عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23-03-2026, 12:26 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,983
افتراضي تابع ملحق طفولتنا ٢

اغْتِرَابُ الرُّوحِ وَمَخَاضُ البَقَاءِ
فِي غَمْرَةِ السَّعْيِ الحَثِيثِ نَحْوُ فُرْصَةٍ لِلْعَيْشِ، انْتَصَبَ أَبِي وَعَمِّي «حَنَّا» عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فِي «القَامِشْلِي»، يَبِيعَانِ ثِمَارَ «الجِبْسِ» (البِطِّيخِ الأَحْمَرِ) لِلْمَارَّةِ. كَانَتْ تِلْكَ الأَيَّامُ حَافِلَةً بِالبَرَكَةِ، إِذْ كَلَّلَ اللهُ عَرَقَهُمَا بِالنَّجَاحِ، حَتَّى اسْتَطَاعَ أَبِي أَنْ يَبْتَاعَ غُرْفَةً مِنْ عَائِلَةٍ أَرْمَنِيَّةٍ كَانَتْ تَسْتَعِدُّ لِلرَّحِيلِ إِلَى أَرْمِينِيَا السُّوفْيَاتِيَّةِ ضِمْنَ مَوْجَةِ الهِجْرَةِ الكُبْرَى عَامَ ١٩٤٩م. كَانَتْ تِلْكَ الغُرْفَةُ القَابِعَةُ فِي «حَارَةِ الزُّنُودِ» هِيَ المُلْكَ الأَوَّلَ، وَالشَّاهِدَ عَلَى بَاكُورَةِ الِاسْتِقْرَارِ.
وَفِي تِلْكَ الغُرْفَةِ، وَفِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ هُوَ عِيدُ «مَار گَبْرِيئِيل» (السَّادِسُ مِنْ آبَ ١٩٤٩م)، جِئْتُ أَنَا إِلَى هَذَا العَالَمِ. تَقُولُ الرِّوَايَةُ إِنَّ القَابِلَةَ اللُّبْنَانِيَّةَ حِينَ رَأَتْ طَالِعِي السَّعِيدَ قَالَتْ لِأُمِّي: «إِجَا وَجَابْ اسْمُو مَعُو»، تَيَمُّناً بِالقِدِّيسِ گَبْرِيئِيل، لَكِنَّ أُمِّي بِفِطْرَتِهَا أَجَابَتْ: «لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، فَوَالِدُهُ اسْمُهُ گَبْرُو». وَهَكَذَا كُنْتُ مَوْلُودَ الفَرَحِ فِي مَدِينَةِ الغُرْبَةِ الطَّيِّبَةِ.
لَمْ تَدُمْ سَكِينَةُ القَامِشْلِي طَوِيلاً؛ إِذْ ظَهَرَ الجَدُّ «إِلْيَاس» فَجْأَةً فِي مَكَانِ عَمَلِ أَبِي، يَبُثُّهُ الرَّجَاءَ بِالعَوْدَةِ إِلَى القَرْيَةِ. كَانَ عَمِّي «حَنَّا» بِحِنْكَتِهِ يَقْرَأُ مَا بَيْنَ السُّطُورِ، فَقَالَ لِأَبِي مُحَذِّراً: «يَا أَخِي، هَذَا أَبُونَا وَأَنْتَ تَعْرِفُ مَعْدَنَهُ، مَا جَاءَ طَلَباً لِقُرْبِنَا، بَلْ لِحَاجَتِهِ لِمَنْ يَخْدُمُهُ». كَانَتْ بَصِيرَةُ العَمِّ صَائِبَةً، فَبَعْدَ زَوَاجِ العَمَّةِ «إِيلِي» مِنْ «مُوسَى بْن يَعْقُوبِهْ غَرِيب»، بَقِيَ الجَدُّ وَحِيداً فِي دَارِهِ بَعْدَ رَحِيلِ زَوْجَتِهِ الأُولَى «فَهِيمَة القَس يُوسُف» (جَدَّتِي الَّتِي غَادَرَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ وِلَادَةِ عَمِّي اسْطِيفُو عَامَ ١٩٣٠م)، وَبَعْدَهَا اقْتَرَنَ بِـ«حَانَة» مِنْ قَرْيَةِ «عَيْن وَرْد»، تِلْكَ المَرْأَةِ الصَّابِرَةِ الَّتِي حَمَلَتْ جِرَاحَ أَيَّامِ «الفَرْمَانِ» وَفَقَدَتْ طِفْلَهَا الأَوَّلَ.
عَادَتِ العَائِلَةُ إِلَى «بَرِهْ بَيْت»، وَسُرْعَانَ مَا انْقَشَعَ قِنَاعُ اللُّطْفِ عَنْ وَجْهِ الجَدِّ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ مِنْ «مَرْيَم گِيلَان». بَدَأَ يَخْتَلِقُ الأَعْذَارَ لِيُشْعِلَ نِيرَانَ الخِصَامِ مَعَ أَبِي وَأُمِّي، طَالِباً مِنْهُمَا الرَّحِيلَ لِيَخْلُوَ لَهُ الجَوُّ مَعَ زَوْجَتِهِ الجَدِيدَةِ. وَرَغْمَ فَيْضِ مَالِهِ، طَرَدَهُمَا دُونَ حُطَامٍ يُذْكَرُ. كُنْتُ حِينَذَاك رضِيعاً لَا يَكْفِينِي حَلِيبُ أُمِّي المَكْدُودَةِ، فَاضْطُرَّ أَبِي لِشِرَاءِ بَقَرَةٍ لِأَقْتَاتَ مِنْ ضَرْعِهَا، وَهَبَّ أَهْلُ القَرْيَةِ الكِرَامُ، بِمُبَادَرَةٍ مِنْ المِخْتَارِ «حَنُو گَارِسِي» وَ«مُرَاد گَبْرُو»، لِيَمُدُّوا أَبِي بِبَعْضِ مَؤُونَةِ اللَّبَنِ وَمَوَادِّ البِنَاءِ لِيُقِيمَ غُرْفَةً مُتَوَاضِعَةً تَسْتُرُ عُرْيَ الحَاجَةِ.
تَوَالَتِ السَّنَوَاتُ، وَانْتَقَلْنَا إِلَى «دِيرِيك»، حَيْثُ رَحَلَتْ بِنَا المَقَادِيرُ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ، فِي رِحْلَةِ شَتَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ مَرَرْنَا فِيهَا بِدِيَارِ «إِبْرَاهِيم سِيدِكِهْ»، ثُمَّ «مُرَاد لَوْزِهْ»، فَخَالِي «سُلَيْمَان»، وَآخَرِينَ مِنْ ذَوِي القُرْبَى وَالأَصْدِقَاءِ، كَأَنَّمَا كُنَّا نَبْحَثُ عَنْ هُوِيَّةِ المَكَانِ، حَتَّى اسْتَقَرَّ بِنَا المَقَامُ فِي دَارٍ نَمْلِكُهَا فِي «حَارَةِ المَوْتُورِ» الَّتِي صَارَتْ لَاحِقاً «حَارَةَ مَار دُودُو».
وَبَعْدَ زَوَاجِي عَامَ ١٩٧٧م، بَدَأْتُ مَلْحَمَةً أُخْرَى مَعَ «جَمْعِيَّةِ المُعَلِّمِينَ السَّكَنِيَّةِ»، انْتَظَرْتُ طَوِيلاً، لَكِنَّ عَقَبَاتِ الأَرْضِ وَالبِنَاءِ حَطَّمَتْ نَوَافِذَ الأَمَلِ، فَآثَرْتُ الِانْسِحَابَ. ابْتَعْنَا أَرْضاً مِنْ «مَرْيَم زِيرُو» وَشَيَّدْنَا عَلَيْهَا بَيْتَنَا المَنْشُودَ، ذَلِكَ المَلَاذَ الَّذِي لَمْ نَهْنَأْ بِهِ طَوِيلاً؛ فَقَدْ نَادَتْنَا رِيَاحُ الغُرْبَةِ نَحْوَ «أَلْمَانِيَا» عَامَ ١٩٨٦م. رَحَلْنَا وَتَرَكْنَا خَلْفَنَا البَيْتَ وَالذِّكْرَيَاتِ، لِيَبِيعَهُ لَنَا لَاحِقاً أَخِي الرَّاحِلُ «جُوزِيف»، بَيْنَمَا بَقِيَتْ تِلْكَ الغُرَفُ تَرْوِي لِلرِّيحِ قِصَّةَ رَجُلٍ بَدَأَ مِنْ عَرصَةِ الشَّارِعِ وَانْتَهَى بِهِ المَطَافُ وراءَ البِحَارِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس