مناظرة (يوحنا) مع علماء المذاهب الأربعة من كتاب الحقيقة الضائعة للشيخ معتصم سيد أحمد (ص 291 – ص 307)
مناظرة (يوحنا) مع علماء المذاهب الأربعة من كتاب
الحقيقة الضائعة
للشيخ معتصم سيد أحمد (ص 291 – ص 307)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونختم هذا الفصل بمناظرة يوحنا مع علماء الذاهب الأربعة، وهي من أروع المناظرات في هذا الباب، وعلى القارئ أن يتمعن ما فيها من احتجاجات حكيمة وسديدة وقد نقلنا هذه الناظرة من كتاب مناظرات في الإمامة لمؤلفه عبد الله الحسن. قال يوحنّا: فلمّا رأيت هذه الاختلافات من كبار الصحابة الذين يُذكرون مع رسول الله (ص) ـ فوق المنابر عظم عليَّ الأمر وغمَّ عليَّ الحال وكدت أفتتن في ديني، فقصدت بغداد وهي قُبّةُ الإسلام لأُفاوض فيما رأيت من اختلاف علماء المسلمين لأنظر الحقّ وأتّبعه، فلمّا اجتمعت بعلماء الذاهب الأربعة، قلت لهم: إني رجل ذمّي، وقد هداني الله إلى الإسلام فأسلمت وقد أتيت إليكم لأنقل عنكم معالم الدين، وشرائع الإسلام، والحديث، لأزداد بصيرة في ديني.
فقال كبيرهم وكان حنفيّاً: يا يوحنا، مذاهب الإسلام أربعة فاختر واحداً منها، ثمّ اشرع في قراءة ما تريد.
فقلت له: إنّي رأيت تخالفاً وعلمت أنّ الحقّ منها واحدٌ فاختاروا لي ما تعلمون أنّه الحق الذي كان عليه نبيّكم.
قال الحنفي: إنّا لا نعلم يقيناً ما كان عليه نبيّنا بل نعلم أن طريقته ليست خارجة من الفرق الإسلاميّة وكلّ من أربعتنا يقول إنّه محقّ، لكن يمكن أن يكون مبطلاً، ويقول: إنّ غيره مبطل لكن يمكن أن يكون محقّاً، وبالجملة إن مذهب أبي حنيفة أنسب المذاهب، وأطبقها للسنّة، وأوفقها للعقل، وأرفعها عند الناس، إنّ مذهبه مختار أكثر الأمّة بل مختار سلاطينها، فعليك به تَنْجُ.
قال يوحنّا: فصاح به إمام الشافعية، وأظنّ أنّه كان بين الشافعي والحنفي منازعاتْ فقال له: اسكت لأنطقت، والله لقد كذبت وتقوّلت، ومن أين أنت والتمييز بين المذاهب، وترجيح المجتهدين؟ ويلك ثكلتك أمّك وأين لك الوقوف على ما قاله أبو حنيفة، وما قاسه برأيه، فإنّه المسمّى بصاحب الرأي يجتهد في مقابل النصّ، ويستحسن في دين الله ويعمل به حتى أوقعه رأيه الواهي في أن قال: لو عقد رجل في بلاد الهند على امرأة
كانت في الروم عقداً شرعيّاً، ثمّ أتاها بعد سنين فوجدها حاملاً وبين يديها صبيان يمشون ويقول لها: ما هؤلاء؟ وتقول له: أولادك فيرافعها في ذلك إلى القاضي الحنفي فيحكم أن الأولاد من صلبه، ويلحقونه ظاهراّ وباطناّ، يرثهم ويرثونه، فيقول ذلك الرجل: وكيف هذا ولم أقربها قطّ؟ فيقول القاضي: يحتمل أنّك أجنبت أو أن تكون أمنيت فطار منيك في قطعة فوقعت في فرج هذه المرأة(1)، هل هذا يا حنفي مطابق للكتاب والسنة؟
قال الحنفي: نعم إنمّا يلحق به لأنها فراشه والفراش يلحق ويلتحق بالعقد ولا يشترط فيه الوطي، وقال النبي ـ (ص) ـ (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فمنع الشافعي أن يصير فراشاً بدون الوطي، وغلب الشافعي النفي بالحجّة.
ثمّ قال الشافعي: وقال أبو حنيفة: لو أنّ امرأة زُفّت إلى زوجها فعشقها رجل فادّعى عند قاضي الحنفيّة أنه عقد عليها قبل الرجل الذي زُفّت إليه، وأرشى المدّعي فاسقين حتى شهدا له كذباً بدعواه، فحكم القاضي له تحرم على زوجها الأول ظاهراً وباطناً وتثبت زوجية تلك المرأة للثاني وأنها تحل عليه ظاهراً وباطناً، وتحل منها على الشهود الذين تعمدوا الكذب في الشهادة(2)! فانظروا أيها الناس هل هذا مذهب من عرف قواعد الإسلام؟
قال الحنفي: لا اعترضا لك، عندنا أن حكم القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً وهذا متفرع عليه، فخصمه الشافعي ومنع أن ينفذ حكم القاضي ظاهراً وباطناً بقوله تعالى (وأن احكم بما أنزل الله)(3) ولم ينزل الله ذلك.
ثمّ قال الشافعي: وقال أبو حنيفة: لو أنّ امرأة غاب عنها زوجها فانقطع خبره، فجاء رجل فقال لها: إنّ زوجك قد مات فاعتدي، فاعتدت، ثمّ بعد العدّة عقد عليها آخر ودخل عليها، وجاءت منه بالأولاد، ثم غاب الرجل الثاني وظهرت حياة الرجل الأول وحضر عندها فإن جميع أولاد الرجل الثاني أولاد للرجل الأول يرثهم ويرثونه(1).
فيا أولي العقول، هل يذهب إلى هذا القول من له دراية وفطنة؟
فقال الحنفي: إنما أخذ أبو حنيفة هذا من قول النبي (ص): (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فاحتج عليه الشافعي بكون الفراش مشروطاً بالدخول، فغلبه.
ثم قال الشافعي: وإمامك أبو حنيفة قال: أيما رجل رأى امرأة مسلمة فادعى عند القاضي بأن زوجها طلقها، وجاء بشاهدين، شهدا له كذباً فحكم القاضي بطلاقها، حرمت على زوجها، وجاز للمدعي نكاحها وللشهود أيضاً(2)، وزعم أن حكم القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً.
ثم قال الشافعي: وقال إمامك أبو حنيفة: إذا شهد أربعة رجال على رجل بالزنا، فإن صدقهم سقط عنه الحد، وإن كذبهم لزمه، وثبت الحد(3) فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ثم قال الشافعي: وقال أبو حنيفة: لو لاط رجل بصبي وأوقبه فلا حد عليه بل يعزّر(4).
وقال رسول الله (ص) (من عمل عمل قوط لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول)(1).
وقال أبو حنيفة: لو غصب أحد حنطة فطحنها ملكها بطحنها، فلو أراد أن يأخذ صاحب الحنطة طحينها ويعطي الغاصب الأجرة لم يجب على الغاصب إجابته وله منعه، فإن قتل صاحب الحنطة كان دمه هدراً، ولو قتل الغاصب قُتل صاحب الحنطة به(2).
وقال أبو حنيفة: لو سرق سارق ألف دينار وسرق ألفاً آخر من آخر ومزجها ملك الجميع ولزمه البدل.
وقال أبو حنيفة: لو قتل المسلم التقي العالم كافراً جاهلاً قتل المسلم به والله يقول: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(3).
وقال أبو حنيفة: لو اشترى أحد أمه أو أخته ونكحهما لم يكن عليه حد وإن علم وتعمّد(4).
قال أبو حنيفة: لو عقد أحد على أمه أوأخته عالماً بها أنها أمه أو اخته ودخل بها لم يكن عليه حد لأن العقد شبهة(5).
وقال أبو حنيفة: لو نام جنب على طرف حوض من نبيذ فانقلب في نومه، ووقع في الحوض ارتفعت جنابته وطهر.
وقال أبو حنيفة: لا تجب النية في الوضوء(6)، ولا في الغسل(7)، وفي الصحيح: (إنما الأعمال بالنيات)(8).
وقال أبو حنيفة: لا تجب البسملة في الفاتحة(1) وأخرجها منها مع أن الخلفاء كتبوها في المصاحب بعد تحرير القرآن.
وقال أبو حنيفة: لو سلخ جلد الكلب الميت ودُبع طهر وإن له الشراب فيه ولبسه في الصلاة(2), هذا مخالف للنص بتنجيس العين المقتضي لتحريم الانتفاع به.
ثم قال: يا حنفي، يجوز في مدهبك للمسلم إذا أراد الصلاة يتوضأ بنبيذ ويبدأ بغسل رجليه، ويختم بيديه(3)، ويلبس جلد كلب ميت مدبوغ(4)، ويسجد على عذرة يابسة، ويكبر بالهندية، ويقرأ فاتحةالكتاب بالعبرانية(5)، ويقول بعد الفاتحة: دو برك سبز ـ يعني مدهامتان ـ ثم يركع ولا يرفع رأسه، ثم يسجد ويفصل بين السجدتين بمثل حد السيف وقبل السلام يتعمد خروج الريح، فإن صلاته صحيحة، وإن أخرج الريح ناسياً بطلت صلاته(6).
ثم قال: نعم يجوز هذا، فاعتبروا يا أولي الأبصار، هل يجوز التعبد بمثل هذه العبادة؟ أم يجوز لنبي أن يأمر أمته بمثل هذه العبادة افتراء على الله ورسوله؟
فأفحم الحنفي وامتلأ غيظاً وقال: يا شافعي أقصر فض الله فاك، وأين أنت من الأخذ على أبي حنيفة وأين مذهبك من مذهبه؟ فإنما مذهبك
بمذهب المجوس أليق لأن في مذهبك يجوز للرجل أن ينكح ابنته من الزنا وأخته، ويجوز أن يجمع بين الأختين من الزنا، ويجوز أن ينكح أمه من الزنا، وكذا عمته وخالته من الزنا(1)، والله يقول: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم)(2) وهذه صفات حقيقية لا تتغير بتغير الشرائع والأديان، ولا تظن يا شافعي يا أحمق أن منعهم من التوريث يخرجهم من هذه الصفات الذاتية الحقيقية ولذا تضاف إليه، فيقال: بنته وأخته من الزنا، وليس هذا التقييد موجباً لمجازيته كما في قولنا أخته من النسب بل لتفصيله، إنما التحريم شامل للذي يصدق عليه الألفاظ حقيقة ومجازاً اجتماعاً، فإن الجدة داخلة تحت الأم إجماعاً، وكذا بنت البنت، ولا خلاف في تحريمها بهذه الآية، فانظروا يا أولي الألباب هل هذا إلا مذهب المجوسي، يا خارجي.
يا شافعي، إمامك أباح للناس لعب الشطرنج(3) مع أن النبي (ص) قال: (لا يحب الشطرنج إلا عابد وثن).
يا شافعي، إمامك أباح للناس الرقص والدف والقصب(4)، فقبّح الله مذهبك، ينكح فيه الرجل أمه وأخته ويلعب بالشطرنج ويرقص، ويدف، فهل هذا إلا ظاهر الافتراء على الله ورسوله، وهل يلتزم بهذا المذهب إلا أعمى القلب وأعمى عن الحق.
قال يوحنا: وطال بينهما الجدال واحتمى الحنبلي للشافعي، واحتمى المالكي للحنفي، ووقع النزاع بين المالكي والحنبلي، وكان فيما وقع بينهما أن الحنبلي قال: إن مالكاً أبدع في الدين بدعاً أهلك الله عليها أمماً وهو
أباحها، وهو لواط الغلام، لواط المملوك وقد صح أن رسول الله (ص) قال: (من لاط بغلام فاقتلوا الفاعل والمفعول)(1).
وأنا رأيت أن مالكياً ادّعى عند القاضي على آخر أنه باعه مملوكاً والمملوك لا يمكنه من وطئه، فاثبت القاضي أنه عيب في المملوك ويجوز له ردّه، أفلا تستحي من الله يامالكي يكون لك مذهب مثل هذا وأنت تقول مذهبي خير مذهبك؟! وإمامك أباح لحم الكلاب فقبح الله مذهبك واعتقادك.
فرجع المالكي عليه وصاح به: اسكت يا مجسّم يا حلولي، يا حولي، يا فاسق، بل مذهبك أولى بالقبح، وأحرى بالتنفير، إذ عند إمامك أحمد بن حنبل أن الله جسم يجلس على العرش، ويفضل عنه العرش بأربع أصابع، وأنه ينزل كل ليلة جمعة سماء الدنيا على سطوح المساجد في صورة أمرد، قطط الشعر، له نعلان شراكهما من اللؤلؤ الرطب، راكباً على حمار له ذوائب(2).
قال يوحنّا: فوقع بين الحنبلي والمالكي والشافعي والحنفي النزاع، فعلت أصواتهم وأظهروا قبائحهم ومعايبهم حتى ساء كل من حضر كلامهم الذي بدا منهم، وعاب العامة عليهم.
فقلت لهم: على رسلكم، فوالله قسماً إني نفرت من اعتقاداتكم، فإن كان الإسلام هذا فياويلاه، واسوأتاه، لكني أقسم عليكم بالله الذي لا إله إلا هو أن تقطعوا هذا البحث وتذهبوا فإن العوام قد أنكروا عليكم.
قال يوحنّا: فقاموا وتفرّقوا وسكتوا أسبوعاً لا يخرجون من بيوتهم، فإذا خرجوا أنكر الناس عليهم، ثم بعد أيام اصطلحوا
http://www.mezan.net/mostabsirin/Boo...-zaeae-14.html