«المنبر اللبناني المستقل» مولود جديد لـ«مستقلّي 14 آذار»
يحاول المستقلون في «قوى 14 آذار» بلورة هويتهم والتأكيد على تمايزها مرة تلو الاخرى. يعتبرون انهم الاقرب الى جمهور الاستقلال وانتفاضته في 14 شباط. يقرون بتقصيرهم احياناً في مخاطبة ذلك الجمهور وتطلعاته. يعرفون ان «ارباكات» «14 آذار» انعكست سلباً على جمهورها، ويدركون انهم لم ينجحوا دائماً في التواصل مع الشريحة الاوسع من ذلك الجهور الحيوي، الذي وجد في «14 آذار» عنواناً لـ«فكرة وطن ومشروع دولة وليس حزب او طائفة او جهة».
وفي محاولة جديدة للبحث عن اطر اوسع تمثيلاً لـ«المستقلين» داخل «14 آذار»، يعلن هؤلاء يوم الاربعاء المقبل «المنبر اللبناني المستقل» كإطار جديد «للتواصل والحوار».
كانت الفكرة موضع نقاش دائم. وربما يكون سرّعها الكلام عن اعادة تنظيم وهيكلة «14 آذار». فالتقى في احد مكاتب الوزير ميشال فرعون في الاشرفية حشد ضم إليه النواب فؤاد السعد، مروان حماده، انطوان سعد، دوري شمعون، سيرج طورسركيسيان، اضافة الى النواب السابقين فارس سعيد، منصور البون، سمير فرنجية، الياس عطالله، وشخصيات مستقلة كمحمد عبد الحميد بيضون، ميشال مكتف، الياس الزغبي، كمال اليازجي، شارل جبور، ادمون رباط، ومجموعات من ممثلي هيئات وجمعيات ناشطة في المجتمع المدني تدور في فلك «14 آذار».
لم يتوقف المجتمعون كثيراً عند الشكل. بعضهم كان يرغب بتسميته «منبر بيروت» على اعتبار أن العاصمة تختزل صورة لبنان الجامع والمتنوع والمدني. لكن بيضون كان من اكثر المعترضين على التسمية وشاركه بعض الحضور. انتهى النقاش الى التوافق على اعتماد تسمية «المنبر اللبناني المستقل».
يطمح المشاركون في المنبر لـ«ان يكون اكثر حيوية واكثر جرأة في مقاربة كل المواضيع. فهو يريد التخفف من حسابات «الآذاريين» الحزبية والسياسية». يطمح أيضاً «الى تسمية الأمور بأسمائها، وان يعيد الدينامية الى التواصل مع جمهور «14 آذار» بلغة تحاكي تطلعاته وجرأته».
وبلغة «المنبر» يحتاج لبنان إلى «دينامية مجتمعية جديدة. دينامية غير مقيدة باعتبارات طائفية ومذهبية، قادرة على تجاوز الترسيمات السياسية والطائفية القائمة. دينامية حديثة غير محكومة بهمّ الصراع على السلطة أو همّ الدفاع عن مكتسبات خاصة. دينامية قادرة على المساهمة في تطوير الحركة الاستقلالية ومواكبة التحوّلات الجارية في العالم العربي».
وقد أعدّ المجتمعون وثيقة يفترض ان يتم الإعلان عنها يوم الاربعاء المقبل. ادخلت عليها تعديلات في الاجتماع الاول، كما تمّ تعديلها في الاجتماع الثاني وهي ما تزال خاضعة لنقاشات تفصيلية. وفي الوثيقة إصرار على العمل من اجل الوصول الى «لبنان متصالح مع نفسه ومع العصر ومتفاعل مع محيطه العربي المتجدد». ويرى المجتمعون ان الوصول الى ذلك «يحتاج الى أمور أربعة:
- الأول: العمل على وقف مسلسل العنف المستمر منذ أكثر من نصف قرن وإعادة وصل ما انقطع بين اللبنانيين، وذلك من خلال إنجاز مصالحة شاملة بين اللبنانيين على قاعدة الاعتراف بالمسؤولية المشتركة عن الحروب التي دمّرت بلدهم. إذ إن كل فريق منهم احتكم إلى السلاح، في مرحلة من المراحل، لحل خلافه مع الفريق الآخر، أو بدعوى الدفاع عن الذات، كما استعان بقوى خارجية لتلك الغاية، مضحّياً باستقلال الوطن وسيادته. هذا الاعتراف بالمسؤولية المشتركة يتيح لنا إعادة تأسيس عيشنا المشترك على قاعدة العدالة بعد أن فشلنا في تحقيق هذا الأمر في نهاية الحرب على قاعدة قانون للعفو لم يفلح – بمعزلٍ عن تطبيقه الكيفيّ الاستنسابيّ – في طيّ صفحة الماضي.
- الثاني: العمل على إرساء ثقافة جديدة، ثقافة الوصل والعيش مع الآخر المختلف، بعد أن ظل اللبنانيون على مدى عقود أسرى ثقافة عنف وفصل ترى أن توكيد الذات لا يتم الا باستبعاد الآخر المختلف وصولاً الى إلغائه أو استتباعه.
- الثالث: العمل على إعادة تأسيس العيش المشترك الذي هو في أساس العقد الاجتماعي القائم بين اللبنانيين، على شروط الدولة السيدة المستقلّة، المنسجمة مع طبيعة مجتمعها، والحارسة لحقوق المواطن، لا على شروط جماعة طائفية أو حزب سياسي أو دولة خارجية.
- الرابع: تحفيز لبنان للمساهمة في بناء عالم عربي جديد، حرّ وديموقراطي، في إطار سلام دائم وعادل في المنطقة، على قاعدة حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة».
انطلاقاً من هذه الرؤية، يعتبر «المنبريون» أن من واجباتهم «تفعيل الحركة الاستقلالية وتجديد خياراتها وتصويب توجهاتها». ويشدّدون على وجوب «إشراك الطاقات الشابة التي هي اليوم في صلب التحول التاريخي الذي يشهده العالم العربي». ويرون وجوب «تأمين التواصل مع الطاقات الاغترابية التي لعبت دوراً مهماً في انتفاضة الاستقلال».
ولا يخرج «المنبر» عن الشعار الاساس اليوم لـ«14 آذار» فيصوب على سلاح «حزب الله» ومن خلفه ايران وسوريا معاً. فيعتبر ان اللبنانيين «لم يتمكنوا من الانتقال من دولة الوصاية الى دولة السيادة بسبب الانتفاضة المضادة التي قادها النظامان السوري والايراني، بواسطة «حزب الله» والقوى الحليفة». وان «تلك المحاولة الإنقلابية ادت الى انبعاث الحساسيات الطائفية والمذهبية على نحو لم تشهده البلاد منذ توقف الحرب اللبنانية والى شل قدرة الدولة على ممارسة سلطتها».
وبرأي «المنبر» ان «المشروع الانقلابي اصيب بانتكاسة قوية نتيجة موقف غالبية اللبنانيين الرافضة لهذا المشروع وسلاحه غير الشرعي. وقد جاءت التحولات الديموقراطية الجارية في العالم العربي لتُشدّد الحصار على هذا المشروع، من دون ان تضع له حدّاً نهائياً حتى الآن».
هل ينجح «المنبر» في اثبات ديناميته الخاصة ويكون تلوينة متمايزة مستقلة وجاذبة من ضمن «14 آذار»، ام يكون محاولة من محاولات عدة تعثرت ولادتها فماتت قبل أن تبصر النور؟