عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 03-03-2026, 11:16 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,891
افتراضي

ملحمة آزخ البطولية
أيام السيفو ١٩١٥م

بقلم: فؤاد زاديكي
(٤)

حين تتحوّل الحجارة إلى إرادة

الجذوة التي لا تُطفأ

في تلك الأيام التي كانت فيها الأخبار تسبق الريح وتفوق في قسوتها كلّ تصوّر، حين صارت الحكايات القادمة من القرى المجاورة أشبه بنعواتٍ جماعية تُقرأ على أسماع الأحياء، كانت آزخ تقف على مفترق طريقين لا ثالث لهما: أن تستسلم فتموت، أو أن تقاوم فتحيا أو تموت واقفة. واختارت آزخ ما اختاره الأحرار منذ فجر التاريخ.

لم تكن القرارات التي اتّخذتها آزخ في تلك الأيام المصيرية وليدة لحظةٍ عابرة، بل كانت ثمرةً لوعيٍ عميق نبت في صدور رجالها وشيوخها ونسائها. فحين توالت الأنباء المروّعة عن مصائر القرى المسيحية التي سلّمت سلاحها إطاعةً لأوامر الدولة، حين سُمع صوت الاستغاثة يتصاعد من وراء الجبال وينطفئ فجأةً كما تنطفئ شمعةٌ في مهبّ الريح، أدرك أهل آزخ أنّ التسليم ليس أمانًا، بل هو الطريق الأقصر إلى الهاوية. وهكذا أبت آزخ أن تُلقي سلاحها، وكان في ذلك الإباء حكمةٌ لم يرها إلّا من خَبِر الغدر وحفظ دروسه في قلبه.

الجدار الذي وُلِد من الإرادة

كان القس موسى كتى يجلس بين زعماء البلدة حين نطق البطل إيشوع حنّا گَبْرِهْ بالفكرة التي غيّرت مسار الأحداث، فوافقه على الفور. فكرةٌ بسيطة في ظاهرها، عميقةٌ في مغزاها: أن يُشيّد حول آزخ سورٌ من حجارة الجبال، يَحُول دون تسلّل الغُزاة ويجعل من البلدة قلعةً صغيرة يصعب اقتحامها.

تردّدت الفكرة في الهواء للحظاتٍ، ثم أشعلت نقاشًا مُحتدمًا بين الحاضرين. قال المتشكّكون بصوتٍ فيه شيءٌ من اليأس المبرّر: "كيف لنا أن نُتِمّ هذا في وقتٍ يتقلّص كالغنيمة بين أيدينا؟ الأحوال تسوء يومًا إثر يوم، والوقت يجري كالماء من بين الأصابع." لكنّ آخرين أجابوا بصوتٍ هادئٍ يحمل بريق الأمل: "المحاولة، على قصورها، أشرف من الاستسلام. وإن لم نَبْنِ جدارًا من حجارة، فلنبنِ على الأقلّ جدارًا من الأمل يسند ظهورنا." وفي نهاية المطاف، كما تجتمع مياه الأنهار في مجرى واحد، اجتمعت الآراء على قرارٍ واحد: يُبنَى السور، وتُحصَّن آزخ.

وما إن أُعلِن القرار حتى تحوّلت البلدة كلّها إلى ورشةٍ لا تعرف الكلل. انبثق العمل من كلّ زاوية، وامتدّت الأيدي نحو الحجارة كأنّها كانت تنتظر هذه اللحظة. كان الرجال يشقّون صدر الجبل بمعاولهم، يقتطعون الصخر ويحملونه على أكتافهم العارية، والعرق يسيل على وجوههم كأنّه دموعٌ تتحوّل إلى فعلٍ. وكان الشيوخ، أولئك الذين أنحنت ظهورهم تحت ثقل السنين، يقفون على الجانبين يُناولون الحجارة ويرفعون الأكفّ بالدعاء والتشجيع، وكأنّ حكمتهم المتراكمة عبر العقود صارت طاقةً تُضخّ في عروق الشباب.

أمّا النساء، فكنّ في كلّ مكان. كنّ يملأن السلال بالحجارة الصغيرة، ويعجنّ التراب بالماء بأيديهنّ حتى يكون مزيجٌ يُحكم اللحمات ويصمد أمام الريح. وكنّ يُعِدن الطعام للعمّال، ثم ما تكاد أواني الطعام تُوضع حتى يعدن إلى صفّ البنّاءين يعملن جنبًا إلى جنب مع الرجال، لا فرق بينهنّ وبين الرجال إلّا في الجسد، أمّا في العزيمة فكنّ سواء.

كان السور يرتفع حجرًا فوق حجر، ومع كلّ حجرٍ كانت ترتفع إرادة البلدة درجةً أخرى نحو السماء. ولم يكن مَن يراه يَشكّ في أنّ هذا البناء لم يُشيَّد بالحجارة وحدها، بل بكلّ ما في الصدور من خوفٍ تحوّل إلى شجاعة، ومن يأسٍ قاوم نفسه حتى صار أملًا. أُتِمّ السّور في سرعةٍ تحدّت المنطق وأذهلت الخيال، وهو يحيط بآزخ من جميع الجهات، ويقال إلا جهةً واحدة كانت الطبيعة قد بنت فيها دفاعها منذ أزل. لقد بقيت من ذلك السّور ثلاثة صفوف من الحجارة البيضاء شاهدةً على تلك الحقبة طويلًا بعد أن انتهت، تُذكّر كلّ من يمرّ بها بأنّ شعبًا صغيرًا استطاع، حين أراد بحقٍّ، أن ينحت قدره من صخرة الجبل.

وفدٌ يحمل الكذب مُغلَّفًا بالطمأنينة

بلغ خبر السّور الأسماع التي كانت لا تريد له أن يُبنى. فما إن ذاع في الأوساط التركية وبين زعماء العشائر أنّ آزخ تُحصّن نفسها وتُعلن رفضها التسليم، حتى تحرّكت المصالح وتوتّرت الحسابات. أُرسِل وفدٌ تعلو وجوهه ابتسامات الودّ، وتنضح كلماته بالطمأنة، يتقدّمه رجلٌ يعرف أهل آزخ جنسه وأصله: كبرو خدّو أفندي، السرياني الأرثوذكسي الذي آثر أن يكون قلمًا في يد السّراي، يكتب ما يُملَى عليه ولا يُسأل.

دخل الوفد ساحة البلدة، حيث اعتاد الناس أن يجتمعوا لفضّ النزاعات ومناقشة شؤونهم. لكنّ الجلسة هذه المرّة لم تكن عادية. كانت عيون الطرفين تتبادل الرسائل قبل أن تبدأ الكلمات، وكان في الهواء شيءٌ من التوتّر الصامت الذي يشعر به الجميع ولا يُسمّيه أحد.
انتصب رئيس الوفد وشرع يُسبِغ على كلامه لَبُوس اللطف والطمأنينة: "أيّها الإخوة، لا مكان للخوف في قلوبكم. الحكومة لم تَنْسَكم، والوعد الذي قُطع لكم لا يزال قائمًا وصادقًا. أنتم تحت الرعاية والحماية، وما وصلكم من أخبار فيه كثيرٌ من المبالغة وقليلٌ من الحقيقة."

كانت كلماته تنساب بيُسر، لكنّها كانت تسقط على الأرض ميّتةً، لأنّها كانت تصطدم بذاكرة حيّة لا تَنسَى ما رأت ولا تُصفِح عمّا سمعت. تبادل زعماء آزخ نظراتٍ عابرة كانت في حقيقتها محادثةً كاملة، ثم تقدّم أحدهم ليُجيب بصوتٍ لم يرفعه غضبًا ولم يخفضه خجلًا:

"أيّها القادمون إلينا بالوعود، نحن لم نرفض الحماية لأنّنا لا نريدها، بل رفضنا أن نثق بمن رأيناه يُوزّع الوعود بيدٍ ويسلّ السيف باليد الأخرى. لقد وعدتم جميع السريان بالأمان، وأشهدتم السماء والأرض على تلك الوعود. ثم ماذا؟ امتدّت المذابح من حدود العجم إلى بدليس وسعرت والجزيرة، وطالت قرانا واستنزفت دماء أهلنا. كيف تطلبون منّا الآن أن نُغمِض أعيننا عن كلّ ذلك ونصدّق ما تقولون؟"
ثم صمت لحظةً وأكمل بنبرةٍ أكثر جزمًا، كأنّه يُقرأ إعلانًا لا يقبل التعديل:
"بلّغوا مَنْ أرسلكم: نحن لم نَعتَدِ على أحد، ولم نبدأ بقتالٍ يومًا. لكنّنا قرّرنا أن ندافع عن أرواحنا وأعراضنا وبيوتنا بكلّ ما نملك. الموت أو الحياة الكريمة، وليس بعد هذا حديث."

عندها أطلّ كبرو خدّو بابتسامةٍ ساخرة تُخفي شيئًا من الاستخفاف، وهو يهزّ رأسه كمن يستغرب ما يسمع:
"أهل آزخ الزُرّاطين يقولون إنّهم سيقاومون الحكومة؟ كيف تستطيعون ذلك؟" وعادت الكلمات إليه وهو يكرّرها في سخريةٍ ثقيلة: "قالوا سيقاومون الحكومة، قال!"
فأجابه رجال آزخ في هدوءٍ أبلغ من كلّ صخب:
"نحن نبني سورنا بأيدينا لا بأيديك. ولسنا بحاجة لنصيحتك ولا لإذنك."

وانقضت الجلسة. وغادر الوفد آزخ بخفّي حُنين، حاملًا إجاباتٍ لم يكن يتوقّعها، ومُحرَجًا أمام مَنْ أرسله. أمّا آزخ، فاكتملت في قلوبها الحجج الأخيرة التي تُثبِت أنّها لم تُخطئ حين اختارت طريق المقاومة.

فجر الأوّل من تموز.. حين كُسِرَ الصّمتُ

في الفجر الشّاحب ليوم الأوّل من تموز عام خمسة عشر وتسعمائة وألف، حين يكون العالم بين النوم واليقظة وتكون الأسرار في أوضَح صورها، فتح الغُزاة فصلًا جديدًا في مواجهتهم مع آزخ. لم يعد الأمر تهديداتٍ تُرسَل عبر وفود، ولا وعودًا تُنقَض ثم تُجدَّد. صار الحصار لحمًا ودمًا: عشائر كردية مسلّحة تملأ التلال والمرتفعات المحيطة، والبنادق مصوّبة نحو السّور الذي لم يجفّ طينه بعد.
ما إن أسفر النّهار حتى انطلق الهجوم الأوّل. كانت الموجات البشرية تندفع نحو السّور كأنّها مياه سيلٍ جبلي لا يعرف حاجزًا، وتصاعدت من حناجرهم صرخاتٌ تخترق الصمت الصباحي: "هيريشا! هيريشا!" تلك الكلمة الكردية التي تعني الاندفاع والاقتحام والإغارة. كانت تتردّد بين الصخور كأيقاعٍ حربي يُهيّج النفوس ويُشعل الدم، تصاعدت حتى ملأت الوادي وارتدّت من صدى الجبال متضاعفةً.
ظنّ المهاجمون أنّ الهجوم المتزامن من جميع الجهات كفيلٌ بشلّ المدافعين، وأنّ عدد الرجال المندفع نحو الأسوار كافٍ لكسر أيّ مقاومة. تصوّروا أنّ ساعاتٍ قليلات ستكون مدّتها كافيةً لرفع الرايات فوق سطح أعلى بيتٍ في آزخ. لكنّهم لم يحسبوا للإرادة حسابًا، ولم يُدخِلُوا في حساباتهم أنّ الرجال الذين يقفون خلف ذلك السّور لا يملكون خيار التراجع، ولا يجدون خلفهم شيئًا يعودون إليه إن انكسروا.
كان المدافعون يقفون كتفًا إلى كتف، صامتين إلّا من صوت الأنفاس المتسارعة ودقّ القلوب. وحين اقترب الغزاة من السّور، انبثق الردّ حاسمًا: رصاصٌ لا يُهدَر، يُصاب به من يُصاب وتُخسر به من تُخسر. سقط أوّل القتلى من المهاجمين، وسقط بعده الثاني والثالث، وتكوّمت الأجساد على السفوح الحارّة دون أن يجرؤ أحدٌ على سحبها في وهج المعركة. ومع ذلك لم تنكسر موجات الهجوم، بل تجدّدت مرّةً بعد مرّة، كلّ موجةٍ تُشعِلها صيحاتٌ جديدة وتُوقدها رغبةٌ في أن لا يُقال إنّهم انهزموا أمام قريةٍ صغيرة.
وهكذا مضى اليوم الأوّل ثم الثاني، والسّور ما يزال قائمًا، والمهاجمون يُكدِّسون موتاهم ويُعِيدون ترتيب خطوطهم، وآزخ تعدّ جراحها وتشدّ على ألمها وتُعيد تحصين المواقع المهدَّدة. وتكرّر المشهد سبعة أيام كاملة، كلّ يومٍ منها كان أشدّ قسوةً من سابقه، وكلّ ليلٍ كان يحمل في جعبته هجماتٍ مباغتة تُحاول أن تجد في الظلام ما عجزت عنه في النهار.

في اليوم السابع، وقد تراكمت الخسائر في صفوف العشائر حتى باتت أرقامًا مُحرجة لا يُباهى بها، كانت "هيريشا" التي كانت تنطلق كصواعق أوّل الأمر قد صارت تخرج من الحناجر خافتةً كأنّها آهةٌ أكثر منها صرخة حرب. ومع ذلك استمرّت الموجات تتكرّر وتتكسّر على السّور الذي لم يتزحزح.

حين يتحوّل الطوق إلى خنادق

لم يجد زعماء العشائر، حين جلسوا يُعدّون خساراتهم ويجمعون قتلاهم، بُدًّا مِنَ الاعتراف بأنّ ما تصوّروه فَتحًا سريعًا قد تحوّل إلى مأزقٍ مُحرِج. كانت آزخ لا تزال قائمةً وكأنّها تسخر من كلّ وعدٍ قطعوه على أنفسهم بإسقاطها. عندئذٍ قرّروا أن يُغيّروا الأسلوب: لا اقتحامًا بعد اليوم، بل خنقًا بطيئًا. أمر قادة الحصار بحفر خنادق تحيط بالبلدة من كلّ الجهات، وإقامة استحكاماتٍ متينة يُدار منها حصارٌ مُستدام يُنهِك المدافعين ويُجفّف مخازنهم ويُحوِّل آزخ إلى جزيرةٍ معزولة في بحرٍ من الأعداء.
غاصت المعاول في التراب، وشُقّت الخنادق كجراحٍ طويلة تتسلّل حول أطراف البلدة. وبدأت مرحلةٌ جديدة من المواجهة، أقلّ اندفاعًا في الظّاهر، لكنّها أعمق خطرًا في الجوهر. كان القصف يبدأ مع بزوغ الفجر ولا ينتهي إلّا بهبوط الليل، والهجمات الليلية تُكمِل ما عَجِز عنه النّهار. صارت آزخ تستيقظ على صوت الرصاص وتنام على ترقّب خطوةٍ غريبة في الظّلام، والأعصاب تُشَدّ كأوتار عودٍ يُوشِك أن ينكسر.
وهكذا مضت أربعون يومًا. أربعون يومًا كاملة كانت فيها آزخ محاصَرةً من كلّ جانب، لا يَصلها زادٌ من الخارج ولا يخرج منها أحدٌ دون أن يُخاطِر بحياته. أربعون يومًا والسّور لم يُقتحَم، والبلدة لم تُكسَر، وإرادة المدافعين لم تتزعزع وإنْ أنهكتها السّهرات الطويلة والجروح التي كانت تُلفّ ثم يُعاد الوقوف بها مباشرةً.
لكنّ الأربعين يومًا كانت تُكدّس في صفوف المهاجمين خسائر تجاوزت كلّ تقدير. تكدّست الجثث على السّفوح حتى عَجِزوا عن دفنها جميعًا، وفاحت روائح الموت مُمتزجةً برائحة التراب الحارّ والدم الجافّ، تملأ الهواء وتُثقل الصُدور قبل أن تُثقِل الأنوف. وبدأ رجال العشائر الذين جاؤوا بطموحٍ وتفاخُر قبلي ينظرون إلى بعضهم ببصرٍ يحمل سؤالًا لا يُريدون الإجابة عنه: هل يستحقّ الأمرُ كلّ هذا؟

انسحابٌ بِلا شَرف وانتصارٌ بلا طبُول

في الخيمة الكبيرة حيث اجتمع زعماء العشائر للمرّة الأخيرة، لم يكن على الطاولة هذه المرّة حديثٌ عن اقتسام أحياء آزخ وتقسيم غنائمها. كان على الطاولة سؤالٌ مؤلمٌ واحد: كيف ننسحب دون أن يُقال إنّنا فررنا؟ وكان الجواب في طيّات السؤال ذاته: لا يوجد انسحابٌ مُشرّف من معركة خسرتها أمام أناسٍ آثَروا الموت الكريم على الحياة الذليلة.

أُعلِن القرار. انسحبت العشائر بمقاتليها ورحلت عن آزخ كما يرحل الموج المنكسر عن صخرةٍ لم تتأثّر بارتطامه إلّا بعلامةٍ بيضاء تشهد أنّه كان هنا وأنّه لم يُفلِح. كان الانسحاب خاويًا من الكبرياء الذي جاؤوا به، ثقيلًا بخسارةٍ تتجاوز عدد القتلى لتطال شيئًا أعمق: الثّقة بأنّ القوّة العددية وحدَها غيرُ كافيةٍ لإخضاع من قرّر أن يكُون حرًّا.

وأشرقت الشمس على آزخ في ذلك الصُباح كما أشرقت في كلّ صباح، لكنّها هذه المرّة كانت تُضيء بلدةً لا تشبه سواها. كانت تُضيء جراحًا حقيقية وأثمانًا دفعها الجميع، لكنّها كانت تُضيء أيضًا إرادةً لم تَنكسِر وسورًا ما يزال قائمًا وأناسًا ثبَتُوا حين كان الثّبات أصعب ما في الوجود.

الجوع.. العدوّ الذي لا يحمل بندقية

لكنّ انقشاع الحصار لم يَعنِ انقشاع المحنة. فمع رحيل المهاجمين جلست آزخ تُعدّ ما خلّفته الأربعون يومًا من أثر. كانت المخازن التي مَلَؤوها بعناية واحتياط قد انحسرت مؤونتها، وكانت الكروم التي كانت مصدر رزقهم قد أُتلِفت، والحقول التي طالما ردّت عليهم خبزهم اليومي قد سُحقت تحت أقدام المهاجمين. وحلّ الجوع ضَيفًا ثقيلًا لا يُؤذَن له ولا يُستأذَن حين يُغادر.
كان الأطفال ينظرون إلى أمهاتهم بعيونٍ واسعة تسأل ما لا يستطيع اللسان قوله، وكانت الأمهات يُردِدن الأنظار إلى الرجال في صمتٍ مُوجع يُثقِل الهواء ويُبطِئ الأنفاس. وأدرك أهل آزخ أنّهم نجوا من الموت بالسّيف لكي يواجهوا الموت بالجوع، وأنّ بلدةً دافعت بهذه الشّجاعة لا يليق بها أن تسقط أمام فراغ المخازن.
اجتمع الرجال مرّةً أخرى وقرّروا: يبقى نصفهم في آزخ حُرّاسًا لا يتركون مواقعهم، ويخرج النّصف الآخر في مجموعاتٍ صغيرة نحو القرى المجاورة، باحثين عن الطعام بأيّ ثمن وبأيّ وسيلة. كان الخروج مُجازفةً يعرف كلّ من أقدم عليها أنّه ربما لا يعُود، لكنّه كان خيار الضرورة التي لا تتفاوض ولا ترحم.
وكان أهل آزخ في تلك الأيام يتداولون بينهم حكمةً مُضغَطة نبعت من صلب تجربتهم: "قُوتْ، لا تمُوتْ". كلمتان تختصران فلسفة البقاء الإنسانية في أبسط صورها وأعمق معانيها. فالكرامة التي قاتلوا من أجلها لا تحيا في جسدٍ خاوٍ، والإرادة التي بنت السّور لا تُكمل مسيرتها على مَعِدةٍ فارغة. كان في هذه الحكمة اعترافٌ بالإنسان كما هو لا كما يُتخيَّل: كائنٌ يحتاج إلى الخبز كما يحتاج إلى الكرامة، ولا شرفَ في الجوع حين يكون البديل هو الهلاك.
وهكذا مضت آزخ في فصلٍ جديد من فصول صمودها الطويل، تقاتل بالبندقية حين يكون القتال، وتجمع القوت حين يكون البقاء، وتُقسِم اللقمة حين يكون الشُّحّ، وتنتظر فجرًا جديدًا وهي تعلم أنّ المحن لم تنتهِ بعد، وأنّ ثمة أيامًا أشدّ قادمةٌ تحمل أسماءً لم يُعلَن عنها بعد.

(في الحلقة القادمة سيكون الحديث عن حصار القوات العثمانية لآزخ)
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس