ديريك: صدى الگازوز وتراتيل الجليد
بقلم: فؤاد زاديكي
في ذاكرة المدن تفاصيلُ صغيرة قد لا يَعبأ بها المؤرخ العابر، لكنّها عند أبنائها تشكّل الهُوِيّة الرّوحية والنّبض اليوميّ للحياة. ومن تلك التفاصيل في مدينة "ديريك" السورية، تبرز حكاية "ماكنة الگازوز" وبسطة "قوالب البُوز"، تلك الحكاية التي لم تكن مجرّد تِجارة، بل كانت طقسًا اجتماعيًّا ارتبط بأسماء وعائلات حَفرت حضورَها في وجدان المدينة.
بداياتُ الانتعاش وبزوغ الفكرة
مع إشراقة السّتينيّات من القرن الماضي، شهدت ديريك دخول أول "ماكنة گازوز" لبيع وتعبئة المشروبات الغازية (السيفون) وبَيع قطع الثّلج المجمّد (البوز). كان الرّوّاد في هذا المضمار هما السيد مراد بهنام مراد (شقيق الخياط الشهير ببو)، والسيد توما موسى عيسى الملقب بـ "توما الحجي".
لم يمضِ وقت طويل حتى دخل والدي، گبرو الياس زاديكي، شريكًا في هذا المشروع بعد شرائه حصّة العم مراد. تشكّلت حينها ثنائية عمل فريدة، فتوما الحجّي كان كتلةً من النّشاط والذّكاء، يمتلك كاريزما تجاريّة وأسلوبًا دمثًا في استقطاب الزبائن، مما جعل الأرباح تزدهر والسّمعة تطيب، حتّى أنّ والدي هو من خلع عليه لقب "الحَجّي" تقديرًا لنبله، وهو اللقب الذي لازمه طوال حياته.
تطوّرت الأحوال، فاشترى والدي حصّة شريكه توما، ليصبح المالك الأوحد لهذه الماكنة، والوجه الأبرز لتجارة "الخرط" (بَشْرُ الثّلج) في ديريك. ومع تزايد الطّلب، استدعت الحاجة شراكةً جديدة فكانت مع العمّ شكري ملكي خَلو (أبو گبرو)، حيث تمّ استقدام ماكنة ثانية نُصبت أمام دكّان العم صليبا الصولكرين، وهو دكان لبيع الخردوات والتوابل وأشياء أخرى، كان محلّ ابنه يعقوب صليبا في دكانٍ مُقابلٍ لدكّان والده شاهدًا على دخول أولى أجهزة الراديو إلى المدينة في الخمسينيات.
جغرافيا الدكاكين وحكايات الشوارع
ثبُتت ماكنتانا بين زوايا المدينة، واحدة أمام دكاننا لاحقًا والثانية أمام دكّان العمّ صليبا الصّولكرين، كانت الأولى قد استقرّت ردحًا من الزّمن أمام دكان السيد غانم كنعان بدريّة طوبيّة (أبو جاك)، الذي كان مقصدًا لبيع المشروبات الروحيّة. لاحقًا، تملّك والدي "فروغية" ذلك الدّكان بالشّراكة مع السيد جوزيف بطرس بيكندي، وكان الدّكان ملكًا لوالده أبو جميل.
قبل ذلك الاستقرار، كان والدي يشارك العمّ عيسى مراد پِسِي (أبو مراد) في دكان لبيع البصل والثّوم، يقع ضمن عقارات السيد عيسى شيرينة. كان ذلك الشارع ينبض بالحياة، ففيه مقهى السيد اسحق عيدو أبو عيد وبيت "أبو سمعان" حيث كانت زوجته "سَفْرِه" تملأ الحيّ برائحة الخبز الطّازج من تنّورها الواقف بباب دارهم. كان ابنها ماجد قد غدا لاحقًا مديرًا لدار المعلمين بالحسكة حين كنت طالبًا فيها.
مأساة ووفاء: رحيل جوزيف وبداية عهد جديد
لم تخلُ الرحلة من الآلام، فقد فُجعت المدينة باختفاء السيد جوزيف بطرس بيكندي في ظروف يكتنفها الغموض والقسوة. تردّدت الأنباء حينها عن اختطافه واقتياده إلى قرية حدودية قرب نهر دجلة، حيث ذاق مرارة التّعذيب حتى فارق الحياة. بقيت تلك الجريمة جرحًا نازفًا في ذاكرة ديريك، غاب فاعلوها عن يد العدالة لكنّ ذكراهم لم تغب عن الوجدان.
في أعقاب تلك الفاجعة، عرض العمّ عيسى مراد پِسِي على والدي أن يَحلّ مكانه في حصّة المرحوم جوزيف، فالتقت إرادتهما مجددًّا في عام 1965. كانت تلك الأيام "ذهبية"، إذ لم تكن البرّادات قد غزت البيوت بعد، فكانت ماكنة الگازوز وقطع "البوز" هي الملاذ الوحيد لتبريد القلوب في هجير الصيف.
صناعة الفرح: كيف كنا نصنع "الخرط"؟
خلف تلك المشروبات الملوّنة، كانت هناك أيدٍ حانية تعمل، فوالدتي "حانة قرياقس" كانت "المهندسة" الحقيقيّة لهذا المذاق. كُنّا نبتاع صبغة الألوان من العمّ حنّا حنّا (أبو اسكندر) في القامشلي، وهو قريب لعائلة زوجتي سميرة، وكان يمتلك ماكنة گازوز في القامشلي منذ وقتٍ طويل.
كان البيت يتحوّل إلى مختبرٍ للجمال، تمزج والدتي البودرة بالماء والسّكر، وتضيف "الأسانس" لتثبيت النّكهة. أما "الخَرْط"، فكان يتطلّب جهدًا بدنيًّا، نضع قالب الثلج على الطاولة ثم نقوم بواسطة خَرّاطَة حديدية، لها ثقوب من اسفل، نبشره حتى يمتلئ القدح بـ"ثلج ناعم"، ثم نسكب عليه الأصباغ الزاهية من أحمر وأصفر وأخضر وقرمزي بحسب الرّغبة. أما "السِّيفون"، فكان يُصنع بضغط الغاز عبر الماكنة، ويُعبَّأ في قناني زجاجية تُبرد في صناديق خشبية محشوة بالثلج، أو توضع مباشرةً في كؤوس مُعَدّة لهذا الغرض.
رحلةُ الشّقاء من المعمل إلى الكَتِف
كُنّا نقطع الطريق إلى معمل بوز "أبو أحمد" عند "عين العسكرية"، الموقع الذي أسّسه الفرنسيون. كنّا، أنا وأخي الياس وأخي فهمي والعاملان إبراهيم (باهي) ابن گورگيس پِلْحِس وابن بلقو "أبو نِعسَان" أخو كريم بلقو، نحمل قوالب البُوز على أكتافنا، نَلفّها بأكياس الخيش لنحمي جلودنا من "لسعة الجليد". وفي أيّام القيظ الشّديد وبسبب عطل في معمل ديريك او تزايد الطلب على البوز، فإنّنا كنّا نستورد الثّلج من القامشلي عبر "بوسطة" العم جورج رزقو أو سيّارات الأجرة. كانت تلك الرّحلات مُقامرةً مع الزّمن، فكثيرًا ما كانت الشّمس تسبقنا، فتذوب الأرباح وتتحوّل قوالب الثّلج إلى ماءٍ يسيل على طرقات السفر.
فصلُ الختام: بين نُبل الأب وجور القُربَى
بمرور الأيام، آلت الشّراكة في الدكّان وماكنة الگازوز إلى والدي وأخيه العمّ حنّا زاديكي. ومع الأسف، حصل ما لم يكن متوقعًا، فقد تعرّض والدي لعملية تحايلٍ من قِبل ابن عمي (ع. ح)، الذي دأب على إيهام والدي بوجود ديونٍ مستحقّة لأشخاصٍ وهميين، وكان يفرض على والدي دفع سلفٍ مالية لتغطيتها. والحقيقة المُرّة هي أنّ تلك الأموال لم تكن لأغراب، بل كانت من مال العم حنّا نفسه، في خطةٍ استهدفت إثقال كاهل والدي بالالتزامات المالية.
وأمام تراكم هذه الديون المفتعلة، وجد والدي نفسه مضطرًّا لبيع حصّته لأخيه مقابل سَداد تلك السُّلَف. وما يُدمي القلب، هو أنّني كنتُ قد عرضتُ على والدي مُسبقًا أن يشتري ابي حصّة عمي حنّا بمالي الخاصّ، إلّا أنّ والدي، بروحه الأبوية العالية، رفض ذلك بشدّة. لقد كان يقول لي: "إنّ عائلتي ومستقبلي هما الأَوْلى بذلك المال" مُفَضِلًا أن أحافظ على مُدّخراتي التي خصّصتها لـ "جمعية المعلمين" لبناء شقة سكنية، في تلك الجمعيّة، على أن يغامر بها في تجارةٍ نخرت فيها المكائد. آثر والدي خسارة عمله وعرق جبينه، على أن يمسّ أماني أبنائه وأحفادِه.
وبهذا السيناريو القاسي، انطوت صفحة عملنا في ماكنة الگازوز وبيع البوز في ديريك إلى الأبد. انتقل والدي ليفتح دكانًا صغيرًا في بيته في "حارة موتور الماء" (حارة كنيسة ماردوو). رحل الدكان، وبقيت ذكرى الأب الشهم الذي قدّم استقراره المهني قربانًا لاستقرار أبنائه، لتبقى قصته صفحةً مُضيئة في تاريخ المدينة رغم عتمة الغدر وشجون الرّحيل.
__________________
fouad.hanna@online.de
|