# آزخ.. حين تتكلّم الجبال --- لم يكن أهل آزخ يعرفون شيئاً من فنون الحرب كما تُدرَّس
# آزخ.. حين تتكلّم الجبال
---
لم يكن أهل آزخ يعرفون شيئاً من فنون الحرب كما تُدرَّس في الأكاديميات العسكرية، ولم يسبق لأحدٍ منهم أن طالع كتاباً في استراتيجيات المعارك أو تكتيكات الحصار، غير أنّ الحياة — تلك المعلّمة الصارمة التي لا تمنح شهاداتها إلّا لمن اكتوى بنيرانها — قد منحتهم ما لا تمنحه أرقى الجامعات وأعرق المعاهد؛ منحتهم الحكمة المُقطَّرة من معاناة الأجداد، والبصيرة المشحوذة على أسنّة المحن المتوارثة جيلاً بعد جيل.
كان أغلبهم أمّيين لا يقرؤون حرفاً، بيد أنّهم كانوا يقرؤون الطبيعة والناس والأحداث بعيونٍ أمضى من سيوف المتعلّمين. فما تركه الآباء والأجداد في وجدانهم لم يكن مجرّد ذكريات أو أساطير تُروى على ضوء الموقد في ليالي الشتاء الباردة، بل كان وصايا محفورة في الأعماق، ودروساً مؤلمة تحوّلت على مرّ السنين إلى غريزة جماعية، إلى نوعٍ من الذكاء الفطري الجمعي الذي يستيقظ حين يُطرق باب الخطر.
وحين يُحاصَر الإنسان بين الوجود والفناء، حين يجد نفسه أمام الهاوية وجهاً لوجه، تنبثق في أعماقه ينابيع لم يكن يعلم بوجودها؛ يصدق حينئذٍ القول المأثور: *الحاجة أمّ الاختراع*، إذ يصير الفكر سيفاً والضرورة دِرعاً. وهذا بالضبط ما حدث حين أطبق الجنرال العثماني عمر ناجي بك بجيشه على تلك البلدة الصامدة كالصخر.
---
جاء عمر ناجي بك من ولاية يسكنها أكراد جزيرة ابن عمر، يحمل في جعبته اتهاماتٍ ملفَّقة ودعاوى مُزوَّرة، أشبه ما تكون بالسهام المسمومة التي تُطلَق في الظلام. زعم هؤلاء أنّ آزخ تؤوي في أحضانها فدائيين أرمناً، أعداء الدولة العثمانية وعملاء روسيا الغازية، وأنّها تشنّ غاراتٍ على القرى الكردية المسلمة المجاورة. اتهاماتٌ باطلة من ألفها إلى يائها، لكنّها كانت كافية لإشعال نار الحقد في صدر الجنرال وإعطائه المسوّغ الذي كان يبحث عنه.
كانت مهمّة عمر ناجي بك الأصلية تقضي بالتوجّه إلى البصرة، حيث كان القائد خليل باشا يخوض مواجهةً شرسة مع القوات البريطانية في العراق. لكنّ إغراء سحق بلدةٍ مسيحية صغيرة كان أقوى من صوت الواجب العسكري، فانحرف عن مساره كما ينحرف الغيمة المثقلة بالرعد عن طريقها حين يستجلبها الهواء. وما كان يدري أنّ آزخ لم تكن وحلاً ستغرق فيه قدماه فحسب، بل كانت صخرةً ستتكسّر عليها طموحاته وكبرياؤه، وأنّ هذه البلدة الهادئة الوادعة ستعلّمه درساً لم تستطع كلّ أكاديميات الحرب في العالم أن تعلّمه إيّاه.
حشد الجنرال جيشه المدجّج بأسلحة العصر، واستقطب إلى جانبه العشائر الكردية التي تدفّقت من كلّ جهة الأفق، تلبيةً لنداءٍ قديم يحمل رائحة الحقد الموروث على مسيحيي هذه المنطقة. لم تكن تلك المرة الأولى التي تُحاط فيها آزخ بهذا الغضب الجاهل، فقد سبق لأعدائها مراراً أن حاولوا كسر إرادة أبنائها وإخماد جذوة روحهم، غير أنّهم في كلّ مرة كانوا يعودون أدراجهم يجرّون أذيال الهزيمة والخزي، يمضغون مرارة الخيبة بأفواهٍ لا تزال تتذوّق طعم الكبرياء المهشَّم.
---
كانت آزخ شعباً قليل العدد يقف في وجه جيشٍ جرّار، وسلاحاً قديماً يواجه أحدث ما أنتجته مصانع الحرب. كان المشهد بكلّ المقاييس العقلية يوحي باليأس المطبق، وكان الصمود أمام هذه الأهوال يشبه الانتحار بالمنطق الحسابي الجافّ. بيد أنّ الخيار لم يكن بأيدي أهل آزخ، فالحرب فُرِضَت عليهم فرضاً، وجاءتهم في عقر دارهم دون استئذان. لم يكن أمامهم سوى طريقين: إمّا المقاومة حتى آخر رمق، وإمّا الاستسلام الذي كانوا يعرفون جيداً ما يعنيه.
وكانوا يعرفون ذلك لأنّ الأخبار المرعبة كانت تصل إليهم من القرى المسيحية المجاورة التي سقطت واحدةً تلو الأخرى، كالقمح المحصود تحت المنجل. أخبارٌ تقشعرّ لها الأبدان وتشيب لها رؤوس الأطفال، عن مذابح جماعية وسبايا وأعراضٍ مُهتَكة وأجساد طُرحت في العراء دون دفن.
فكان سلاحهم الأوّل من كلّ شيء هو الإيمان، إيمانٌ راسخ كجبالهم الشمّاء بأنّ الله الذي صنع العدل لن يتخلّى عن شعبٍ يدافع عن بيوته وكنائسه وأضرحة أجداده وعن حقّه في الوجود على هذه الأرض التي شقّ فيها آباؤه التراب بأظافرهم.
---
## مصير القرى المجاورة.. الجرح الذي عجّل الحسم
قبل أن تستعرّ نيران الحصار على آزخ، كانت قرى المنطقة المسيحية قد تجرّعت كأس المأساة واحدةً واحدة، وكانت أخبار ما حلّ بها تتسرّب إلى آزخ كالدم يتسرّب تحت الباب المغلق.
كانت قرية **گارسا** المسيحية الهادئة لا تبعد عن آزخ أكثر من ساعة سيرٍ بين الجبال والسهول. ذات صباحٍ من صباحات القهر، دخلها شاويشٌ اسمه إسماعيل، قادماً من جزيرة ابن عمر مع رجاله المسلّحين. لم يكن هذا الرجل جندياً يخدم وطناً أو ينفّذ قانوناً، بل كان أداةَ ظلمٍ مجرّدة تتشكّل كيف شاء لها الحقد والهوى.
بدأ بمختار القرية وأعيانها؛ أوثقهم وعلّقهم من أرجلهم، ثمّ أمطرهم بالضرب المتواصل حتى نزّ الدم من تحت أظافر أقدامهم ورشح على الأرض الحجرية بقعاً سوداء. وحين أقبل المساء بظلامه الذي لم يأتِ هذه المرة رحمةً بل ستاراً لجريمةٍ أعمق، أمر بجمع نساء القرية وفتياتها، من لم تبلغ العاشرة من عمرها حتى من تجاوزت الخامسة والأربعين؛ الأمّهات والبنات والأخوات والعذارى. علّقهنّ منكوساتٍ من أرجلهنّ، وانهالت عليهنّ العصيّ والجلد في وحشيّة لا تصدر عن إنسانٍ في صدره قلب، ثمّ سُلِّمت هؤلاء النساء المنهكات المكسورات إلى الجنود لتمضية الليل في نهب ما لم يُنهَب بعد من كرامتهنّ. وحين طلع الفجر وغسل الظلام، كان قد غسل معه أرواح النساء، إذ أُعدِمت الناجيات بدمٍ بارد أمام عيون الجبال الصامتة.
أيّ إنسانٍ هذا الذي لا يرتجف وجدانه أمام هذا الهول؟ وأيّ حقدٍ هذا الذي لا يشبع حتى بعد أن يأخذ كلّ شيء؟
ثمّ جاء دور **كوفخ**، تلك القرية الوليدة التي أنشأها أهل آزخ حين امتلأ حضن البلدة وضاق بأبنائها المتكاثرين. لم تكن تبعد عن آزخ أكثر من نصف ساعة على الأقدام، غير أنّ تلك النصف ساعة لم تكن كافية لحمايتها من العاصفة ذاتها. فلقي أهلها المصير المرّ نفسه الذي ذاقه أهل گارسا، ولم يُفرّق الجلّاد في شهيّته للدم بين القريتين.
وبذلك رُسِمَت أمام عيون أهل آزخ الصورة كاملة: الاستسلام لا يعني الأمان، بل يعني تسليم الرقاب إلى السكاكين بأيدٍ مرتجفة، ودفع ثمن الاستسلام أغلى بكثير من ثمن المقاومة. وهكذا اتّخذوا قرارهم الأوّل من قرارات البقاء: **لن يُسلَّم السلاح، مهما كانت التهديدات ومهما تلوّنت الوعود.**
---
## إيشوع حنّا گبری.. حين تتكلّم الكرامة بالرصاص
في تلك الأيام السوداء التي سبقت الحصار الكبير، وفد الشاويش إسماعيل بنفسه إلى آزخ، ربما ظنّ أنّها قرية كسائر القرى، تلين حين تُهدَّد وتنكسر حين تُضرَب. نزل ضيفاً ثقيلاً في بيت رجلٍ اسمه **إيشوع حنّا گبری**، وشرع يُسجّل أسماء الشباب والرجال تمهيداً لتجنيدهم في صفوف الجيش العثماني الذي كان يُريق الدم بكلتا يديه. وحين أحسّ الشباب والرجال بما ينتوي هذا الشاويش، فرّوا إلى الجبال والأودية والكهوف، وتفرّقوا في الأرض كالغيم حين يفرّق بينه الريح.
غضب الشاويش ولم يصبر على الخيبة. أقدم على هدم بيوت في آزخ انتقاماً وإرعاباً، ثمّ لجأ إلى سلاحه المُفضَّل: أخذ نساء الهاربين وأبناءهم رهائن، وعلّق النساء منكوساتٍ يتدلّين في مهانةٍ مقصودة، وهوى عليهنّ الضرب بلا رحمة ولا حياء.
أمّا البطل إيشوع، فكان من المطلوبين أصلاً، يُقيم مختبئاً في وادي إسفس القريب، لكنّه كان يتسلّل إلى بيته تحت جنح الليل كالطيف، يطمئنّ على أهله ثمّ يعود إلى مخبئه قبل أن يُسبَق الفجر. تلك الليلة بالذات كان في بيته حين هجم الجنود وأحكموا الطوق.
سألوا زوجته: أين زوجك؟
أجابت بهدوء المرأة التي تحمل سرّها كأمانة: لا أعلم أين هو، وليس هنا.
كان ذلك كافياً ليأمر الشاويش بتعليقها من رجليها، رأسها إلى الأسفل، كاشفةً أمام أعين الجنود في استباحةٍ مقصودة للعرض والكرامة.
وكان إيشوع يرى ذلك كلّه من مخبئه.
لحظةٌ واحدة كانت كافية.
لم يحسب إيشوع في تلك اللحظة عدد الجنود ولا حجم الخطر ولا موازين القوى. كان ثمّة شيءٌ واحد فقط يملأ عينيه وعقله وكيانه كلّه: زوجته معلّقة، وناموسه يُداس، وشرفه يُهان على مرأى من الجبال والسماء. وتلك لحظة تتجاوز فيها الكرامة كلّ حساب.
اندفع إيشوع كالعاصفة، ضرب الباب بقدمه فانكسر أمامه، وهجم على الرجال الخمسة بيديه وبما وجد من سلاح. انتهت المواجهة بسرعة القدر؛ أربعةٌ من الجنود سقطوا، والخامس فرّ يشقّ الليل بأقدامه نحو النجاة.
عاد إيشوع إلى وادي إسفس، لكنّه لم يعد وحيداً؛ عاد يحمل في صدره يقيناً راسخاً بأنّ المرحلة القادمة ستكون مختلفة تماماً. أرسل رسالةً إلى رجال آزخ يقول لهم فيها بصريح العبارة: *اقتلوا من عندكم من الجنود، فالفرمان بإبادة المسيحيين قد صدر ولا عودة عنه.*
أجابه الرجال مستنكرين: أتريد أن تُخرّب بيوتنا؟!
ردّ عليهم إيشوع بكلمةٍ لا يزال صداها يتردّد بين جبال آزخ: *هي أصلاً خُرِّبت.*
---
وكان إيشوع على حقّ.
فما لبثت قرية **إسفس** أن لقيت مصير كوفخ وگارسا، وتدفّق نحو مائتي لاجئٍ منها إلى آزخ يحملون على وجوههم ما لا تستطيع الكلمات وصفه من ذعرٍ وألم وفقدان. استقبلتهم آزخ بذراعيها المفتوحتين، وأدارت وجهها صوب القادم من أيام، تستعدّ لما هو أكبر وأعسر.
كان الحصار يقترب، وكانت آزخ تشحذ سلاحها الأوّل: إرادة الصمود، تلك الإرادة التي لا تُصنَع في المصانع ولا تُشترى في الأسواق، بل تُولَد في رحم المعاناة وتُصقَل على نار المحن الكبرى.
---
*يتبع...*
__________________
fouad.hanna@online.de
|