الولايات الأرمنية الست وتحوّلات شرق الأناضول عبر التاريخ بقلم: الباحث والمؤرخ فؤاد
الولايات الأرمنية الست وتحوّلات شرق الأناضول عبر التاريخ
بقلم: الباحث والمؤرخ فؤاد زاديكي
يُعدّ تاريخ شرق الأناضول من أكثر تواريخ مناطق الشرق الأوسط تعقيدًا وتشابكًا عبر العصور، إذ تعاقبت على أرضه دول وإمبراطوريات عاتية، وتجاورت فيه شعوب وثقافات متنوعة شكّلت نسيجًا حضاريًا فريدًا على مرّ قرون طويلة. ومن بين المصطلحات المحورية التي برزت في الأدبيات التاريخية والسياسية، لا سيّما خلال القرن التاسع عشر، ما يُعرف بـ «الولايات الأرمنية الست»، وهو تعبير سياسي وجغرافي استُخدم للإشارة إلى مجموعة من الولايات العثمانية التي كان يقطنها عدد كبير من الأرمن إلى جانب شعوب أصيلة أخرى، حيث ارتبط هذا المصطلح بسياقات تاريخية عميقة بدأت منذ العصور القديمة لممالك أرمينيا، مرورًا بالعهد العثماني، وصولًا إلى التحوّلات الكبرى والدموية التي عصفت بالمنطقة إبان الحرب العالمية الأولى وما تلاها.
وكان المقصود إداريًا بالولايات الأرمنية الست ست ولايات رئيسية في شرق الدولة العثمانية وهي: أرضروم، ووان، وبتليس، ودياربكر، وسيواس، وخربوط (التي عُرفت إدارياً باسم معمورة العزيز وتُعرف اليوم بإلازيغ). وقد برز هذا المصطلح في أروقة الدبلوماسية الأوروبية خلال القرن التاسع عشر ضمن إطار "المسألة الشرقية"، حيث كانت القوى الدولية تناقش أوضاع الأقليات داخل الدولة العثمانية وسبل إصلاح الإدارة في المناطق التي يقطنها الأرمن بكثافة. ومع أنّ هذه التسمية لم تكن تعني في ذلك الوقت وجود كيانات سياسية مستقلة، إلّا أنّها كانت تُشير بوضوح إلى الثّقل الديموغرافي والحضاري للأرمن والمسيحيين في تلك البقاع، وهي جذور تمتد إلى القرن الأول قبل الميلاد حين بلغت مملكة أرمينيا أوج قوتها في عهد الملك تيغرانيس الكبير (الذي حكم بين 95 ق.م و55 ق.م.)، وامتدّ نفوذها ليشمل أجزاء واسعة من شرق الأناضول، قبل أن تصبح المنطقة ساحة تنافس بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، ثم تخضع للبيزنطيين والفتح الإسلامي، وتتعاقب عليها دول السلاجقة والمغول وصولًا إلى الحكم العثماني في القرن السادس عشر.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، كانت هذه الولايات تعكس لوحة فسيفسائية متعدّدة الأعراق والأديان؛ حيث عاش الأرمن والسريان والكلدان والأشوريون جنبًا إلى جنب مع الأكراد والأتراك، وبينما تُشير بعض الإحصاءات العثمانية إلى تفاوت النسب السكانية، إلّا أنّ الوجود المسيحي، وفي مقدمته الأرمني، كان يشكّل أغلبية في كثير من الأقضية والقرى والمدن الرئيسية، مما جعل هذه الولايات مراكزًا حضارية واقتصادية نابضة. غير أنّ هذا الوجود التاريخي تعرّض لزلزال مدمّر مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث شهدت المنطقة أحلك فصولها عقب صدور فرمان إبادة الأرمن، الذي لم يقتصر عليهم فحسب، بل اتّسع ليشمل كافّة أبناء الطوائف المسيحية من سريان وكلدان وأشوريين ويونان في عموم تركيا العثمانية دون استثناء. وقد ذهب ضحية تلك المجازر المروعة التي عُرفت بـ "السيفو" عام 1915 ما يزيد عن مليون ونصف المليون أرمني، فضلًا عن مئات الآلاف من الضحايا من الطوائف الأخرى، في حملة إبادة وتطهير عرقي أدّت إلى اقتلاع الشعوب المسيحية من أرض أجدادها، وتمّ تهجير الباقين قسريًّا والسيطرة المطلقة على أرزاقهم وأملاكهم وبيوتهم وكنائسهم، خاصة في تلك الولايات الست التي كانت ذات ثقل أرمني ومسيحي تاريخي كبير.
ومع نهاية الحرب وانهيار الدولة العثمانية، طرحت القوى المنتصرة مشروعًا لإعادة رسم الخريطة عُرف باسم «أرمينيا الويلسونية» نسبة للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ضمن معاهدة سيفر عام 1920، وكان يهدف لإنشاء دولة تضم أجزاءً من أرضروم ووان وبتليس مع منفذ على البحر الأسود عبر طرابزون، إلّا أنّ هذا المشروع لم يُنفّذ على أرض الواقع نتيجة رفض الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك لبنود المعاهدة واندلاع حرب الاستقلال التركية، التي انتهت بـ "معاهدة لوزان" عام 1923 التي اعترفت بالحدود الدولية لتركيا الحديثة. إنّ هذه التحوّلات العنيفة وما رافقها من هجرات قسريّة أدّت إلى تغيّر جذري في البنية السكانية لشرق الأناضول، حيث غادر مَنْ تبقّى من الأرمن والمسيحيين نحو القوقاز وبلاد الشام وأوروبا والأمريكيتين، ليصبح فهم تاريخ الولايات الست اليوم يتطلّب نظرة شاملة تُنصف الذاكرة الجريحة وتوثّق الحقائق التاريخية بعيدًا عن الطمس، بوصفها فضاءً كان يومًا مسرحًا لحضارات عريقة وشعوب أصيلة صاغت وجه المنطقة عبر الزّمن.
__________________
fouad.hanna@online.de
التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 08-03-2026 الساعة 09:24 AM
|