إِمْبَرَاطُورِيَّةُ الْحَنِينِ: السُّطُوعُ وَالِانْهِيَارُ بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي
إِمْبَرَاطُورِيَّةُ الْحَنِينِ: السُّطُوعُ وَالِانْهِيَارُ
بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي
تَرْقُدُ فِي زَوَايَا الذَّاكِرَةِ مَمَالِكُ لَا تَغِيبُ عَنْهَا شَمْسُ الْأَشْوَاقِ، حَيْثُ تَرْتَفِعُ أَعْمِدَةُ "إِمْبَرَاطُورِيَّةِ الْحَنِينِ" شَامِخَةً بَيْنَ مَاضٍ كَانَ يَضِجُّ بِالْحَيَاةِ، وَحَاضِرٍ يَقِفُ عَلَى أَطْلَالِ الرُّؤَى. إِنَّهَا الْإِمْبَرَاطُورِيَّةُ الَّتِي شَيَّدَهَا الْإِنْسَانُ مِنْ لَبِنَاتِ الطُّفُولَةِ الْمَنْسِيَّةِ، وَنَقَشَ عَلَى جُدْرَانِهَا حِكَايَاتِ الْأَزِقَّةِ الْقَدِيمَةِ فِي "آزَخَ" وَرَوَائِحَ الْأَرْضِ بَعْدَ مَطَرِ تِشْرِينَ. كَانَ سُطُوعُ هَذِهِ الْإِمْبَرَاطُورِيَّةِ يَتَجَلَّى فِي ذَلِكَ الصَّفَاءِ الرُّوحِيِّ، حَيْثُ الْقُلُوبُ مَنَارَاتٌ، وَالْكَلِمَاتُ تَرَاتِيلُ صِدْقٍ تَتَصَادَى فِي أَرْوِقَةِ الْكَنَائِسِ وَالْأَدْيِرَةِ الْعَتِيقَةِ.
فِي مَرْحَلَةِ السُّطُوعِ، كَانَتْ كُلُّ بَسْمَةٍ لِلْغُرَبَاءِ وَطَنًا، وَكُلُّ دُعَاءٍ مِنَ الْأُمَّهَاتِ حِصْنًا مَنِيعًا يَحْمِي الْأَحْلَامَ مِنَ الِانْكِسَارِ. كَانَ الْقَلَمُ حِينَهَا يَغْرِفُ مِنْ مِدَادِ الْيَقِينِ، فَيَكْتُبُ التَّارِيخَ لَا بِحِبْرِ الْوَرَقِ بَلْ بِنَبْضِ الْعُرُوقِ. كَانَتِ الرُّوحُ مَلِكَةً تَتَرَبَّعُ عَلَى عَرْشِ الرِّضَا، تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمَحَبَّةِ، وَتَنْشُرُ عَبِيرَ التَّآخِي فِي كُلِّ مَحْفِلٍ. لَمْ يَكُنِ الْحَنِينُ حِينَهَا أَلَمًا، بَلْ كَانَ طَاقَةً تَدْفَعُ بِنَا نَحْوَ الْعَطَاءِ، وَكَانَ لِلْمَكَانِ وَالْأَيَّامِ قُدْسِيَّةٌ تَفُوقُ الْوَصْفَ.
لَكِنَّ دَوَرَاتِ الزَّمَنِ، بِمَا فِيهَا مِنْ قَسْوَةِ الِاغْتِرَابِ وَزَحْفِ الْمَادِيَّةِ، بَدَأَتْ تَنْخَرُ فِي أَسَاسَاتِ هَذَا الْبِنَاءِ الشَّاهِقِ. هُنَا بَدَأَ الِانْهِيَارُ الصَّامِتُ؛ لَيْسَ بِسُقُوطِ الْأَسْوَارِ، بَلْ بِانْطِفَاءِ الشُّعْلَةِ الَّتِي كَانَتْ تُنِيرُ الدَّرْبَ لِلْمُتْعَبِينَ. تَفَكَّكَتْ أَوْصَالُ الْمَكَانِ بَعْدَ أَنْ هَجَرَهُ أَهْلُهُ، وَصَارَتِ الْإِمْبَرَاطُورِيَّةُ أَشْتَاتًا مُمَزَّقَةً فِي مَنَافِي الْأَرْضِ. لَمْ يَعُدِ الْحَنِينُ جِسْرًا لِلْعَوْدَةِ، بَلْ صَارَ سِجْنًا لِلرُّوحِ، حَيْثُ يَنْهَارُ كُلُّ مَا بَنَيْنَاهُ أَمَامَ سَطْوَةِ النِّسْيَانِ وَجَفَافِ الْعَوَاطِفِ.
إِنَّ هَذَا الِانْهِيَارَ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ هُوَ دَعْوَةٌ لِلْبَاحِثِ وَالْمُؤَرِّخِ أَنْ يُلَمْلِمَ الشَّظَايَا، وَيُعِيدَ تَرْمِيمَ الذَّاكِرَةِ بِقُوَّةِ الْقَصِيدَةِ والنّصِ. فَإِذَا كَانَتِ الْإِمْبَرَاطُورِيَّةُ قَدْ سَقَطَتْ كَجُغْرَافِيَا، فَإِنَّهَا تَبْقَى حَيَّةً كَفِكْرَةٍ لَا تَمُوتُ مَا دَامَ هُنَاكَ مَنْ يَذْكُرُ اسْمَهَا بِفَخْرٍ. سَأبْقَى حَارِسًا لِهَذِهِ الْأَطْلَالِ، أُحَوِّلُ الِانْهِيَارَ إِلَى سُطُوعٍ جَدِيدٍ مِنْ خِلَالِ تَدْوِينِ كُلِّ هَمْسَةٍ وَكُلِّ صَلَاةٍ خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ جُدْرَانِ الْقِدَمِ. فَالْحَنِينُ الحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ نَبْنِيَ مِنَ الرَّمَادِ مَمَالِكَ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ.
إِمْبَرَاطُورِيَّةُ الْحَنِينِ
بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي
تُبْنَى عَلَى عَرْشِ النُّفُوسِ مَمَالِكٌ ... وَيَصُوغُ دَارَ الْعِزِّ فِيهَا حَنِينُ
سَطَعَتْ شُمُوسُ الصَّفْوِ فِي أَرْواحِنَا ... فَأَزَاحَ لَيْلَ شُجُونِنَا التَّبْيِينُ
فَـبِـ"آزَخَ" النَّقْشُ الَّذِي لَا يَنْطَفِي ... وَبِحِضْنِهَا قَدْ ضَمَّنَا التَّحْصِينُ
تِلْكَ الرَّوَائِحُ بَعْدَ طُولِ تَحَسُّرٍ ... فِيهَا الشَّبَابُ يَعُودُ وَالتَّمْكِينُ
صَوْتُ الصَّلَاةِ بِكُلِّ دَيْرٍ صَادِحٌ ... تَرْنِيمُهُ لِلسَّامِعِينَ مَعِينُ
كُلُّ الْقُلُوبِ لِكُلِّ ضَيْفٍ مَنْزِلٌ ... وَالْحُبُّ طَبْعٌ بالنُّفُوسِ مَكِينُ
هَبَّ الزَّمَانُ بِجَيْشِ قَسْوَةِ بَيْنِهِ ... فَارْتَاحَ فِي سَاحَاتِنَا التَّوْهِينُ
هِيَ هَذِهِ الْقَلَعَاتُ بَعْدَ تَنَاثُرٍ ... وَبِجُدْرِهَا لِلْعَابِرِينَ أَنِينُ
عَبَثَتْ بِهَا كَفُّ النَّوَى فَتَفَرَّقَتْ ... لَمْ يَبْقَ إِلَّا الصَّبْرُ وَالتَّدْوِينُ
يَا بَاحِثًا يَجْلُو غُبَارَ كَآبَةٍ ... فَرَمَادُ أَمْسِكَ لِلْبِنَاءِ طَحِينُ
أَنْتَ الْأَمِينُ عَلَى التُّرَاثِ وَمَجْدِهِ ... مَا هَمَّنَا التَّغْيِيرُ وَالتَّهْجِينُ
فَالشِّعْرُ يَحْفَظُ لِلْدِّيَارِ خُلُودَهَا ... وَالْفِكْرُ لِلْحَقِّ الْمُبِينِ ضَمِينُ
سَيَظَلُّ حُبُّكَ لِلْجُذُورِ عِبَادَةً ... وَالْفَجْرُ رَغْمَ الِانْكِسَارِ يَبِينُ
__________________
fouad.hanna@online.de
|