عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 09-02-2026, 02:18 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,736
افتراضي [آزخ هًوَارِ لَيكِي] ترنيمة الصّمود ومعجزة الإيمان بقلم: فؤاد زاديكي في غمرة النّوا

[آزخ هًوَارِ لَيكِي]
ترنيمة الصّمود ومعجزة الإيمان

بقلم: فؤاد زاديكي

في غمرة النّوازل، التي عصفت بشعبنا إبّان مآسي "السيفو" عام 1915م، وحينما أحكمت جحافل الجيش العثماني طوقها حول بلدة "آزخ" الصابرة، بقيادة الجنرال عمر ناجي بك، مدعومةً بمرتزقةٍ أعماهم الطمع عن نداء الضمير؛ لم يجد أهل آزخ ملاذاً سوى الاستجارة بملكوت السماء. فتعالت الصيحات من حناجرٍ مخنوقةٍ بعبراتها، تلهجُ بضراعةٍ ويقين: "عَذْرِتْ آزخ هاواري لَيكي"، نداءٌ لم يكن مجرّد استغاثة، بل كان صكَّ تسليمٍ مطلق بأنَّ أمَّ الفادي، العذراء البتول، لن تترجّل عن صهوة نصرتها، وهي التي احتلّت في وجدان الآزخيين عرش القداسة والتبجيل.
لقد تجلّى التدخل الإلهي في تلك الملحمة حين انطلق من سكون البلدة صوتٌ هادرٌ مُرعب، أطلق عليه أهل آزخ اسم "الشَّرْقِهْ". كان صوتًا زلزل الأرض تحت أقدام المعتدين، وألقى في قلوبهم الرعب والهلع، دون أن يُدركوا ماهيّته أو مصدر كُنهه. حتى ظنَّ الجيش العثماني، بآلته العسكرية الضخمة، أنَّ لدى أهل آزخ ترسانةً بريطانيةً حديثة وسلاحًا سريًّا يفوق الوصف ويتفوّق على ما لديهم من سلاحٍ حدبث متطوّر..
وفي كنف المفاوضات التي تلت الصمود، اشترط الجنرال العثماني تسليم ذلك "السلاح المتطوّر"، فقابله الوفد الآزخي بابتسامة الواثقين، مؤكّدين أنَّ آزخ لا تملك سوى بنادق بسيطة وإرادةٍ صلبةٍ تستمدّ قواها من عمق الإيمان، وأنَّ "سلاحهم الفتّاك" هو الحقُّ في البقاء والذّود عن العرض والأرض.
دفع الشكُّ القائد الألماني المرافق للجيش العثماني إلى استقصاء الحقيقة، فاقتحم وفدٌ من الخبراء العسكريين أسوار البلدة، يقتفون أثر الصوت حتى وصلوا إلى قبة الكنيسة. هناك، فتشوا الزوايا وسبروا الأغوار، فلم يجدوا إلّا عبق البخور ونور الإيمان ينبثق من النوافذ؛ فلا مدافع مُخبأة، ولا تِقنيات مجهولة. عندها أدرك القائد الألماني أنَّ ما جرى لم يكن إلّا معجزةً سماوية عجزت عن تفسيرها علوم العسكر، فكانت تلك اللحظة نقطة تحولٍ كبرى في حياته، إذ اعتزل الجندية ليدخل سلك الرهبنة، مترقيًا في مراتبها حتى غدا "بيشوفاً" (كاردينالاً)، وظلّ يروي تلك العجيبة للمطران "حنّا حبّي" في المحافل الكنسية بشهادةٍ حيةٍ على صدق المعجزة.
توّجت تلك العناية الإلهية بالعملية الفدائية البطولية التي قادها "يعقوب إيشوع كَبرِهْ"، شقيق القائد التاريخي "حنّا إيشوع كَبرِهْ"، حيث أطاح الهجوم الليلي المفاجئ بآمال المعتدين، حيث تقابلوا مع بعضهم البعض، وحصلت بلبلة شديدة وفوضى ذهب ضحيتها مىات القتلى تحت جنح الظلام، هم أنفسهم كانوا يقتلون بعضهم، لحالة الحيرة والارتباك التي سادت وسبطرت عليهم وأجبرهم ذلك في اليوم التالي على الانسحاب يجرّون أذيال الخيب، وقد غنم رجال آزخ عدة بواري حديثة الصنع جاؤوا بها إلى اندراوس حنا إيليا لخبرته في السلاح، فشرح لهم كيفية استخدامها.

ومنذ ذلك التاريخ، غدت عبارة "عَذْرِتْ آزخ هاواري لَيكي" أيقونةً محفورةً في وجدان الأجيال، تُردد في الشدائد لتُعيد الطمأنينة للقلوب. غير أنَّ التاريخ علّمنا أيضًا أنَّ هذه النّصرة كانت تقترن دومًا بصفاء اليقين، فكلّما خبا وهج الإيمان في النفوس، كان النّداء يرتدُّ صدىً لا جواب له، ليكون ذلك إنذارًا سماويًّا يدعو الشعب للعودة إلى نبع إيمانه الأول.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس