Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   ألم نقل لكم إنّ سورية أصبحت ولاية تركية؟! بقلم: فؤاد زاديكي (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51944)

fouadzadieke 03-11-2026 06:35 PM

ألم نقل لكم إنّ سورية أصبحت ولاية تركية؟! بقلم: فؤاد زاديكي
 
ألم نقل لكم إنّ سورية أصبحت ولاية تركية؟!

بقلم: فؤاد زاديكي

لم تعد المخاوف من اتّساع النفوذ التركي في الشأن السوري مجرّد هواجس أو قراءات متشائمة لدى بعض المراقبين، بل باتت هناك مؤشرات متزايدة تستدعي التوقّف عندها وطرح أسئلة جدّيّة حول حقيقة استقلال القرار السوري وحدود السيادة الوطنية في ظلّ المرحلة السياسية الراهنة.
فما معنى أن يصل التدخّل التركي في الشأن السوري إلى حدّ التأثير في تعيين السفراء والممثلين الدبلوماسيين الذين يفترض بهم أن يمثّلوا الدولة السورية ومصالحها في الخارج؟ وما معنى أن يصبح اختيار الشخصيات التي ستشغل مواقع دبلوماسية سورية موضوعًا يرتبط بالتنسيق مع أنقرة، وفق ما أُثير من تقارير ومعلومات حول تعيين 68 شخصية في السلك الدبلوماسي والقنصلي؟ وبحسب تقرير نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان اليوم 3 نوفمبر 2026، فإنّ الرقم المذكور لا يعني تعيين 68 سفيرًا، بل يشمل:
7 سفراء.
7 مستشارين دبلوماسيين.
54 قنصلًا.
وذكر المرصد أنّ الاختيارات تمّت بالتنسيق مع الجانب التركي، وأنّ غالبية الأسماء المختارة قريبة من تركيا أو من مؤسّسات المعارضة السورية. وهذه اتّهامات منسوبة إلى المرصد وليست حقائق مُثبتة بصورة مستقلّة. أليس من حقّ السوريين أن يتساءلوا: مَن يختار مُمثّلي دولتهم؟ دمشق أم أنقرة؟ ومَن يُحدّد معايير هذه الاختيارات؟ الكفاءة والخبرة والمصلحة الوطنية، أم القرب السياسي والولاء والمحسوبية؟
إنّ تعيين السفراء ليس تفصيلًا إداريًّا عابرًا، بل هو من صميم السيادة الوطنية، لأنّ السفير يمثّل بلاده ولا يمثّل دولة أخرى، ويعبّر عن توجهات حكومته لا عن مصالح العواصم التي تمتلك نفوذًا عليها. وإذا صحّت المعلومات المتداولة عن تدخّل تركي في هذه التعيينات، فإنّنا أمام مسألة خطيرة تتجاوز حدود التعاون الدبلوماسي المعتاد، وتفتح الباب أمام التساؤل عن مدى استقلالية وزارة الخارجية السورية وقدرتها على اتّخاذ قراراتها بعيدًا عن التأثيرات الخارجية.
ولا يُمكن فَصل هذه التطوّرات عن مُجمل المشهد السوري، حيث يتّسع الحضور التركي في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتزايد الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم وأشكال التنسيق بين المؤسّسات السورية والتركية. ولسنا هنا ضد إقامة علاقات طبيعية أو استراتيجية مع تركيا أو غيرها، فالدول تبني علاقاتها وفق مصالحها، لكنّ المشكلة تبدأ عندما يتحوّل التعاون إلى نفوذ، ويتحوّل النفوذ إلى وصاية، وتصبح القرارات الوطنية مرهونة بموافقة دولة أخرى أو برضاها.
وهنا لا بُدّ من التمييز بين التحالف والتبعية. فالتحالف علاقة بين دولتين مستقلّتين، لكلّ منهما إرادتها وقرارها ومصالحها، أمُا التبعية فهي أن تصبح إرادة إحداهما خاضعة لإرادة الأخرى، وأن تتحدّد خياراتها السياسية والاستراتيجية وفق ما تريده الدولة صاحبة النفوذ. وإذا كانت دمشق غير قادرة على اتخاذ قرار لا يرضي أنقرة، أو على تعيين مسؤولين لا يحظون بقبولها، أو على رسم سياستها الخارجية وفق مصالح السوريين أولاً، فبأيّ معنى يُمكن الحديث عن استقلال القرار الوطني؟
إنّ السؤال الذي ينبغي أن يُجيب عنه القائمون على السلطة في دمشق ليس ما إذا كانت علاقاتهم مع تركيا جيدة أم لا، بل ما إذا كانوا يمتلكون القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي يتعارض مع رغبة أنقرة وتنفيذه دون أن يخضعوا لضغوطها. فهذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة، وليس مجرّد رفع الشعارات الوطنية أو الحديث عن استقلال الدولة. ومن حقّ السوريين أن يُطالبوا بالشفافية، وأن يعرفوا كيف جرت التعيينات، وما المعايير التي اعتُمدت، وما حقيقة الدور التركي فيها. ومن حقّهم أيضًا أن يرفضوا تحويل مؤسّسات دولتهم إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية أو مكافأة الولاءات، وأن يطالبوا بأن تكون الكفاءة الوطنية والمصلحة السورية فوق كلّ اعتبار.
لذلك، عندما نقول إنّ سورية أصبحت تابعة لتركيا، أو نستخدم تعبير «الولاية التركية» على سبيل الاحتجاج السياسي والسخرية من واقع يثير القلق، فإنّنا لا نُصدر حكمًا قانونيًّا بأنّ سورية أصبحت جزءًا من الدولة التركية، بل نعبّر عن مخاوفنا من مسار قد يقود إلى فقدان القرار الوطني استقلاليته، وإلى تَحوّل الدولة السورية من صاحبة إرادة سياسية مستقلة إلى دولة تدور في فلك أنقرة.
ألم نقل لكم إنّ الخطر لا يكمن فقط في احتلال الأرض، بل قد يكمن أيضًا في السيطرة على القرار، وفي أن تبقى حدود الدولة وعلمها ومؤسساتها قائمة، بينما تُصنع خياراتها الكبرى خارج حدودها؟
إنّ سورية التي دفع شعبها أثمانًا باهظة من أجل حريتها وكرامتها لا تستحقّ أن تنتقل من وصاية إلى وصاية، ولا أن تَستبدل تبعية بأخرى. فالسوريون لم يطالبوا بالتخلّص من استبداد كي يجدوا أنفسهم أمام ارتهان جديد، ولم يُضحّوا بكلّ ما ضحّوا به لكي يصبح قرار بلدهم رهينة في عاصمة أخرى. فسورية للسوريين، وقرارها يجب أن يكون سوريًّا، وسيادتها ليست ورقة تفاوض، ولا منحة من دولة إقليمية، ولا امتيازاً تمنحه سلطة حاكمة لمن تشاء. هذه ليست مسألة خصومة مع تركيا، بل مسألة كرامة وطنية واستقلال دولة. ومن حقّنا أن نسأل، ومن واجبنا ألّا نصمت، لأنّ السيادة التي لا تُمارَس في القرار لا تكفي لحمايتها الأعلام المرفوعة والخطابات الرنانة.


الساعة الآن 01:45 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke