شُهَدَاءُ بيت زَبْدَى (آزخ)
بقلم: فؤاد زاديكي
في السنة الثالثة والخمسين من حكم الملك الفارسي شابور الثاني (309–379م)، اقتحم جيش الساسانيين مدينة بيت زبدى (آزخ) بلا إنذار. جُمِع نحو تسعة آلاف من السكان، رجالًا ونساء وأطفالًا، بينهم رجال دين مثل الأسقف (هيليودوروس) والكاهنان (داوسا ومارياهَب)، وشمامسة ونسّاك ومؤمنون من عامّة الشعب، وأُسِرُوا لنقلهم إلى إقليم خوزستان داخل الأراضي الفارسية (Bedjan, 1890–1897; Minov, 1990, ص. 316–317.
كان الأسقف هيليودوروس شخصية بارزة في الجزيرة العليا، معروفًا بالتقوى والورع، واسع الثقافة في الكتاب المقدس واللغتين السريانية واليونانية، ومحبوبًا من المؤمنين في نصيبين والمنطقة المحيطة. لعب دورًا روحيًا ومدنيًا في آن واحد، يقود شعبه ويشرف على شؤون الكنيسة ومؤسساتها، خاصّة في منطقة حدودية معرّضة للخطر مثل بيت زبداي.
خلال رحلة الأسر الطويلة، شعر الأسقف بالتّعب الشّديد ومرض فجأةً. عند وصول الأسرى إلى البلاط الفارسي، أمر شابور الثاني بإحضار هيليودوروس أمامه. دار بينهما الحوار التالي، الذي يوضّح ثبات الأسقف وشجاعته:
شابور الثاني: «أمِن أجلي وأجل مُلكي ترفض أن تسجد للنّار التي تُعطي النور للعالم؟»
هيليودوروس: «النّار مخلوقة، والمخلوق لا يُعبَد. نحن نسجد لِمَن خلق النّار والنّور.»
المصادر السريانية الهاغيوغرافية، خاصّة نصّ Martyrdom of the Captives of Bet Zabdai كما جمعه Bedjan (1890–1897)) تشير إلى أنّ الحوار بين شابور الثاني وهيليودوروس لم يقتصرْ على سؤال واحد فقط، بل كان سلسلةً من الأسئلة والاختبارات الرّمزيّة، كلُّها تهدف لاختبار الولاء السّياسيّ والدّينيّ للأسقف، لكنّها لم تُسجَّل بالتّفصيل الحرفيّ لكلِّ سؤالٍ، بل غالبًا كخُلاصة للأحداث مع التّركيز على موقف الأسقف الثّابت.
وفقًا للنّسخ السريانية:
1. شابور كان يسأل عن الولاء للنّار (الدّين الرسميّ الساسانيّ)، وعن رفض عبادة الأصنام أو القوى الطّبيعيّة، بما في ذلك الشّمس والقمر.
2. كان يسأله ضمنيًّا عن علاقته بروما والمسيحيين الآخرين، بمعنى: «هل أنت عميل لروما أو تخونني بالسّياسة والدّين؟»
3. الهدف من كلّ سؤال كان كشف مدى إيمان الأسقف وصلابته، والتّأكيد على أنّ رفض عبادة النّار يُمَثِّل عِصيانًا سياسيًّا، وليس مجرّد موقفٍ دينيّ.
4. الرّوايات تذكر أنّ هيليودوروس ردّ على كلّ الاختبارات بنفس المبدأ: الإيمان بالخالق وليس بالمخلوق، التّسليم لله وحدِه، والتّمسّك بالكنيسة.
أثار هذا الرّدّ غضبَ الملك، فتمّ وضع الأسقف تحت التّعذيب: الجَلْد بالسّياط، التّعليق من الأيدي والأرجل لساعاتٍ، الضّرب بالعِصي المعدنية، السّجن في ظلامٍ دامس، والحِرمان من الطّعام لأيّامٍ، لكنّه ظلّ ثابتًا، يُصلّي سِرًّا مع الكَهنة ويُعزّي الأسرى قائلًا: «الصّبرُ طريقُ الملكوتِ… والثّباتُ طريقُ الحياةِ الحقيقيّة» (Bedjan, 1890–1897; Minov, 1990, ص. 317–318). تُوفي الأسقف أثناء الطّريق، قبل أنْ ينحني أمام شابور، وترك الكاهن (داوسا) كخليفة لهُ يقود الجماعة بنفس الشّجاعة والثّبات.
أثناءَ المسيرِ، كان الأسرى يُردّدون المَزاميرَ بصوتٍ عالٍ، ما أغضبَ رئيسَ كهنةِ الزّرادشتيّة (آذارپار)، الذي أبلغَ الملكَ بأنّهم يُهينون السّلطة والدّين الرّسميّ، فأمرَ أن يُخَيِّرَ الأسرى بين إنكار إيمانهم أو الموت. قاد (آذارپار) مع نخبة من النّبلاء الفرس وجنود نحو ثلاثمائة مسيحيّ إلى قرية (گپتّا) قرب جبل ماسابدان، وهناك أُعطي الأسرى الاختبار الأخير: عبادة الشّمس والقمر أو الموت. رفض (داوسا) باسم الجميع، مُتَّهِمًا الفرس بحبِّ سَفكِ الدماء ومُعلِنًا تَمَسُّكَه الكاملَ بالمسيحيّة، فنفّذَ الجنودُ الإعدامَ على دفعاتٍ خمسينيّة، بينما نجا خمسةٌ وعشرون شخصًا وامرأةً اختارُوا ترك الإيمان (Bedjan, 1890–1897, ص. 320–321.
ومن بين النّاجين كان الشّماس عبد يشوع، الذي صمد رغم الضّرب، ولجأ إلى منزلِ فقيرٍ، وأعاد مع مُضيفه دفنَ جثث (داوسا) وكهنة آخرين في كهفٍ قريبٍ، وبدأ بالبِشارة بين سكَان القرية. لكنَّ توسّعَ تأثيرِه أغضبَ رئيسَ القرية، فألقى القبضَ عليه وضربه وسجنه، وأمر بقتله في نفس المكان الذي استُشهِد فيه رفاقُه، وأخفِيَ جسدُه تحت أكوام الحجارة، ليُصبحَ الموقعُ معروفًا باسم «قبر عبد يشوع» (Bedjan, 1890–1897, ص. 321–323.
برز أيضًا الشّباب السّبعة من بيت زبدى، رمزٌ آخرُ للصّمود والإيمان، أسماؤهم بحسب الرّوايات السّريانيّة: يوحنا، ألياس، سمعان، هرمز، متى، توما، وبطرس. جُلِدُوا بالسّياط حتى سالتِ الدِّماء، عُلِّقُوا لساعاتٍ طويلة، وضُرِبوا بالعِصيّ المعدنيّة أمام الجماعة، وكلّ ذلك ليكونُوا عِبرةً للآخرين. رغم الألم والتّهديد بالموت، ظلُّوا يردّدون صلواتِهم ومزاميرَهم: «نحن للمسيح، ولن ننكرَ إيمانَنا مهما كان الثّمن»، وأُعدِمُوا في النّهاية بالسّيف على دفعاتٍ، تاركين أثرًا خالدًا في قلوبِ مَنْ شاهدَ صُمودَهم (Bedjan, 1890–1897; Minov, 1990, ص. 322.
لم تقتصرِ المعجزاتُ على الشّهداء وحدِهم، فقد نزلَ عِقابٌ إلهيٌّ على الظّالمين: مات رئيسُ القرية وعائلتُه، وعمّت الكارثةُ المكانَ حين غزتْ أسرابُ الجرذان قناةَ المياه، فعمّ الجفافُ واضطرّ السّكّانُ إلى تَرْكِ القرية مَهجورةً لعُقودٍ. ثم جاء ابنُ الرّجل الفقير، أصلحَ القناة وأقام تذكارًا للشّهداء عند الكهف، وعادت الحياةُ والبركة، وظهرتِ المُعجزاتُ الشّفائيّة خلال الاحتفالات السنويّة. بُني مَزارٌ للشّهداء، ونُقلت إليه عظامُهم، ليظلَّ المكانُ رمزًا للثبات والإيمان (Bedjan, 1890–1897, ص. 324.
قصّةُ شهداء بيت زبدى لم تكنْ مجرّد شهادةٍ على العنف السّياسي، بل كانت درسًا في الصّبر والصّمود، ورمزًا لقوّة الرّوح الإنسانيّة في مواجهة الاضطهاد. ( هيليودوروس، داوسا، عبد يشوع، والشباب السبعة) جَسّدُوا نموذجَ الأسقف المثاليّ والقائد الروحيّ، الذي يقود شعبه، يحمي إيمانه، ويزرع الرّجاء حتى في أحلكِ الظّروف، تاركين إرْثًا خالدًا في الذّاكرة السّريانية وقلوبِ المؤمنين في الجزيرة العُليا وداخل الأراضي الفارسيّة.
________________________________________
المراجع
1. Bedjan, P. (1890–1897). Acta Martyrum et Sanctorum Syriace (Bedjan edition). Paris: Imprimerie Orientale.
2. Minov, S. (1990). Syria Christiana: The Martyrdom of the Captives of Bet Zabdai. Moscow: Nauka.
3. سنكسارات السريانية التقليدية (القرن السادس - الثامن)، تسجيل سير الشهداء وأعيادهم.
__________________
fouad.hanna@online.de
|