عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-03-2026, 08:38 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,991
افتراضي مَلِكَةُ سَبَأ بَيْنَ النَّصِّ وَالتَّارِيخ بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي تَتَرَاءَى قِصَّ

مَلِكَةُ سَبَأ بَيْنَ النَّصِّ وَالتَّارِيخ

بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي

تَتَرَاءَى قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأ فِي الذَّاكِرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ كَصُورَةٍ مُشِعَّةٍ يَتَقَاطَعُ فِيهَا الدِّينُ وَالتَّارِيخُ وَالأُسْطُورَةُ، فَهِيَ حِكَايَةٌ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي مَصْدَرٍ وَاحِدٍ، بَلْ تَنَاثَرَتْ شَذَرَاتُهَا فِي نُصُوصٍ مُتَعَدِّدَةٍ، يَجْمَعُهَا خَيْطٌ رَفِيعٌ مِنَ الإِعْجَابِ بِتِلْكَ المَلِكَةِ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ أَقَاصِي الجَنُوبِ إِلَى عَالَمِ الشَّمَالِ، وَيَفْرِقُهَا مَا أَضَافَهُ كُلُّ تَقْلِيدٍ مِنْ مَعَانٍ وَدَلَالَاتٍ.

فِي النَّصِّ القُرْآنِيِّ تَتَجَلَّى القِصَّةُ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الرُّوحِيَّةِ، حَيْثُ يَظْهَرُ النَّبِيُّ سُلَيْمَانُ، مَلِكًا مُؤَيَّدًا بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، يَتَفَقَّدُ جُنُودَهُ فَيَغِيبُ عَنْهُ الهُدْهُدُ، ثُمَّ يَأْتِيهِ بِخَبَرِ امْرَأَةٍ تَمْلِكُ قَوْمًا فِي أَرْضِ سَبَأ، أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، غَيْرَ أَنَّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَبْعَثُ إِلَيْهَا سُلَيْمَانُ كِتَابًا يَدْعُوهَا فِيهِ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَتَتَلَقَّاهُ بِحِكْمَةٍ وَتَسْتَشِيرُ قَوْمَهَا، ثُمَّ تُرْسِلُ هَدِيَّةً تَسْتَكْشِفُ بِهَا نِيَّتَهُ، فَيَرُدُّهَا مُعْلِنًا أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا عِنْدَهُمْ. وَتَتَصَاعَدُ الأَحْدَاثُ حَتَّى تُقْدِمَ المَلِكَةُ بِنَفْسِهَا، فَتَرَى مِنْ آيَاتِ القُدْرَةِ مَا يُدْهِشُهَا، مِنْ نَقْلِ العَرْشِ فِي لَمْحَةٍ، إِلَى الصَّرْحِ الَّذِي حَسِبَتْهُ لُجَّةً مِنَ المَاءِ، فَتَنْتَهِي الرِّحْلَةُ بِنُطْقِهَا بِالإِيمَانِ، مُعْلِنَةً خُضُوعَهَا لِرَبِّ العَالَمِينَ.

أَمَّا فِي نُصُوصِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، فَتَأْتِي القِصَّةُ فِي سِيَاقٍ مُخْتَلِفٍ، إِذْ تَبْلُغُ المَلِكَةُ أَخْبَارُ حِكْمَةِ سُلَيْمَانَ، فَتَرْحَلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِتَخْتَبِرَهُ بِمَسَائِلَ وَأَلْغَازٍ، فَيُجِيبُهَا عَنْ كُلِّ مَا سَأَلَتْ، فَتُبْهَرُ بِعِلْمِهِ وَمُلْكِهِ وَنِظَامِ بِلَاطِهِ، وَتُقَدِّمُ لَهُ الهَدَايَا الجَزِيلَةَ مِنْ ذَهَبٍ وَطِيبٍ وَأَحْجَارٍ كَرِيمَةٍ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى بِلَادِهَا دُونَ أَنْ تُذْكَرَ لَهَا نُقْلَةٌ عَقَدِيَّةٌ أَوْ تَحَوُّلٌ دِينِيٌّ، فَتَكُونُ القِصَّةُ هُنَا أَقْرَبَ إِلَى إِبْرَازِ مَجْدِ المَلِكِ وَحِكْمَتِهِ مِنْ كَوْنِهَا رِوَايَةَ هِدَايَةٍ.

وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ تَنْسَجُ التَّقَالِيدُ الأُخْرَى خُيُوطًا جَدِيدَةً، فَفِي التُّرَاثِ الإِثْيُوبِيِّ تَظْهَرُ المَلِكَةُ بِاسْمِ مَاكِيدَا، وَتَتَّسِعُ القِصَّةُ لِتُصْبِحَ أَصْلًا لِسِلْسِلَةٍ مَلَكِيَّةٍ، بَيْنَمَا تَسْمِيهَا الرِّوَايَاتُ الإِسْلَامِيَّةُ بِلْقِيسَ، وَهِيَ تَسْمِيَاتٌ مُتَأَخِّرَةٌ لَا يَسْنُدُهَا ذِكْرٌ صَرِيحٌ فِي النُّصُوصِ الأُولَى.

وَإِذَا انْتَقَلْنَا مِنْ عَالَمِ النُّصُوصِ إِلَى أَرْضِ التَّارِيخِ، وَجَدْنَا أَنَّ مَمْلَكَةَ سَبَأ لَيْسَتْ خَيَالًا، بَلْ حَقِيقَةٌ رَاسِخَةٌ فِي جَنُوبِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فِي أَرْضِ اليَمَنِ، حَيْثُ ازْدَهَرَتْ قُرُونًا طَوِيلَةً وَسَيْطَرَتْ عَلَى تِجَارَةِ اللُّبَانِ وَالبُخُورِ، وَخَلَّفَتْ نُقُوشًا وَمَعَابِدَ وَآثَارًا تَشْهَدُ بِقُوَّتِهَا وَتَنَظِيمِهَا. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدَ، عَلَى كَثْرَتِهَا، لَا تَذْكُرُ مَلِكَةً بِعَيْنِهَا تَتَطَابَقُ مَعَ شَخْصِيَّةِ القِصَّةِ، وَلَا تُسَجِّلُ زِيَارَةً إِلَى سُلَيْمَانَ أَوْ إِلَى أُورُشَلِيمَ، مِمَّا يَجْعَلُ الرَّبْطَ بَيْنَ النَّصِّ وَالوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ أَمْرًا مَفْتُوحًا عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى اليَقِينِ.

وَمِنْ هُنَا يَنْقَسِمُ البَاحِثُونَ فِي تَقْوِيمِ القِصَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهَا بِنَاءً أَدَبِيًّا يَعْكِسُ مَعَانِيَ دِينِيَّةً أَوْ سِيَاسِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَسْتَنِدُ إِلَى حَادِثَةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَعَرَّضَتْ لِلتَّضْخِيمِ وَالإِضَافَةِ مَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ، بَيْنَمَا يَظَلُّ الرَّأْيُ التَّقْلِيدِيُّ مُتَمَسِّكًا بِحَرْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ فِي انْتِظَارِ مَا قَدْ تَكْشِفُهُ الحَفْرِيَّاتُ المُسْتَقْبَلِيَّةُ.

وَهَكَذَا تَبْقَى مَلِكَةُ سَبَأ شَخْصِيَّةً تَقِفُ عَلَى الحَدِّ الفَاصِلِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالمِيثُولُوجِيَا، تُلْهِمُ المُفَكِّرِينَ وَتُثِيرُ تَسَاؤُلَاتِ البَاحِثِينَ، وَتُذَكِّرُنَا بِأَنَّ بَعْضَ القِصَصِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ إِثْبَاتُهَا كُلِّيًّا، تَبْقَى حَيَّةً بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ مَعَانٍ وَدَلَالَاتٍ تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ قِرَاءَةٍ
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس