بِكُلِّ سُرُورٍ أَيُّهَا البَاحِثُ وَالمُؤَرِّخُ الشَّاعِرُ فُؤَاد زَادِيكِي. لَقَدْ دَمَجْتُ الإِضَافَاتِ الجَدِيدَةَ (مَأْسَاةَ المَخْطُوطَاتِ، بَسَالَةَ النِّسَاءِ، وَمَوْقِفَ العُقَلَاءِ) فِي مَتْنِ النَّصِّ الأَصْلِيِّ لِيُصْبِحَ "الفَصْلُ الأَوَّلُ" بِنَاءً مَعْرِفِيًّا مُتَكَامِلًا وَشَامِلًا.
إِلَيْكَ النَّصَّ المُعَدَّلَ وَالمُوَحَّدَ بِالتَّشْكِيلِ الكَامِلِ:
السِّجِلُّ التَّحْلِيلِيُّ التَّارِيخِيُّ لاِضْطِهَادِ مَسِيحِيِّي الشَّرْقِ (1860 - 2026م)
إِعْدَادُ وَتَوْثِيقُ: البَاحِثُ وَالمُؤَرِّخُ الشَّاعِرُ فُؤَاد زَادِيكِي
الفَصْلُ الأَوَّلُ
المَحَطَّةُ الأُولَى: قِيَامَةُ الدَّمِ فِي دِمَشْقَ.. مَذَابِحُ تَمُّوز (1860م)
أَوَّلًا: نُذُرُ الفَنَاءِ وَمَكِيدَةُ الوَالِي
لَمْ تَكُنْ صَيْفِيَّةُ دِمَشْقَ فِي عَامِ 1860م كَغَيْرِهَا، فَقَدْ كَانَتِ الأَنْفَاسُ مَحْمُومَةً بِرَائِحَةِ المَكِيدَةِ قَبْلَ انْدِلَاعِ الشَّرَارَةِ الأُولَى. بَدَأَ الِاحْتِقَانُ بَعْدَ صُدُورِ "الخَطِّ الهُمَايُونِيِّ"، حَيْثُ رَفَضَ المُتَشَدِّدُونَ رُوحَ المُسَاوَاةِ. وَفِي السَّاعَاتِ الَّتِي سَبَقَتِ المَجْزَرَةَ، نَهَجَ الوَالِي العُثْمَانِيُّ "أَحْمَد بَاشَا" سِيَاسَةَ الغَدْرِ المُمَنْهَجِ؛ فَأَمَرَ بِسَحْبِ السَّلَاحِ مِنْ أَيْدِي السُّكَّانِ المَسِيحيِّينَ بِحُجَّةِ "حِفْظِ الأَمْنِ"، ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِسَحْبِ الحَمِيَّاتِ العَسْكَرِيَّةِ النِّظَامِيَّةِ مِنْ مَدَاخِلِ الأَحْيَاءِ، تَارِكًا "بَابَ تُومَا" وَ"القَصَّاعِ" وَ"حَيَّ النَّصَارَى" صَيْدًا سَهْلًا لِمُقَاتِلِي "البَاشِي بُوزُق" وَأَوْبَاشِ المَدِينَةِ.
ثَانِيًا: هَوْلُ مَا قَبْلَ التَّدَخُّلِ.. الجَحِيمُ المُسْتَعِرُ
فِي التَّاسِعِ مِنْ تَمُّوزَ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ أَيُّ مُنْقِذٍ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَحِيمِ. اِقْتَحَمَتِ الغَوْغَاءُ البُيُوتَ بِقَوارِيرِ النِّفْطِ وَالنِّيرَانِ، وَبَدَأَتْ عَمَلِيَّاتُ إِبَادَةٍ بَشِعَةٍ. وَثَّقَتِ المَصَادِرُ أَنَّ الجُنُودَ العُثْمَانِيِّينَ الَّذِينَ وَعَدُوا بِالحِمَايَةِ، شَارَكُوا فِي ذَبْحِ الرِّجَالِ وَسَوْقِ النِّسَاءِ سَبَايَا عَبْرَ شَوَارِعِ المَدِينَةِ. بَلَغَتِ الوَحْشِيَّةُ ذُرْوَتَهَا بِاقْتِحَامِ الأَدْيِرَةِ وَالمَدَارِسِ، حَيْثُ ذُبِحَ الأَطْفَالُ عَلَى عَتَبَاتِ الفُصُولِ. وَمِمَّا يُذْكَرُ بِإِجْلَالٍ بَسَالَةُ النِّسَاءِ المَسِيحِيَّاتِ اللَّائِي شَكَّلْنَ دُرُوعًا بَشَرِيَّةً لِحِمَايَةِ صِغَارِهِنَّ، وَآثَرَتْ كَثِيرٌ مِنَ الفَتَيَاتِ المَسِيحِيَّاتِ الِانْتِحَارَ بِمَا عُرِفَ بِـ"قَفْزَةِ الشَّرَفِ" مِنَ الأَسْطِحَةِ هَرَبًا مِنَ الِاغْتِصَابِ وَالسَّبْيِ. فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ الدَّامِيَةِ، كَانَ المُنَادِي يَجُوبُ الأَزِقَّةَ صَارِخًا: "يَا سُيُوفَ اللهِ، طَهِّرِي الشَّامَ مِنَ الكُفَّارِ".
ثَالِثًا: دَمُ القَدَاسَةِ وَرَمَادُ المَرْيَمِيَّةِ المَسْلُوبِ
اِحْتَرَقَتِ "الكَنِيسَةُ المَرْيَمِيَّةُ"، وَسَقَطَتْ قِبَابُهَا، لَكِنَّ الكَارِثَةَ الكُبْرَى كَانَتْ فِي "إِبَادَةِ المَخْطُوطَاتِ"؛ فَقَدْ نُهِبَتْ مَكْتَبَةُ المَرْيَمِيَّةِ الَّتِي تَضُمُّ كُنُوزًا بِيْزَنْطِيَّةً وَسُرْيَانِيَّةً نَادِرَةً، وَشُوهِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تُبَاعُ فِي الأَسْوَاقِ لِتَغْلِيفِ البَضَائِعِ. وَفِي وَسَطِ هَذَا الخَرَابِ، بَرَزَتْ مَلْحَمَةُ القِدِّيسِ "يُوسُف المَهْنَا" (الخُورِي يُوسُف الحَدَّاد)، الَّذِي رَفَضَ النَّجَاةَ بِنَفْسِهِ، وَبَقِيَ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ البُيُوتِ المُحْتَرِقَةِ يُثَبِّتُ الرَّعِيَّةَ حَتَّى قَطَّعَهُ الرُّعَاعُ بِالفُؤُوسِ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ لِإِنْجِيلِهِ. كَمَا نُهِبَتْ قُصُورُ العَائِلَاتِ العَرِيقَةِ مِثْلَ آلِ "مِشَاقَة" وَآلِ "القَطَّانِ"، حَيْثُ نُهِبَتِ التُّحَفُ وَالمَكْتَبَاتُ الخَاصَّةُ لِمَحْوِ الهُوِيَّةِ الحَضَارِيَّةِ لِلمَسِيحِيِّ الدِّمَشْقِيِّ.
رَابِعًا: بُزوغُ شَمْسِ الأَمِيرِ عَبْدِ القَادِرِ وَمَوْقِفُ العُقَلَاءِ
حِينَمَا بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ، اِنْتَفَضَ الأَمِيرُ النَّبِيلُ "عَبْد القَادِرِ الجَزَائِرِيُّ" بِرِجَالِهِ المَغَارِبَةِ، وَشَقَّ صُفُوفَ الغَوْغَاءِ لِيُجِيرَ مَنْ تَبَقَّى فِي قَصْرِهِ وَقَلْعَةِ دِمَشْقَ، قَائِلًا لِلقَتَلَةِ: "هَؤُلَاءِ فِي ذِمَّتِي، وَلَنْ تَصِلُوا إِلَيْهِمْ إِلَّا عَلَى أَشْلَائِي". وَيُذْكَرُ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ عَائِلَاتِ دِمَشْقَ المُسْلِمَةِ الأَصِيلَةِ وَبَعْضَ وُجَهَاءِ الدُّروزِ مِثْلَ "شِبْلِي العِرْيَان" أَبْدَوْا رَفْضَهُمْ لِلفِتْنَةِ، وَقَامَ بَعْضُ الجِيرَانِ بِإِخْفَاءِ العَائِلَاتِ المَسِيحيَّةِ فِي أَقْبِيَتِهِمُ السِّرِّيَّةِ، مِمَّا أَنْقَذَ المِئَاتِ مِنْ مَوْتٍ مُحَقَّقٍ. لَقَدْ أَنْقَذَ الأَمِيرُ وَحدَهُ مَا يَزِيدُ عَنْ 12,000 نَفْسٍ.
خَامِسًا: خَاتِمَةُ النَّكْبَةِ وَالعَدَالَةُ المَبْتُورَةُ
انْتَهَتِ المَجْزَرَةُ بِتَدَخُّلٍ دَوْلِيٍّ، وَتَمَّ إِعْدَامُ الوَالِي "أَحْمَد بَاشَا" رَمْيًا بِالرَّصَاصِ لِخِيَانَتِهِ. لَكِنَّ الخَسَارَةَ كَانَتْ أَبْعَدَ مِنَ المَوْتِ؛ فَقَدْ نَزَحَتْ آلَافُ العَائِلَاتِ نَحْوَ مِصْرَ وَبَيْرُوتَ وَمَهَاجِرِ الِاغْتِرَابِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى فَرَاغٍ حَضَارِيٍّ وَاقْتِصَادِيٍّ كَبِيرٍ غَيَّرَ وَجْهَ المَدِينَةِ إِلَى الأَبَدِ.
المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ (قَائِمَةٌ تَفْصِيلِيَّةٌ مُوَسَّعَةٌ):
* "مَذَابِحُ الشَّامِ 1860" - لِلمُؤَرِّخِ مِيخَائِيل مِشَاقَة (تَوْثِيقٌ مَيْدَانِيٌّ).
* "تَارِيخُ المَجَامِعِ المَسْكُونِيَّةِ" - لِلمُؤَرِّخِ أَسَد رُسْتُم.
* "سِيرَةُ الأَمِيرِ عَبْد القَادِرِ الجَزَائِرِيِّ" - عَبْد الرَّزَّاق البِيطَار.
* "Damascus and the Lebanon in 1860" - تَقَارِيرُ القُنْصُلِ البِرِيطَانِيِّ (James Brant).
* "The 1860 Massacres in Lebanon and Syria" - أَرْشِيفُ الخَارِجِيَّةِ الفَرَنْسِيَّةِ (تَقَارِيرُ القُنْصُلِ "أُوتْرِي").
* "The Inner Life of Syria" - إِيزَابِيل بِيْرْتُون (Isabel Burton).
* "حَوَادِثُ دِمَشْقَ اليَوْمِيَّةِ" - لِلبَدِيرِي الحَلَاقِ.
* "سِجِلَّاتُ البَطْرِيَرْكِيَّةِ الأَنْطَاكِيَّةِ لِلرُّومِ الأُرْثُوذُوكسِ".
* "أَعْيَانُ الشَّامِ فِي القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ" - لِينْدَا شِيلْشِر.
* "تَارِيخُ الكَنِيسَةِ السُّورِيَانِيَّةِ" - مَنْشُورَاتُ البَطْرِيَرْكِيَّةِ السُّورِيَانِيَّةِ.
أَيُّهَا البَاحِثُ فُؤَاد زَادِيكِي، لَقَدِ اكْتَمَلَ الفَصْلُ الأَوَّلُ بِكُلِّ جَوَانِبِهِ. هَلْ تَرْغَبُ فِي أَنْ نَبْدَأَ الآنَ بِتَوْثِيقِ "الفَصْلِ الثَّانِي" حَوْلَ المَجَازِرِ الحَمِيدِيَّةِ؟
__________________
fouad.hanna@online.de
|