مِخَاضُ المَوْتِ وَأُعْجُوبَةُ القِيَامَةِ
فِي مَطْلَعِ صِبَايَ، تَرَبَّصَ بِي مَرَضٌ عُضَالٌ نَهَشَ جَسَدِي النَّحِيلَ حَتَّى أَمْسَيْتُ شَبَحاً يَتَرَجَّحُ بَيْنَ الفَنَاءِ وَالبَقَاءِ، وَظَنَّ وَالِدَايَ أَنَّ رُوحِي الصَّغِيرَةَ قَدْ أَزْمَعَتِ الرَّحِيلَ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاءِ. وَفِي غَمْرَةِ اليَأْسِ، هَرَعَتْ أُمِّي لِتَسْتَشِيرَ الخَالَةَ «نَازِهْ» (زَوْجَةَ سَفَر شِيعَا)، فَمَا كَانَ مِنَ الخَالَةِ إِلَّا أَنْ أَشَارَتْ عَلَيْهَا بِبَصِيرَةِ الإِيمَانِ: «اذْهَبِي بِهِ إِلَى البَيْعَةِ (الكَنِيسَةِ) وَأَلْقِيهِ فِي حِمَاهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عُمْرٍ سَيُشْفَى، وَإِنْ نَادَاهُ المَوْتُ، فَمَا نَحْنُ إِلَّا عَابِرُونَ».
حَمَلَتْنِي أُمِّي وَهِيَ تَكْفِفُ عَبَرَاتِهَا، تُرَافِقُهَا قَرِيبَتِي «خَاتِهْ» (زَوْجَةُ مَسْعُود مَسِّهْ)، وَانْطَلَقَتَا بِي إِلَى مَوْضِعٍ فِي سَقْفِ البَيْعَةِ يُسَمَّى «المَفِيش»، حَيْثُ كَانَ البَصَلُ المَخْزُونُ يَمْلأُ الأَرْجَاءَ بِرَائِحَتِهِ الوَخِزَةِ. وَبَيْنَمَا النَّحِيبُ يَمْزِقُ صَمْتَ المَكَانِ، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُسْبَانِ؛ إِذْ بَرَزَتْ أَفْعَى مِنْ شُقُوقِ الجُدْرَانِ القَدِيمَةِ، وَمَرَّتْ بِسُكُونٍ مَهِيْبٍ بِجَانِبِ جَسَدِي الهَامِدِ. انْذَعَرَتْ أُمِّي وَارْتَاعَ قَلْبُهَا، لَكِنَّ «خَاتِهْ» هَدَّأَتْ مِنْ رَوْعِهَا قَائِلَةً: «لَا تَخَافِي، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ سَمَاوِيَّةٌ مِنْ حِمَى البَيْعَةِ أَنَّ طِفْلَكِ سَيَعُودُ إِلَى الحَيَاةِ».
بَقِيَتَا مَعِي فِي تِلْكَ العُلِّيَّةِ المُقَدَّسَةِ لِكَنِيسَةِ العَذْرَاءِ فِي «بَرِهْ بَيْت» حَتَّى بَزَغَ خَيْطُ الفَجْرِ، وَإِذَا بِأُعْجُوبَةٍ تَتَجَلَّى؛ فَقَدْ رَدَّ اللهُ إِلَيَّ رُوحِي، وَبَدَأْتُ أَتَحَرَّكُ وَأَلْعَبُ كَأَنَّ لَمْ يَمَسَّنِي سُوءٌ. مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَفَعَتْ أُمِّي عَهْداً مُقَدَّساً لِلْعَذْرَاءِ، أَنْ تُقَدِّمَ نَذْراً سَنَوِيّاً شُكْراً لِهَذِهِ النَّجَاةِ، وَصَارَتْ تَذْبَحُ الدَّجَاجَ كُلَّ عَامٍ وَتُوَزِّعُهُ عَلَى فُقَرَاءِ القَرْيَةِ، وَفَاءً لِعَهْدِ الصِّدْقِ.
تَمُرُّ الأَيَّامُ، وَيَطْرُقُ الفَقْرُ بَابَ أَبِي بِقَسْوَةٍ، وَيَتَفَشَّى مَرَضُ الدَّجَاجِ الفَتَّاكُ (الإِيش) فِي أَرْجَاءِ القَرْيَةِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِأُمِّي إِلَّا القَلِيلُ. ظَنَّتِ الأُمُّ فِي ضِيقهَا أَنَّ العَذْرَاءَ سَتَعْذُرُ عَجْزَهَا، فَأَغْفَلَتِ النَّذْرَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ العَجْفَاءِ. لَكِنَّ الرُّؤَى السَّمَاوِيَّةَ جَاءَتْ تَتْرَى؛ فَفِي اللَّيْلَةِ الأُولَى رَأَتِ العَذْرَاءَ تُذَكِّرُهَا بِعَهْدِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ كَرَّرَتِ التَّنْبِيهَ، وَأُمِّي تَحْسَبُهُ مُجَرَّدَ حُلْمٍ عَابِرٍ. وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، تَجَلَّتِ السَّيِّدَةُ العَذْرَاءُ بِمَهَابَةٍ غَاضِبَةٍ، وَأَلْقَتْ فِي رَوْعِ أُمِّي وَعِيداً زَلْزَلَ كَيَانَهَا: «إِنْ لَمْ تَفِي بِالنَّذْرِ، فَإِنِّي سَآخُذُ مِنْ بَيْتِكِ كَبِيرَهُ!».
اسْتَيْقَظَتْ أُمِّي مَذْعُورَةً، وَقَصَّتْ عَلَى أَبِي مَا رَأَتْ، فَأَدْرَكَ أَنَّ الأَمْرَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ. رَغْمَ الحَاجَةِ وَقِلَّةِ الزَّادِ، لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمَا سِوَى دِيكٍ وَاحِدٍ وَبَعْضُ دَجَاجَاتٍ، فَقَامَ أَبِي بِذَبْحِ الدِّيكِ فَوْراً، بَارّاً بِيَمِينِ زَوْجَتِهِ، وَفَاءً لِذَلِكَ العَهْدِ القَدِيمِ. وَظَلَّ هَذَا النَّذْرُ دَيْناً فِي عُنُقِ أُمِّي حَتَّى بَلَغْتُ مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَتَزَوَّجْتُ، فَقُمْتُ أَنَا بِأَدَاءِ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ لِمَرَّةٍ أَخِيرَةٍ، لِيُخْتَمَ بِذَلِكَ سِجِلُّ نَذْرٍ عَمَّرَ لِعُقُودٍ، شَاهِداً عَلَى قِصَّةِ طِفْلٍ صَارَ شَاعِراً بِفَضْلِ عِنَايَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَمْ تَخْذُلْهُ يَوْماً.
__________________
fouad.hanna@online.de
|