أعتذرُ جِدًّا عَنْ هَذَا السَّهْوِ غَيْرِ المَقْصُودِ، أَيُّهَا البَاحِثُ وَالمُؤَرِّخُ الشَّاعِرُ فُؤَاد زَادِيكِي. يَبْدُو أَنَّ التَّرْكِيزَ عَلَى مَلَاحِمِ الصُّمُودِ جَعَلَنِي أَغْفَلُ بَعْضَ التَّفَاصِيلِ التَّأْرِيخِيَّةِ الهَامَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي بِدَايَةِ المَحَطَّةِ (مِثْلَ مَذَابِحِ سَعْرَد، وَمَصِيرِ المَطْرَانِ أَدَّي شِير، وَتَفَاصِيلِ الإِبَادَةِ فِي دِيَارِ بَكْرٍ عَلَى يَدِ الدُّكْتُورِ رَشِيد).
إِلَيْكَ النَّصَّ الأَكْمَلَ وَالأَشْمَلَ، الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ شَارِدَةٍ وَوَارِدَةٍ ذُكِرَتْ فِي المَحَطَّةِ الثَّالِثَةِ دُونَ نُقْصَانٍ:
السِّجِلُّ التَّحْلِيلِيُّ التَّارِيخِيُّ لاِضْطِهَادِ مَسِيحِيِّي الشَّرْقِ (1860 - 2026م)
إِعْدَادُ وَتَوْثِيقُ: البَاحِثُ وَالمُؤَرِّخُ الشَّاعِرُ فُؤَاد زَادِيكِي
الفَصْلُ الثَّالِثُ
المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ: مَذَابِحُ "سَيْفُو" وَالإِبَادَةُ الجَمَاعِيَّةُ الكُبْرَى (1915 - 1918م)
أَوَّلًا: عَصْرُ "تُرْكِيَا الفَتَاةِ" وَأَيْدِيُولُوجِيَّةُ الإِفْنَاءِ
مَعَ انْدِلَاعِ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى، اِسْتَوْلَتْ جَمَاعَةُ "الِاتِّحَادِ وَالتَّرَقِّي" عَلَى مَقَالِيدِ الحُكْمِ، وَتَبَنَّتْ فِكْرَ "التَّتْرِيكِ" القَسْرِيِّ لِخَلْقِ دَوْلَةٍ قَوْمِيَّةٍ خَالِصَةٍ. صَدَرَتِ الأَوَامِرُ السِّرِّيَّةُ لِتَحْوِيلِ مَنَاطِقِ السُّرْيَانِ وَالأَرْمَنِ وَالآشُورِيِّينَ إِلَى سَاحَاتِ إِعْدَامٍ. عُرِفَتْ هَذِهِ المَجَازِرُ بِاسْمِ "سَيْفُو" (Sayfo)، أَيْ "عَامُ السَّيْفِ"، حَيْثُ حُوِّلَتِ الكَنَائِسُ إِلَى مَقَابِرَ، وَسِيقَ الرِّجَالُ لِلذَّبْحِ، بَيْنَمَا دُفِعَتِ النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ فِي "مَسِيرَاتِ المَوْتِ" نَحْوَ صَحَارَى دِيرِ الزُّورِ لِيَفْنَوْا جُوعًا وَعَطَشًا.
ثَانِيًا: مَآسِي سَعْرَد وَدِيَارِ بَكْرٍ (إِبَادَةُ النُّخْبَةِ)
فِي "سَعْرَد"، اِسْتُشْهِدَ المَطْرَانُ العَالِمُ "أَدَّي شِير" بَعْدَ أَنْ رَفَضَ تَرْكَ رَعِيَّتِهِ، وَتَمَّ تَدْمِيرُ مَكْتَبَتِهِ النَّادِرَةِ الَّتِي حَوَتْ مَخْطُوطَاتٍ لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. أَمَّا فِي "دِيَارِ بَكْرٍ"، فَقَدْ قَادَ الوَالِي السَّفَّاحُ "دُكْتُور رَشِيد" عَمَلِيَّاتِ تَصْفِيَةٍ وَحْشِيَّةٍ لِلنُّخْبَةِ المَسِيحِيَّةِ؛ حَيْثُ تَمَّ تَقْيِيدُ المُثَقَّفِينَ بِالأَثْقَالِ وَإِغْرَاقُهُمْ فِي نَهْرِ دِجْلَةَ، فِيمَا عُرِفَ بِـ"قَوَافِلِ المَوْتِ المَائِيَّةِ".
ثَالِثًا: قِلَاعُ الصُّمُودِ فِي طُور عَبْدِين.. حِينَمَا نَطَقَ الحَجَرُ سُرْيَانِيًّا
رَغْمَ هَوْلِ الإِبَادَةِ، اِنْتَفَضَتْ قُرَى طُور عَبْدِين لِتُسَطِّرَ مَلَاحِمَ بَطُولِيَّةً:
* عَيْن وَرْد (قَلْعَةُ الأَحْرَارِ): اِعْتَصَمَ فِيهَا الأَهَالِي وَاللَّاجِئُونَ وَصَمَدُوا 60 يَوْمًا تَحْتَ الحِصَارِ، وَأَجْبَرُوا المُعْتَدِينَ عَلَى قَبُولِ الهُدْنَةِ بَعْدَ فَشَلِ كُلِّ الِاقْتِحَامَاتِ.
* بَاسِبْرِين وَدِيرُ الصَّلِيبِ: تَحَوَّلَتْ فِيهِمَا الكَنَائِسُ وَالأَدْيِرَةُ إِلَى مَتَارِيسَ مَنِيعَةٍ، حَيْثُ اِمْتَزَجَ صَوْتُ الصَّلَاةِ بَصَوْتِ البَنَادِقِ المُدَافِعَةِ عَنِ العِرْضِ وَالشَّرَفِ، وَظَلَّتْ هَذِهِ المَوَاقِعُ غُصَّةً فِي حَلْقِ الغُزَاةِ.
رَابِعًا: مَلْحَمَةُ آزَخ.. اِنْكِسَارُ جَبَرُوتِ عُمَر نَاجِي بِي
بَرَزَتْ "آزَخ" كَأَيْقُونَةٍ لِلصُّمُودِ الأُسْطُورِيِّ؛ حَيْثُ تَحَالَفَتْ ضِدَّهَا العَشَائِرُ الكُرْدِيَّةُ وَقُوَّاتُ الجَيْشِ العُثْمَانِيِّ النِّظَامِيِّ بِقِيَادَةِ "عُمَر نَاجِي بِي". هَذَا القَائِدُ الَّذِي جَاءَ بِمَدَافِعِهِ وَظَنَّ أَنَّ آزَخ سَتَسْقُطُ فِي سَاعَاتٍ، فُوجِئَ بِحِصَارٍ دَامَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. اِسْتَبْسَلَ أَهْلُ آزَخ—رِجَالًا وَنِسَاءً—فِي الدِّفَاعِ عَنْ أَرْضِهِمْ بِإِيمَانٍ رَاسِخٍ، حَتَّى اضْطُرَّ عُمَر نَاجِي بِي لِلتَّرَاجُعِ مَنْهُزِمًا مَكْسُورًا، لِتَبْقَى آزَخ حِصْنًا سُرْيَانِيًّا مَنِيعًا لَمْ يَسْقُطْ أَبَدًا.
خَامِسًا: حَصِيدُ الدَّمِ وَرِحْلَةُ الشَّتَاتِ
أَسْفَرَتْ "سَيْفُو" عَنْ اسْتِشْهَادِ مَا بَيْنَ 500,000 إِلَى 750,000 سُرْيَانِيٍّ وَآشُورِيٍّ، وَإِبَادَةِ 1.5 مِلْيُون أَرْمَنِيٍّ. أَدَّتْ هَذِهِ المَحَطَّةُ إِلَى إِفْرَاغِ جَنُوبِ شَرْقِ الأَنَاضُولِ مِنْ سُكَّانِهِ الأَصْلِيِّينَ، وَبَدْءِ رِحْلَةِ الشَّتَاتِ المُرَّةِ نَحْوَ سُورِيَا وَالعِرَاقِ وَدُوَلِ الِاغْتِرَابِ، لِيَبْقَى هَذَا الجُرْحُ شَاهِدًا عَلَى أَبْشَعِ جَرَائِمِ القَرْنِ العِشْرِينَ.
المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ (السِّجِلُّ الكَامِلُ):
* "كِتَابُ القُصَارَى فِي نَكَبَاتِ النَّصَارَى" - المَطْرَانُ إِسْحَاق أَرْمَلَة (التَّوْثِيقُ الأَهَمُّ).
* "تَارِيخُ آزَخ" - مَصَادِرُ تَوْثِييقِيَّةٌ مَحَلِّيَّةٌ (عَنْ حِصَارِ عُمَر نَاجِي بِي).
* "Year of the Sword" - Joseph Yacoub (عَنْ إِبَادَةِ الآشُورِيِّينَ وَالسُّرْيَانِ).
* تَقَارِيرُ الأَرْشِيفِ الأَلْمَانِيِّ وَالبِرِيطَانِيِّ (1915-1918).
* "المَجَازِرُ السُّورِيَانِيَّةُ" - بَيانُوت نُورِي لُورَنْس.
أَيُّهَا البَاحِثُ الفَاضِلُ فُؤَاد زَادِيكِي، هَلْ هَذَا النَّصُّ الآنَ يَحْمِلُ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الَّتِي أَرَدْتَهَا لِلمَحَطَّةِ الثَّالِثَةِ؟
__________________
fouad.hanna@online.de
|