مَلْحَمَةُ آزخ: السُّورُ العظيم.. واليقينُ الذي هزمَ المستحيل توثيق وبحث: المؤرخ وال
مَلْحَمَةُ آزخ: السُّورُ العظيم.. واليقينُ الذي هزمَ المستحيل
توثيق وبحث: المؤرخ والباحث السرياني الآزخي فؤاد زاديكي
(٢)
في تلك الأيام العصيبة من عام 1915 م، خيّم شبح الموت على "آزخ"، فدبّت في النفوس حالة من الاستنفار القصوى، أطلق عليها أهل البلدة بلهجتهم العريقة اسم "الفَزْعة". كان القلق ينهش الصدور، والأنباء تترى عن إبادة القرى المسيحية المجاورة. وقبل أن تضرب أول مِعْوَلٍ في الأرض لبناء السور، قرر أهل آزخ بالإجماع إرسال وفد إلى "جزيرة ابن عمر" لمقابلة "گبرو خدّو"؛ ذلك السرياني الأرثوذكسي الذي كان يشغل منصب الكاتب في السراي الحكومية، لعلّه يُنير بصيرتهم بما يدور في دهاليز السلطة.
سخريةُ "گبرو خدّو" ونبوءةُ الفداء
في ردهات السراي، وقف وفد آزخ يطرحون فكرة بناء سور يحميهم من "الفرمان" القادم. لكن "گبرو خدّو" -الذي كان يعاني من "لثغة" في حرف الراء- قابل مخاوفهم بتهكم وسخرية لا تُنسى. نعتهم بكلمة "حميغ" (يقصد حمير)، محاولاً إقناعهم بأن الدولة العثمانية ومشيخة الإسلام التي تأسست منذ عام 497 م (واستمرت حتى إلغاء الخلافة في تشرين الثاني 1922 م) لا تستهدف إلا الأرمن.
قال لهم بلهجته المتهكمة: "إتسَووا فِليلي (تسمعون كلامي)، لا تِعمَلوا السُّور و اتْحَسِّسوا الحكومة فيكن". لكن الوفد، الذي كان يدرك أن الحقد الأعمى لا يفرق بين طائفة وأخرى، وأن الشعارات الكردية آنذاك كانت تنادي بـ (پِيڤاز، پيڤازا) - وترجتمها البصل.. بصل، أي أنّ الأمر يشمل كلّ المسيحيين بلا استثناء- ردّوا عليه بحزم: "نِحْنِهْ مُو فِيكْ إنْسِهْ السُّورْ" بمعنى؛ نحن لا نبني السّور من أجلك أو بك،
غادر الوفد، وودعهم "گبرو خدّو" بعبارته التي سجلها التاريخ بمرارة: "هلازخ الزّغّيطين (الزرّاطين) قالْ تِيقاوموا الحكومة". والمفارقة المؤلمة أنّ "گبرو خَدّو" هذا كان الضحية الأولى في الجزيرة؛ فرغم محاولته استعطاف الجلّادين بحمل "القرآن" على كتفه، إلّا أنّهم قادوه مع أربع قيادات مسيحية - بينهم جدّي الشهيد المرحوم القس يوسف لحدو مراد (حدو ستّو) كاهن كنيسة في جزيرة ابن عمر - إلى ضفة الجزيرة حيث أعدموهم جميعاً بدمٍ بارد في مكان بالقرب من جزيرة ابن عمر، يُسمّى (چَمِهْ سُوس) چَمّ السّوس.
المعجزة الإلهية تحت القصف
حين بدأ الهجوم الغادر من لواء عمر ناجي بك، كانت آزخ تحتضن أكثر من ألف شخص من سكانها الأصليين، إضافة إلى نحو 100 عائلة سريانية لاجئة من القرى المحيطة، هربت من سيف البطش. صبّ العدو جام غضبه على دير مار يعقوب، واخترقت "گِلِّة" (طلقة مدفع) جدار الدير المكتظّ بالنساء والأطفال والشيوخ، لكن العناية الإلهية جعلتها تستقرّ في العمق دون أن تنفجر، لتمنع وقوع مجزرة مروّعة.
وفي الجانب الشرقي، حاولت العشائر الكردية بإمرة ضباط أتراك اقتحام البلدة، لكنّهم ارتدوا خائبين، تاركين وراءهم قتلى وجرحى، لتثبت آزخ أنّها "سفينة نوح" التي آوت المظلومين من كلّ حدب وصوب؛ من إسفس وطور عبدين والجبل.
صراع "البواريد": إرادة الجياع ضد ترسانة الإمبراطورية
كان الفارق في العتاد يثير الذهول، فالجيش التركي كان مجهّزًا بأحدث أنواع البواريد التي تتسع لخمس طلقات، مثل: (مِفْتَلّلي، ماويْزَر، چَنْطَلّلي، أَلَمَاني، إنگِيزي، قُون گِره، په شَطَاش). إضافة إلى مدفعية وغيرها من الأسلحة الثّقيلة، أما أبطال آزخ، فلم يكونوا، يملكون سوى بواريد "يوناني" (طلقة واحدة)، وقساطورك وسنگو تركية قديمة (چِرْك) غير فعّالة.
وعندما نفدت الذخيرة، تجلّت عبقرية "الحاجة أم الاختراع"، فصار أهل آزخ يصهرون كل ما تقع عليه أيديهم من نحاس: (أيادي السطول، الطناجر، الملاعق، الأواني السميكة الخ..)، ويخلطونها بروث البقر (السّرقين) لتصنيع "الفشك" يدويًّا. لم يكن لديهم رصاص حقيقي، بل كان لديهم إيمانٌ يَزِن جبالًا، ويجب هنا أن نذكر وأمانةً للتاريخ أنّ أهالي قرية بارمّا الكردية وقفوا طول مدّة الحصار والحرب إلى جانب آزخ فكانوا يمدّونها بالملح والبارود وغيره من حاجات واحتياجات الحياة اليومية، موقف مشرّف لا يُنسى، لكنّ البعض من أهل آزخ نكر هذا الجميل والصنيع الحسن، حين قاموا بمهاجمة بارمّا، بعد انسحاب القوات التركية والعشائر الكردية من محيط آزخ وهذا موقف غدرٍ، غير مغفور.
لقد استحققتِ يا آزخ لقب "البلدة العاصية"، لأنكِ عصيتِ الظلم واستعصيتِ على الفناء، وغدوتِ نموذجًا للتآخي الإنساني، حيث تقاسم الجميع الرغيف والرصاصة، ووقفوا صفًّا واحدًا أمام "سيف البطش العثماني" الذي لم يرحم شيخًا ولا طفلاً، لتبقى قصتكِ ملحمةً ترويها الأجيال عن شعبٍ قهر المستحيل بصدور عارية.
يتبع...
__________________
fouad.hanna@online.de
|