عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 26-02-2026, 11:29 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,824
افتراضي وحدة آزخ وبطولات الفدائيين والعذراء الحامية. فؤاد زاديكي


وحدة آزخ وبطولات الفدائيين والعذراء الحامية

(3)
بقلم: فؤاد زاديكي

كان أهل آزخ يعيشون في انسجامٍ كامل، وحدةٌ لم يعرف لها مثيلاً، حيث اندمجت العقول والأفكار، والقلوب والأرواح في قالب واحد، في شراكةٍ متكاملة ووحدة حالٍ تامّة. لم يكن هناك ما يُميّز بين فرد وآخر، فالكلّ يسير في طريق واحد، يدافع عن الحقّ بالروح والجسد معًا، ويعطي كل ما يملك دون حساب للذات.

في هذه الوحدة العفوية، طبّقوا مبادئ العدالة والمساواة الإنسانية كما لو كانوا تلامذةً للاشتراكية، وإن لم يعرفوا الاسم أو النظرية، بل تعلّموا من التجربة، ومن رحم الحياة اليومية. كانت الإنسانية هي معلّمتهم، والتجربة العملية هي كتابهم، يكتسبون القيم بالعمل لا بالكلام، ويصنعون العدالة بلا تفرقة أو عنصرية، ويتركون إرثًا ثمينًا للأجيال القادمة.

وفي صباح يوم آخر من تشرين الثاني، عاد اللواء عمر ناجي بك ليكرر هجومه، هذه المرة بمحاولة اقتحام البلدة مباشرة من جهة الشمال، والساعة تدقّ الثامنة صباحًا. لكن الجيش التركي اصطدم بحاجزٍ متين من المقاومة، وكأن صخور الدير قد تحولت إلى جيشٍ حي.

من على سطح دير مار يعقوب، حيث كان گورگيس لحدو ورفاقه في الحفرة التي أعدوها، صوّبوا بنادقهم على الغزاة. لقد كانت معركة عنيفة، بنيران كثيفة وقذائف مدفعية، وقد ارتفعت أعداد القتلى والجرحى بين صفوف المعتدين، حتى توقّف تقدّمهم على مسافة أربعة أمتار من سور البلدة. استمرّ القصف، لكنّ إرادة المدافعين لم تتزعزع، حتّى غلبهم الليل، فانسحبوا مُنهكين، حاملين معهم خيبةٍ مريرة.

إنّ نقطة التحوّل الحاسمة جاءت في ليلة الثالث عشر والرابع عشر من تشرين الثاني، حين تسلّلت مجموعة من "فدائيي إيشوع"، بقيادة يعقوب حنّا گَبْره وأدراوس حنّا إيليّا، إلى معسكر الأتراك في الخفاء، وقتلوا الجنود النائمين، ما أحدث فوضى عارمة. ساد الذعر صفوف المعتدين، فأطلقوا النيران على بعضهم البعض، وفرّ كثيرون تاركين أسلحتهم الثقيلة كغنيمة لأهالي البلدة. وهكذا اضطر ناجي باشا لعقد الصلح.

وفي جنح الليل، خرجت مجموعات من أهل آزخ لتفقّد محيط البلدة، فعثروا على بنادق وفشك (ذخيرة) مهملة، فأحضروا الأسلحة إلى القنّاص أندراوس حنّا إيليا، الذي اختبر صلاحيتها وعلّم رجال البلدة استخدامها استعدادًا للمعارك القادمة. لقد كانت الهزيمة التركية كبيرة، وأصابت عمر ناجي بك بالإحباط والمرارة، فقد تحطّمت خبرته العسكرية على صخور عزيمة أهل آزخ، وارتُكِب السقوط تحت عينيه.

كان الحصن المعنوي لأهل آزخ يتعزّز بالمعجزات. فقد رأى بعض الشهود، بمن فيهم الأكراد لاحقًا، ظواهر غريبة: ملائكة راكبة على ظهور خيول تجوب البلدة تحت جنح الليل، تصرخ: "لا تخافوا أيّها الشعب المؤمن، فإنّ أباكم السماوي قد سُرّ بأن يخلّصكم من السّبي والقتل."

لم يكتفِ أهل آزخ بالدفاع فقط, فقد قام العدو ببناء سور مقابل سور البلدة على مسافة ثلاثين إلى أربعين مترًا لمحاولة تسهيل الهجوم، لكنّ إرادة المدافعين لم تُهزم. ظهرت امرأة غامضة في الليل، تهدم كلّ ما بناه الأعداء، تصول وتجول بدون أن تُصاب، لتصبح رمزًا لعذرت آزخ، الحامية الروحية للبلدة. ولذا كان أهل آزخ يرفعون الدعاء قائِلين: "يا عَذْرِتْ آزخ هاواري لََيْكِي"، ويستمدّون منها العون والحماية في أصعب المواقف.

وكان قد رسم القس بهنان هندو (المطران يعقوب بهنان هندو فيما بعد للسريان الكاثوليك) صورة لعذرت آزخ، لتصبح أيقونةً رمزية للبطولة والحماية، تحمل بين تفاصيلها أهمّ معالم البلدة:

1. البيعة


2. سَـسْ ريزاتَا البيظْ


3. مار أوشعيا


4. السّقلان


5. مار يعقوب


6. شرقي


7. عين آزخ


8. اللزج


9. الطابيه


10. حارة الكول



كانت صورة عذرت آزخ بمثابة تجسيد روحي للبطولة، حيث قدماها تمتدّ من أرض البلدة، ويدها اليُمنى ممدودة على الطابيه، واليسرى تسند البيعة، رمزًا للحماية والدعم المستمر، لتظلّ ملهمةً لكلّ من يرفع عينه نحو السماء، ويقف في وجه الظلم والعدوان.

كما كان لأهل آزخ بندقية خاصة تُطلق كلّ ليلة 4–5 طلقات من قبّة بيعة آزخ, تصيب الأعداء بالرّعب، صاخبةً عند إطلاقها ووقعها كالصّاعقة بين صفوف المعتدين، حتى اضطرّ الضابط الألماني (برنارد لويس) العامل مع الجيش التركي نفسه إلى التفاوض مع الأهالي لتسليم هذا السلاح مقابل فكّ الحصار، مؤكدًا أنّ إرادة البلدة أقوى من أيّ مدفع أو جيش.
وبعد هذه الحادثة, وقدوم هذا الضابط الألماني إلى آزخ للتأكد من عدم وجود هذا السلاح الغريب, وعندما لم يجد شيئًا, أيقن أنّ ذلك لم يكنْ سوى أعجوبة إليهيّة, وعلى أثر ذلك ترك الخدمة العسكرية بعد انتهاء الحرب ودخل في سلك الرهبنة, بعد هذه الحادثة بسنوات كثيرة, التقى هذا الضابط - والذي كان أصبح كاردينالًا - المطران حنّا حبّي في أحد اجتماعات السنودس الكنسي, فصار ذكر هذه الحادثة من قبله عندما علم أنّ المطران حبّي هو من منطقة الجزيرة, حدّثه عمّا حصل ورآه بأمّ العين في آزخ عن ظاهرة الصوت الرّهيب الذي كان يصدر عن فتحة من كنيسة العذراء في آزخ أثنار حصار عمر ناجي بك لآزخ في تشرين الثاني من عام 1915م, أصبح كاردينالًا كما أسلفنا قبل قليل, وقد توفي في روما 1965م روى هذا مثلث الرحمات المطران بهنام هندو وتحدّث عنه وعن تاريخ وفاته ومكانها, ليتمجّد اسم الرّبّ
يُتبع ...
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 27-02-2026 الساعة 08:21 AM
رد مع اقتباس