عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 24-03-2026, 03:00 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,966
افتراضي مَلْحَمَةُ النَّدَى وَالهَجِيرِ: عِشْقٌ مَنْحُورٌ عَلَى صَخْرَةِ التَّقَالِيدِ (1946

مَلْحَمَةُ النَّدَى وَالهَجِيرِ: عِشْقٌ مَنْحُورٌ عَلَى صَخْرَةِ التَّقَالِيدِ (1946-1951م)

بِقَلَمِ البَاحِثِ وَالمُؤَرِّخِ: فُؤَاد زَادِيكِي

«كَانَتْ بَلْدَةُ "آزَخَ" (بَايْتُ زَبْدَايَ) السِّرْيَانِيَّةُ، المَعْرُوفَةُ بِاسْمِ (إِيدِيلَ)، تَبْدُو فِي إِشْرَاقَةِ الرَّبِيعِ كَعَرُوسٍ تَتَجَلَّى بَيْنَ أَحْضَانِ "الجَبَلِ الأَبْيَضِ" الشَّامِخِ، الَّذِي احْتَضَنَهَا مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ كَأُمٍّ رَؤُومٍ. فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، كَانَ النَّدَى يَهْبِطُ سَحَرًا لِيُكَلِّلَ وُجُوهَ الأَشْجَارِ، وَيُرَصِّعَ الزُّرُوعَ كَأَكَالِيلَ مِنْ مَاسٍ نَقِيٍّ، حَيْثُ تَلْتَفُّ الكُرُومُ مَرَامِيَ الأُفُقِ، تَعْرِيشَاتٌ خَضْرَاءُ تُظَلِّلُ السُّفُوحَ وَالوِدْيَانَ. وَكَانَ الأَزْخِيُّونَ يَمْضُونَ إِلَى حُقُولِهِمْ مَعَ بَوَاكِيرِ الفَجْرِ، فَيَغْسِلُونَ وُجُوهَهُمْ بِذَلِكَ النَّدَى المُقَدَّسِ، تَبَرُّكًا بِنِعْمَةِ الرَّبِّ، الَّتِي انْسَكَبَتْ سِحْرًا عَلَى رَوَابِيهِمْ.
وَمَا إِنْ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ، حَتَّى تَنْبِضَ البَيَادِرُ بِحَيَاةٍ صَاخِبَةٍ، فَتَعْلُو أَصْوَاتُ "الجَرَاجِرِ" وَهِيَ تَدْرُسُ الذَّهَبَ المَنْثُورَ، وَتَتَصَاعَدُ أَهَازِيجُ الحَصَادِ الشَّجِيَّةِ، يَمْتَزِجُ فِيهَا عَرَقُ الجَبِينِ بِبَهْجَةِ العَطَاءِ. وَمِنْ بَعِيدٍ، كَانَ "السَّقَلَانُ" يَنْسَابُ كَوَرِيدِ حَيَاةٍ يَمْدُّ الأَرْضَ بِالخُصُوبَةِ لِيَرْوِيَ الحَدَائِقَ "البُقَچَ" وَبَسَاتِينَ الخُضْرَاوَاتِ، فِيمَا تَتَصَاعَدُ تَرَاتِيلُ الكَنَائِسِ وَأَصْوَاتُ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَدْيِرَةِ آزَخَ وكَنائِسِهَا العَرِيقَةِ، لِتَمْلأَ الفَضَاءَ بِعُذُوبَةٍ تَهَزُّ الوِجْدَانَ.
فِي هَذَا المِحْرَابِ الطَّبِيعِيِّ، وَفِي الحِقْبَةِ المُنْصَرِمَةِ بَيْنَ عَامَيْ (1946 - 1951م)، نَبَتَتْ قِصَّةُ حُبٍّ عَمِيقَةٍ بَيْنَ قُطْبَيْنِ مِن أَقْطَابِ المَهَابَةِ. كَانَ بَطَلُهَا الشَّابُّ المَسِيحِيُّ (ك.ح.ع)؛ ذَلِكَ السَّلِيلُ المُنْتَمِي إِلَى عَائِلَةٍ مَرْمُوقَةٍ بَسَطَتْ صِيتَهَا الطَّيِّبَ العَظِيمَ فِي أَرْجَاءِ البَلْدَةِ، فَوَالِدُهُ كَانَ أَحَدَ زُعَمَاءِ العَشِيرَةِ "العَمْنُوكِيَّةِ" الضَّارِبَةِ جُذُورُهَا فِي التَّارِيخِ. وَفِي الجَانِبِ الآخَرِ، كَانَتِ الحُسْنُ المُتَمَثِّلُ فِي الفَتَاةِ (خ)، ابْنَةِ الرَّجُلِ الَّذِي يَتَوَلَّى مَقَالِيدَ الحُكْمِ فِي بَلَدِيَّةِ "إِيدِيلَ" وَمُؤَسَّسَاتِهَا الحُكُومِيَّةِ، وَالَّذِي تَعُودُ أُصُولُهُ إِلَى إِحْدَى قُرَى "نَصِيبِينَ" البَعِيدَةِ، حَيْثُ نَزَحَ بِتَقَالِيدِهِ الصَّارِمَةِ وَسُلْطَتِهِ المَهِيْبَةِ.
لَمْ يَكُنْ عِشْقُهُمَا سَهْلًا فِي مُجْتَمَعٍ تَحْكُمُهُ العَشَائِرِيَّةُ وَالمَفَاهِيمُ الضَّيِّقَةُ، فَقَدِ اعْتَبَرَ أَهْلُهَا تَعَلُّقَ قَلْبِهَا "عَارًا" يُهَدِّدُ سَطْوَةَ وَالِدِهَا. بَدَأَتِ المُرَاقَبَةُ اللَّصِيقَةُ، وَاسْتَحَالَ بَيْتُهَا إِلَى سِجْنٍ يَرْصُدُ أَنْفَاسَهَا. وَرَغْمَ ذَلِكَ، كَانَتْ (خ) تَتَحَيَّنُ فُرَصَ الإِفْلَاتِ لِتَغْمُرَ ابْنَ أَخِ حَبِيبِهَا، الصَّغِيرَ (ع.ح)، بِحَنَانٍ طَافِحٍ، تَمْلأُ جُيُوبَهُ بِالتِّينِ وَالجَوْزِ، وَتَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِهَا وَهِيَ تَهْمِسُ بِشَجَنٍ: "رَائِحَةُ عَمِّكَ (ك) فِيكَ". بَلْ بَلَغَ بِهَا الوَجْدُ أَنْ كَانَتْ تَتَسَلَّلُ خِلْسَةً لِتَدْخُلَ الكَنِيسَةَ، تَنْدَسُّ بَيْنَ النِّسَاءِ السِّرْيَانِيَّاتِ لِتَرْفَعَ صَلَوَاتِهَا بَيْنَ عَبِيقِ البَخُورِ، بَاحِثَةً عَنْ مَلَاذٍ رُوحِيٍّ يَجْمَعُهُمَا.
لَمْ تَخْلُ هَذِهِ الحِكَايَةُ الحَقِيقِيَّةُ مِنْ وَجَعٍ، فَفِي لَحْظَةِ فَرَحٍ بَرِيئَةٍ وَهِيَ عَلَى "الزَّمْزِيلُوقِ" (المُرْجُوحَةِ) بَيْنَ جِذْعَيِ الشَّجَرَتَيْنِ، يَهُزُّهَا حَبِيبُهَا (ك) أَوْشَتْ بِهِمَا "ابْنَةُ خَالِهَا"، فَنَالَتْ (خ) مِنَ الضَّرْبِ المُبَرِّحِ قَسْوَةً، وَسِيْقَتْ كَأَسِيرَةٍ إِلَى دَارِهَا. وَتَكَرَّرَتِ المَأْسَاةُ فِي البَيَادِرِ حِينَ كَانَا جَالِسَيْنِ فَوْقَ "الجَرْجَرِ" يَدْرُسَانِ سَنَابِلَ القَمْحِ، فَانْتُزِعَتْ عَنْوَةً أَمَامَ الأَشْهَادِ. وَحَتَّى فِي شِتَاءِ آزَخَ القَارِسِ، حِينَ كَانَ الجَلِيدُ يُغَطِّي "بَيْرَمَةَ آزَخَ" وَالشَّبَابُ يَلْعَبُونَ "الهُولَ" قُرْبَ دَيْرِ مَارِ يَعْقُوبَ، هَجَمَ أَخُوهَا وَابْنُ عَمِّهَا لِيَنْتَزِعَاهَا بِوَحْشِيَّةٍ مِنْ بَيْنَ رِفَاقِهَا، حينَ قَرَّرَتِ النَّومَ فِي الدَّيرِ المَذكُورِ.
أَمَامَ جَوْرِ المَحَاكِمِ التُّرْكِيَّةِ المُنْحَازَةِ لِلسُّلْطَةِ، وَإِدْرَاكًا مِنْ عَائِلَةِ (ك) أَنَّ المَوَازِينَ لَيْسَتْ لِصَالِحِهِمْ، اتُّخِذَ القَرَارُ المُرُّ. فِي لَيْلَةٍ لَيْلَكِيَّةٍ مِنْ عَامِ 1951م، هَرَبَتِ العَائِلَةُ العَمْنُوكِيَّةُ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ نَحْوَ الحُدُودِ السُّورِيَّةِ، خَوفًا عَلَى حَيَاةِ الأبِ والإبنِ مَعًا. بَعْدَ رَحِيلِهِمْ، اسْتَحَالَتْ حَيَاةُ (خ) إِلَى صَمْتٍ مُطْبِقٍ فِي مَنْزِلِهَا القَرِيبِ مِنَ "السَّقَلَانِ"، تَرْقُبُ طَرِيقَ الجَبَلِ الأَبْيَضِ مِنَ النَّافِذَةِ، وَتَتَحَسَّسُ فِي جُيُوبِهَا بَقَايَا تِينٍ وَجَوْزٍ يَبِسَ كَمَا يَبِسَتْ فَرْحَتُهَا.
أَمَّا فِي أَزِقَّةِ آزَخَ، فَقَدْ تَرَكَ الرَّحِيلُ غَصَّةً فِي القُلُوبِ، إِذْ بَدَتْ أَصْوَاتُ الكَنَائِسِ وَكَأَنَّهَا نَحِيبٌ مُسْتَمِرٌّ، وَظَلَّ صَوْتُ خَرِيرِ "السَّقَلَانِ" يَحْمِلُ أَصْدَاءَ ضَحَكَاتِهِمَا الغَابِرَةِ، لِتُطْوَى صَفْحَةُ عِشْقٍ عَمِيقٍ نَحَرَتْهُ التَّقَالِيدُ عَلَى مَذْبَحِ القَسْوَةِ، وَتَبْقَى الحِكَايَةُ أَمَانَةً يَرْوِيهَا التَّارِيخُ عَنْ رَائِحَةِ حُبٍّ لَمْ تُفَارِقْ ثِيَابَ الذَّاكِرَةِ.»
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس