موسم الخريف، كانت تتحول إلى مكان لصناعة طحينة السمسم، التي اشتهرت بها القرية. وهكذا لم يكن النبع يسقي الأرض فقط؛ فقد كان الماء سببًا في قيام الزراعة، والزراعة سببًا في الاستقرار، والاستقرار أدى إلى ظهور أنشطة أخرى جعلت من قرية سويديكي مجتمعًا ريفيًا متكاملًا. عائلات آزخ... وجوه جديدة في القرية ومع اتساع الحياة في قرية سويديكي، استُقطبت إليها بعض العائلات المهاجرة من قرية آزخ في تركيا، وكان معظم القادمين من الأرامل والفقراء. وُزعت عليهم الأراضي لزراعتها، وبُنيت لهم البيوت للسكن، فأصبحوا جزءًا من مجتمع القرية، وشاركوا في العمل الزراعي وفي بناء حياتهم الجديدة. وهكذا لم تكن قرية سويديكي وليدة الأرض والماء فقط، بل كانت أيضًا وليدة الإنسان الذي جاء إليها حاملًا ذاكرته القديمة، ليبدأ فوق أرض جديدة فصلًا آخر من حياته. سنوات صعبة في ذاكرة القرية في عام 1943، شهدت المنطقة أحداثًا قاسية عُرفت بأحداث قضاء رجب، دفعت معظم سكان القرى المسيحية في ريف ديريك إلى الهجرة نحو المدينة. وبحسب الرواية المحلية، بقيت قريتا سويديكي والحسانية خارج موجة الهجرة تلك، لكونهما كانتا ضمن أملاك حنا القس. وفي تلك الظروف، غادرت نساء سويديكي إلى قرية الحسانية، حيث بقين هناك حتى انتهاء الأحداث عام 1946، وهي السنة التي دخلت فيها البلاد مرحلة الاستقلال وانتهاء الانتداب الفرنسي. كانت تلك السنوات جزءًا من الذاكرة الصعبة للقرية؛ سنوات كان الأمن فيها هاجسًا يوميًا، وكانت العائلة والأرض والبيت أشياء مهددة بالرحيل في أي لحظة. الأرض والتحولات الكبرى وفي عام 1965، دخلت أراضي قرية سويديكي مرحلة جديدة من التحولات، إذ جرى الاستيلاء على الأراضي بموجب الإجراءات المرتبطة بقانون الطوارئ، وفق ما ترويه الرواية المحلية. وكانت المساحة الإجمالية لأراضي القرية تبلغ نحو 6663 دونمًا، لم يُترك للمالكين منها سوى 1630 دونمًا، بينما وُزعت المساحة المتبقية على الفلاحين المستأجرين في القرية. وكان عدد المالكين تسعة، ولكل منهم سند تمليك، وكان أصحاب الأراضي يرون أن هذا الإجراء لا ينبغي أن يشملهم، لأنهم، بحسب روايتهم، لم يكونوا من فئة الإقطاع. وقد شكّل هذا التحول نقطة فاصلة في تاريخ الأرض في قرية سويديكي، إذ تغيرت معها خريطة الملكية الزراعية، وانعكس ذلك على حياة المالكين والفلاحين وعلى علاقة أبناء القرية بالأرض التي عاشوا عليها واستثمروها. حين غيّر المرض وجه الأرض كانت قرية سويديكي معروفة بزراعة الأرز، وكانت وفرة المياه والسواقي تساعد على نجاح هذه الزراعة. لكن انتشار مرض الملاريا أدى إلى تغيير كبير في طبيعة الزراعة. وتذكر الرواية أن وزارة الزراعة أصدرت قرارًا بمنع زراعة الأرز والتبغ، الأمر الذي دفع أبناء القرية إلى البحث عن نمط زراعي بديل. وكانت النتيجة الاتجاه نحو زراعة أشجار الحور، التي أصبحت مع مرور السنوات من أكثر ما يميزقرية سويديكي. فأخذت أشجار الحور تنتشر في أراضيها، وأصبحت جزءًا من المشهد الذي ارتبط باسم القرية في ذاكرة أبنائها وزوارها. ومع تغير طبيعة استثمار الأرض، ازدادت الحاجة إلى تنظيم المياه والسيطرة عليها، فجرى توسيع النبع وبناء جدار من الإسمنت والحجر البازلتي لصد المياه وتنظيمها، بلغ عرضه نحو مترين في الأسفل وثمانين سنتيمترًا في الأعلى. وهكذا ظل الماء، منذ تأسيس القرية وحتى مراحلها اللاحقة، حاضرًا في كل تحول من تحولات قرية سويديكي. آثار تختبئ بين الجبال لا تقتصر قيمة قرية سويديكي على تاريخها الزراعي والاجتماعي؛ فالمكان يحتفظ أيضًا بشواهد أثرية وطبيعية تستحق الاهتمام والدراسة. توجد في القرية مقابر تُنسب، بحسب الرواية المحلية، إلى الحقبة الآشورية ـ الآرامية، من بينها مقبرة تقع إلى الشمال الغربي من النبع، بالقرب من القرية القديمة أو ما يعرف بـالخرابة. كما توجد مقبرة أخرى بين النهر والجبل، إلى الشرق من القرية، في منطقة شديدة الانحدار والوعورة، لا يكاد يسكنها سوى طيور الصقر والعقاب، ولذلك عُرفت باسم (عش الطير) وتضم المنطقة كذلك ثلاث خرابات لطواحين قديمة مهدمة، وهي شواهد تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول النشاط الاقتصادي الذي عرفته المنطقة في عصور سابقة. كما تحتوي القرية على كهفين طبيعيين يقعان في أسفل الجبل جنوب النهر، يضيفان إلى طبيعة المكان مزيدًا من الخصوصية. وفي السفح الجنوبي للنهر، عُثر على أحجار بازلتية يبلغ طول بعضها نحو ستة أمتار، وقد نُحتت على شكل سداسي الأضلاع. وتقول الرواية المحلية إنها كانت تستخدم في بناء القلاع، إلا أن تحديد تاريخها ووظيفتها يحتاج إلى دراسة أثرية ميدانية متخصصة. وهذه الشواهد، سواء أكانت أثرية أم طبيعية، تجعل من قرية سويديكي مكانًا جديرًا بالمزيد من البحث والتوثيق، قبل أن تطالها عوامل الزمن أو الإهمال. لحدو حنا القس... والعودة إلى قرية سويديكي ظل اسم لحدو حنا القس مرتبطًا بتاريخ سويديكي، فهو الرجل الذي رأى في المكان، في إحدى رحلاته، أكثر من مجرد أرض ونبع؛ رأى فيهما إمكانية بناء حياة جديدة. وفي 3 آذار/مارس 1997، توفي لحدو حنا القس عن عمر ناهز 104 أعوام، ودُفن في مقبرة مار يعقوب في ديريك. لكن رحلته مع قرية سويديكي لم تنتهِ بدفنه في ديريك ففي 17 كانون الأول 2010، نُقلت رفاته إلى القرية، وأقام له أبناؤه مزارًا على شكل قبة في سفح الجبل شرقي قرية سويديكي، تنفيذًا لوصيته التي كان قد تركها في حياته. وهكذا عاد الرجل إلى الأرض التي ارتبط اسمه بها، إلى المكان الذي بدأ فيه مشروعه الأول، وإلى النبع الذي كان يومًا نقطة التحول في حياته. وأصبح المزار شاهدًا على علاقة الإنسان بالمكان؛ فبعض الناس يمرون في الأمكنة، وبعضهم يتركون فيها أثرًا يبقى بعد رحيلهم. سويديكي... قرية للسياحة وذاكرة للأجيال بفضل طبيعتها الخلابة، أصبحت قرية سويديكي مقصدًا للمتنزهين القادمين من ديريك ومناطق أخرى. فالجبال، ونهر السفان، والنبع الغزير، والأشجار، تمنح المكان مشهدًا طبيعيًا قلّ أن تجتمع عناصره بهذا التناغم في مكان واحد. وكان موقع القرية، البعيد نسبيًا عن الحدود السورية ـ التركية، عاملًا مساعدًا في جعلها مقصدًا مناسبًا للرحلات والتنزه، حيث يقصدها الزائر بحثًا عن جمال الطبيعة وهدوء المكان. لكن قرية سويديكي تستحق أن تُرى بأكثر من عين السائح؛ فهي ليست نبعًا وجبلًا ونهرًا وأشجارًا فحسب، وإنما هي أيضًا حكاية إنسان بدأ من رحلة صيد، فاكتشف نبعًا، واستأجر أرضًا، وزرعها، ثم امتلكها، وبنى فيها بيتًا، وجمع حوله الناس، حتى تحولت الأرض إلى قرية. إنها حكاية الماء الذي صنع الزراعة، والزراعة التي صنعت الاستقرار، والاستقرار الذي صنع المجتمع. وحين يقف الزائر اليوم عند نبع سويديكي، فإنه لا يرى الماء وحده؛ بل يرى، خلفه، سنوات طويلة من التعب والعمل والفرح والخوف والهجرة والاستقرار. يرى آثار السواقي القديمة، ويتأمل الجبال التي حفظت أسرار المكان، وينظر إلى أشجار الحور التي أصبحت جزءًا من هويته، ويستحضر وجوه الذين عاشوا هنا وتركوا شيئًا من أعمارهم في ترابها. لهذا تبقى سويديكي واحدة من أجمل صفحات ريف ديريك؛ قرية صنعتها المياه، وحفظتها الأرض، واحتضنتها الجبال، وبقيت حكايتها معلقة بين النبع والنهر والذاكرة. ومن حق هذه القرية أن تحظى بالعناية والتوثيق والحماية، وأن تُعرّف الأجيال الجديدة بتاريخها ومعالمها، حتى لا تضيع الحكايات القديمة حين يغيب أصحابها، وحتى يبقى المكان قادرًا على أن يروي قصته بنفسه. اخذت هذه المعلومات من السيد ألياس لحدو القس. جمع وإعداد فهد شيعا وهذه هي مشاركتي على المنشور: سويديكي... حين يروي المكان تاريخه، وتتكلّم الذاكرة بلسان أهلها كلّ الشكر والتقدير للأخ العزيز فهد شيعا على هذا المنشور القيّم، الذي قدّم فيه عرضًا غنيًّا وممتعًا عن تاريخ قرية سويديكي، وطبيعتها الجميلة، ونبعها وسواقيها، وحياة أهلها، والتحوّلات التي مرّت بها، وصولًا إلى سيرة المرحوم الشيخ لحدو حنا القس، الذي ارتبط اسمه بتاريخ هذه القرية ارتباطًا وثيقًا. لقد أحسنت يا أخي فهد في جمع هذه التفاصيل وتوثيقها، وفي تحويل الرواية الشفوية إلى مادة مكتوبة تحفظ للأجيال جانبًا من تاريخ المكان والإنسان. فمثل هذه الكتابات ليست مجرّد استعراض للماضي، بل هي حفظ لذاكرة قرانا، ولأسماء رجالها، وللجهد الذي بذله الآباء والأجداد في بناء حياتهم فوق هذه الأرض. وقد أعادني هذا المنشور إلى ذكرياتي مع المرحوم لحدو حنا القس، الذي عرفته وجالسته أكثر من مرة. كنت أحرص على سؤاله والاستماع إليه حول مواضيع كثيرة لها علاقة بتاريخ آزخ وأهلها وأحداثها، وكانت لديه معلومات غنيّة وذاكرة واسعة، نقلتُ الكثير منها عنه، لما كان يملكه من معرفة وتجربة واطلاع على تفاصيل لا نجدها دائمًا في الكتب والمراجع. كان رحمه الله من أولئك الرجال الذين تختزن ذاكرتهم صفحات من تاريخ المنطقة، تاريخ الهجرة والاستقرار، والعائلات والقرى، والأرض والزراعة، والأحداث التي عاشها أبناء المنطقة في أزمنة مختلفة. ولذلك فإنّ الحديث عن سويديكي لا يكتمل، في نظري، من دون استحضار شخصية هذا الرجل، الذي لم يكن مجرد مؤسّس لمشروع زراعي، بل كان شاهدًا على مرحلة من تاريخ المنطقة، وترك أثرًا واضحًا في المكان وأهله. أما سويديكي نفسها، فهي تستحقّ وقفة تاريخية وأثرية أوسع. فإلى جانب ما ورد في المنشور من معلومات عن النبع والسواقي والطواحين والخرابات والمقابر، تبرز أسئلة مهمّة حول تاريخ المكان قبل تأسيس القرية الحديثة عام 1930. إنّ وجود مقابر قديمة، وخرابات، وبقايا منشآت مائية، وأحجار بازلتية ضخمة منحوتة، إلى جانب طبيعة المنطقة المحاذية لنهر السفّان وسفوح الجبال، كلّها مؤشرات تجعل من سويديكي ومحيطها مجالًا جديرًا بالبحث الأثري والتاريخي. وقد تكون بعض هذه الشواهد مرتبطة بمراحل قديمة من تاريخ المنطقة، وربّما تعود إلى عصور آشورية أو آرامية، كما تتناقل الرواية المحلية. لكن من المهمّ هنا التمييز بين ما تحفظه الذاكرة الشعبية من روايات، وبين ما يُمكن إثباته من خلال دراسة أثرية ميدانية، وفحص المقابر والخرابات والأحجار والمنشآت القديمة. فالمقابر المنسوبة إلى الحقبة الآشورية ـ الآرامية، والخرابات المنتشرة بين الجبل والنهر، وبقايا الطواحين، والكهوف الطبيعية، تستحقّ جميعها التوثيق والتصوير وتحديد مواقعها، ثم دراستها من قبل مختصّين بالتاريخ والآثار. وربما تكون هناك حاجة إلى جمع الروايات المحلية من كبار السنّ، ومقارنتها بما ورد في المصادر التاريخية والجغرافية القديمة، خاصّة ما يتعلّق بالطرق القديمة، ومواقع الاستقرار، ومصادر المياه، والقرى التي نشأت على ضفاف نهر السفّان. إنّ سويديكي ليست مجرّد قرية جميلة يقصدها المتنزهون، بل هي مكان تتقاطع فيه الطبيعة مع التاريخ، وتلتقي فيه ذاكرة الإنسان مع شواهد قديمة قد تخفي الكثير من الأسرار. ومن هنا، فإنّ ما قام به الأخ فهد شيعا يستحقّ التشجيع والثّناء، لأنّه يساهم في فتح باب التوثيق، ويُحفّز أبناء المنطقة والمهتمّين بتاريخها على تقديم ما لديهم من معلومات ووثائق وصور وروايات، حتى تتكامل صورة هذا المكان الجميل. رحم الله الشيخ لحدو حنا القس، الرجل الذي بقي اسمه مرتبطًا بسويديكي، ورحم جميع من عاشوا في هذه الأرض وتركوا فيها أثرًا من حياتهم. والشكر موصول للسيد ألياس لحدو القس على ما قدّمه من معلومات، ولكلّ مَن يساهم في حفظ تاريخ قرانا وذاكرة أهلنا. فالتاريخ الذي لا نكتبه اليوم، قد لا نجد من يرويه غدًا. سويديكي تستحقّ أن تُروى حكايتها، وأن تُحفظ ذاكرتها، وأن تُدرس شواهدها القديمة، لتبقى حاضرة في تاريخ المنطقة ووجدان أبنائها. فؤاد زاديكي |
| الساعة الآن 01:30 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke