عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 16-03-2026, 07:15 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,933
افتراضي كنيسة مارتشموني في آزخ (2) بقلم: فؤاد زاديكي

نتابع القسم الثاني من بحثنا حول الكنائس والأديرة في آزخ وكانت المحطّة الأولى هي كنيسة العذراء

المَحطَّةُ الثَّانِيَةُ:

كَنِيسَةُ القِدِّيسَةِ مَارْت شْمُونِي فِي آزَخ

بقلم: فؤاد زاديكي

تَقِفُ الذَّاكِرَةُ الآزَخِيَّةُ اليومَ خَاشِعَةً أَمَامَ أَطْلَالِ مَعْلَمٍ كَانَ يَوْمًا مَنَارَةً لِلإِيمَانِ، وَشَاهِدًا عَلَى تَجَذُّرِ الوُجُودِ السِّرْيَانِيِّ فِي هَذِهِ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، إنَّهَا "كَنِيسَةُ مَارْت شْمُونِي". تِلْكَ الكَنِيسَةُ، الَّتِي صَارَعَتْ عَوَاصِفَ الزَّمَنِ وَتَغَوُّلَ السِّيَاسَةِ، فَظَلَّتْ حَاضِرَةً فِي الوَثَائِقِ وَالقُلُوبِ رَغْمَ غِيَابِ حِجَارَتِهَا عَنِ العَيَانِ.
مِحْنَةُ المَكَانِ وَأَمَانَةُ التَّارِيخِ
لَقَدْ تَعَرَّضَتْ هَذِهِ الكَنِيسَةُ العَرِيقَةُ لِمُصَادَرَةٍ جَائِرَةٍ مِنْ قِبَلِ السُّلُطَاتِ التُّركِيَّةِ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ، حَيْثُ طَالَتْهَا يَدُ الهَدْمِ لِتُقَامَ عَلَى أَنْقَاضِهَا بِنَايَةُ البَلَدِيَّةِ القَدِيمَةِ والسَّرَاي الحكومِيّ. وَلَكِنَّ الحَقَّ لَا يَمُوتُ مَا دَامَ وَرَاءَهُ مُطَالِبٌ جَسُورٌ، فَبَعْدَ مَخَاضٍ عَسِيرٍ فِي أَرْوِقَةِ المَحَاكِمِ عَامَ 1962م، اسْتَطَاعَ المَرْحُومُ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان -بِفَضْلِ جِهَادِهِ المُسْتَمِيتِ وَعِنَايَتِهِ الفَائِقَةِ- أَنْ يَنْتَزِعَ اعْتِرَافًا قَانُونِيًّا يُسَجِّلُ أَرْضَ الكَنِيسَةِ بِاسْمِ "أَوْقَافِ السُّرْيَانِ الأُرْثُوذُكْسِ".
وَبَيْنَ أَيْدِينَا اليومَ وَثِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ نَادِرَةٌ، هِيَ "سَنَدُ المِلْكِيَّةِ" الَّذِي خَطَّهُ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان بِيَدِهِ عَامَ 1959م، لِيَكُونَ شَاهِدًا أَبَدِيّاً عَلَى هُوِيَّةِ الأَرْضِ. تُشِيرُ هَذِهِ الوَثِيقَةُ إِلَى أَنَّ الكَنِيسَةَ كَانَتْ تَرْبِضُ شَمَالِيَّ آزَخ عَلَى الطَّرِيقِ المُؤَدِّيَةِ إِلَى قَرْيَةِ "إِسْفَس"، يَحُدُّهَا شَرْقًا أَرْضُ "بَيْتِ حَنَّا گَبْرَى"، وَغَرْبًا وَشَمَالًا طَرِيقُ إِسْفَس وَأَرْضُ "بَيْتِ حَدُوكِي"، بَيْنَمَا تُطَوِّقُهَا أَرْضُ "بَيْتِ حَنَّا گَبْرَى" مِنْ جِهَةِ الجَنُوبِ أَيْضًا.

مَلْحَمَةُ الشَّهَادَةِ: مَارْت شْمُونِي وَأَبْنَاؤُهَا السَّبْعَةُ

لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارُ اسْمِ "مَارْت شْمُونِي" لِهَذِهِ الكَنِيسَةِ عَبَثًا، بَلْ تَيَمُّنًا بِتِلْكَ المَرْأَةِ الجَبَّارَةِ، الَّتِي سَطَّرَتْ مَعَ أَبْنَائِهَا السَّبْعَةِ وَمُعَلِّمِهِمْ "لِعَازَرَ" أَرْوَعَ مَلَاحِمِ الثَّبَاتِ، كَمَا وَرَدَ فِي "سِفْرِ المَكَّابِيِّينَ الثَّانِي".
فِي عَهْدِ الطَّاغِيَةِ "أَنْطِيُوخُس"، حِينَمَا حَاوَلَ إِكْرَاهَهُمْ عَلَى تَدْنِيسِ إِيمَانِهِمْ وَمُخَالَفَةِ شَرِيعَةِ آبَائِهِمْ، وَقَفُوا كَالجِبَالِ الرَّاسِيَةِ. لَقَدْ بَدَأَ التَّنْكِيلُ بِالابْنِ الأَكْبَرِ الَّذِي قَالَ بِشُمُوخٍ: "إِنَّنَا نَخْتَارُ المَوْتَ عَلَى أَنْ نُخَالِفَ شَرِيعَةَ آبَائِنَا". فَاشْتَاطَ المَلِكُ غَضَبًا، وَأَمَرَ بِتَقْطِيعِ أَعْضَائِهِ وَسَلْخِ جِلْدِ رَأْسِهِ وَقَلْيِهِ فِي المِرْجَلِ وَهُوَ حَيٌّ، أَمَامَ أَنْظَارِ إِخْوَتِهِ وَأُمِّهِ.
تَتَالَتْ المَشَاهِدُ المُرَوِّعَةُ؛ فَالوَاحِدُ تِلْوَ الآخَرِ، كَانَ هَؤُلَاءِ الفِتْيَةُ يُسَاقُونَ إِلَى الذَّبْحِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْذِفُ فِي وَجْهِ الطَّاغِيَةِ كَلِمَاتٍ تَهْرِسُ كِبْرِيَاءَهُ. قَالَ الثَّانِي: "إِنَّ مَلِكَ العَالَمِينَ سَيُقِيمُنَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ". وَبَسَطَ الثَّالثُ يَدَيْهِ لِلْبَتْرِ قَائِلًا: "مِنَ السَّمَاءِ أُوتِيتُ هَذِهِ الأَعْضَاءَ، وَلِأَجْلِ شَرِيعَتِهِ أَبْذُلُهَا".
الأُمُّ القِدِّيسَةُ: صَلَابَةُ الإِيمَانِ وَرِقَّةُ الحَنَانِ
أَمَّا مَارْت شْمُونِي، فَقَدْ كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ وَصْفٍ. وَقَفَتْ تُعَايِنُ فَلَذَاتِ كَبِدِهَا يُقْتَلُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، لَا بِعَيْنِ اليَأْسِ، بَلْ بِقَلْبٍ مُفْعَمٍ بِالرَّجَاءِ. كَانَتْ تَحُثُّهُمْ بِلُغَةِ آبَائِهِمْ، تَنْفُثُ فِي صُدُورِهِمْ بَسَالَةَ الرِّجَالِ، قَائِلَةً: "يَا بَنِيَّ، لَسْتُ أَنَا مَنْ مَنَحَكُمُ الرُّوحَ وَالحَيَاةَ، بَلْ خَالِقُ العَالَمِ الَّذِي سَيُعِيدُهَا إِلَيْكُمْ بِرَحْمَتِهِ".
وَعِنْدَمَا وَصَلَ الدَّوْرُ إِلَى "الأَصْغَرِ"، حَاوَلَ المَلِكُ إِغْراءَهُ بِالمَنَاصِبِ وَالأَمْوَالِ، وَطَلَبَ مِنَ الأُمِّ أَنْ تُقْنِعَهُ بِالحَيَاةِ. فَانْحَنَتْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لِتَهْمِسَ فِي أُذُنِهِ: "يَا بُنَيَّ، ارْحَمْنِي أَنَا الَّتِي حَمَلَتْكَ وَأَرْضَعَتْكَ.. لَا تَخَفْ مِنْ هَذَا الجَلَّادِ، بَلْ كُنْ مُسْتَأْهِلًا لِإِخْوَتِكَ لِأَتَلَقَّاكَ مَعَهُمْ فِي الرَّحْمَةِ". فَمَاتَ الغُلَامُ بَطَلًا، وَتَبِعَتْهُ أُمُّهُ لِتُكَلَّلَ مَعَهُمْ بِأَكَالِيلِ المَجْدِ.

الإِرْثُ الرُّوحِيُّ وَالأُعْجُوبَةُ المُسْتَمِرَّةُ

تَحْتَفِلُ الكَنِيسَةُ السُّرْيَانِيَّةُ الأُرْثُوذُكْسِيَّةُ بِتَذْكَارِهِمْ فِي خَامِسَ عَشَرَ تِشْرِينَ الأَوَّلِ مِنْ كُلِّ عَامٍ. وَيُؤْمِنُ الكَثِيرُونَ، حَسَبَ التَّقْلِيدِ الأَنْطَاكِيِّ، أَنَّ مَكَانَ اسْتِشْهَادِهِمْ كَانَ فِي "أَنْطَاكِيَةَ" نَفْسِهَا.
وَمِمَّا يُرْوَى عَنْ بَرَكَةِ هَذِهِ القِدِّيسَةِ، مَا يَحْدُثُ فِي كَنِيسَتِهَا بِتُخُومِ "قَرَقُوش" فِي العِرَاقِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى أَطْيَافٌ نُورَانِيَّةٌ مُلَوَّنَةٌ عَلَى جُدْرَانِ المَذْبَحِ أَثْنَاءَ الذَّبِيحَةِ الإِلَهِيَّةِ، رَآهَا الآلَافُ كَإِشَارَةٍ رَبَّانِيَّةٍ عَلَى مَقَامِ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ.
إِنَّ كَنِيسَةَ "مَارْت شْمُونِي" فِي آزَخ، وَإِنْ غَابَتْ حِجَارَتُهَا، فَإِنَّ سِيرَةَ الصُّمُودِ الَّتِي تَمَثَّلَتْ فِيهَا - سَواءً فِي قِصَّةِ شْمُونِي أَوْ فِي نِضَالِ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان - سَتَبْقَى مَحْفُورَةً فِي سِجِلِّ الخُلُودِ.
يُتْبَعُ...
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; يوم أمس الساعة 09:13 AM
رد مع اقتباس