النّميمة أخطر الآفات الاجتماعية
بقلم: فؤاد زاديكي
تُعَدُّ النَّمِيمَةُ مِنْ أَخْطَرِ الآفَاتِ الَّتِي تَنْخُرُ فِي عِظَامِ المـُجْتَمَعَاتِ، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَقْلٍ لِلْحَدِيثِ، بَلْ هِيَ مِعْوَلُ هَدْمٍ يَسْتَهْدِفُ رَوَابِطَ المـَوَدَّةِ، وَقَدْ جَسَّدَتَ في قصيدتِكَ العَمُودِيّةِ هَذَا الخَطَرَ بِاعْتِبَارِهِ مِرْآةً تَعْكِسُ أَدْوَاءَ الأُمَّةِ، فَالنَّمَّامُ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ (شَرُّ البَرِيَّةِ مَنْ يَسْعَى بِمِحْنَتِهَا وَيَزْرَعُ الشَّوْكَ فِي دَرْبِ المـُحِبِّينَا)، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ لِسَانُهُ إِلَى أَدَاةٍ لِإِشْعَالِ الفِتَنِ، فَيَمْشِي بِقَوْلٍ (كَنَارٍ فِي مَوَاقِدِهَا وَيَهْدِمُ الوُدَّ صَرْحاً كَانَ بْانِينا). إِنَّ هَذِهِ الوِشَايَةَ تُمَثِّلُ سُمّاً زُعَافاً يَتَسَلَّلُ إِلَى مَنَابِعِ الصِّدْقِ (فَتَغْتَالَ الطُّهْرَ وَتُحْيِي الغِلَّ فِينَا)، وَكَمْ مِنْ عَلاقَةٍ وَطِيدَةٍ ( كمْ فَرَّقَتْ بَيْنَ خِلٍّ كَانَ يَأْلَفُهُ خِلٌّ، فَصَارَا بَعِيدَ الدَّارِ يُقصِينا). وَمِنْ وُجْهَةِ نَظَرٍ تَارِيخِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ يُمْكِنُنَا القَوْلُ إِنَّ النَّمِيمَةَ تَرْمِي بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ فِي مَقَاتِلِ النَّسِيجِ الاجْتِمَاعِيِّ، (فَتَجْعَلُ الصَّفَّ بَعْدَ الجَمْعِ يُعيينَا، إِذْ تَبْنِي سُجُوناً مِنَ الأَوْهَامِ مُحْكَمَةً (وَتَحْبِسُ العَقْلَ عَنْ حَقٍّ يُجَلِّينا)، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَفَكُّكِ البُنيَانِ الذِي لا يَقُومُ إِلَّا عَلَى الثِّقَةِ المـُتَبَادَلَةِ. وَلِذَا كَانَ لِزَامًا عَلَى المـَرْءِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِيمَا يَنْقُلُ، فَيَا حَامِلَ القَوْلِ (رِفْقًا فِي عَلاقَتِنَا فَالظَّنَّ يُرْدِي وَطِيبُ القَوْلِ يُحْيِينا)، لأَنَّ المـُجْتَمَعَ بُنْيَانٌ إِذَا فُصِلَتْ عُرَاهُ بِالزُّورِ (ذُقْنَا الذُّلَّ تَمْكِينا)، فَالنَّجَاةُ كُلُّ النَّجَاةِ فِي أَنْ يَحْفَظَ الإِنْسَانُ لِسَانَهُ، فَالمـَرْءُ مَنْطِقُهُ، وَبِصَوْنِهِ نَصُونُ (وَطَناً بِالحُبِّ يُحيينَا). إِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ التَّحْلِيلِيَّةَ تَتَجَاوَزُ الوَصْفَ الأَدَبِيَّ لِتَصِلَ إِلَى عُمْقِ الفَلْسَفَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي تَرَى فِي الكَلِمَةِ أَمَانَةً، وَفِي النَّمِيمَةِ خِيَانَةً لِعَهْدِ الإِنْسَانِيَّةِ وَمِيثَاقِ المـُوَاطَنَةِ الصَّالِحَةِ.
ت