عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-03-2026, 03:05 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,005
Question

إضاءةٌ على جرائم خالد بن الوليد

بقلم: فؤاد زاديكي

لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَفْهَمَ كَيْفَ يُفَكِّرُ المُسْلِمُونَ، وَهَلْ هُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْفَهْمِ وَالْعَقْلَانِيَّةِ أَوِ الْمَنْطِقِ، حِينَ يَتَفَاخَرُونَ بِرِجَالِهِمْ وَيَعْتَزُّونَ بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ جَرَائِمَ بِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ؟ لَوْ أَنَّ المُسْلِمَ الْوَاعِي تَوَقَّفَ، وَلَوْ لِبُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَانِ، عِنْدَ تَارِيخِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ تُدَرَّسُ سِيَرُهُمْ فِي كُتُبِ الْمَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ، لَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يُرَادُ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّونَ أَنْ يُعْرَفَ وَيُنْشَرَ، وَأَمَّا الْجَوَانِبُ الْمُظْلِمَةُ مِنَ الْخِزْيِ وَالْعَارِ وَالنَّذَالَةِ وَالْإِجْرَامِ، فَيُحَاوِلُونَ طَمْسَهَا، لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بِهَا أَحَدٌ، خَاصَّةً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ سِوَى الْقُبُولِ بِلا نِقَاشٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ.
وَأَحَدُ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الَّذِينَ صَرَّعُوا الْأُمَّةَ بِأَمْجَادِهِمْ وَبِبُطُولَاتِهِمُ الْخَارِقَةِ هُوَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَتَّى أَنْهُمْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَقَبَ «سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ»، كَأَنَّ اللَّهَ رَجُلٌ مُحَارِبٌ يُحِبُّ سَفْكَ الدِّمَاءِ وَيَسْعَى لِارْتِكَابِ الْجَرَائِمِ الْفَظِيعَةِ بِحَقِّ الْبَشَرِ. وَيُتْبَعُ اسْمُهُ بِعِبَارَاتٍ مِثْلَ «سَيِّدُنَا» وَ«الْأَمِينُ الصَّادِقُ»، مَعَ صِيغَةِ التَّعْظِيمِ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ».
فَمَنْ هُوَ هَذَا الرَّجُلُ؟ هُوَ أَبُو سُلَيْمَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ الْقُرَشِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ ٥٩٢م وَتَوَفَّى سَنَةَ ٦٤٢م، صَحَابِيٌّ وَقَائِدٌ عَسْكَرِيٌّ مُسْلِمٌ أُطْلِقَ عَلَيْهِ رَسُولُ الْإِسْلَامِ لَقَبَ «سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ». وَلَيْتَهُ كَانَ سَيْفًا مَشْلُولًا، لِمَا قَامَ بِهِ مِنْ جَرَائِمَ لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ.
يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يُهْزَمْ فِي أَكْثَرِ مِنْ مِئَةِ مُعْرَكَةٍ، وَيُسَبَّغُ لَهُ الْمُسْلِمُونَ أَلْقَابًا وَصِفَاتٍ أَقْرَبُ إِلَى الْخُرَافَةِ وَالْأَسَاطِيرِ؛ فَهُوَ حِينًا عَبقَرِيٌّ، وَحِينًا بَارِعٌ فِي قِيَادَةِ الْجُيُوشِ، أَوْ أَنَّهُ أَحَدُ الْقَادَةِ الْقَلِيلِينَ فِي التَّارِيخِ الَّذِينَ لَمْ يُهْزَمُوا.
قَادَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَدَّةِ غَزَوَاتٍ يُسَمِّيهَا الْمُسْلِمُونَ «حُرُوبًا»، وَعَزَلَهُ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ قِيَادَةِ الْجُيُوشِ، لَيْسَ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ خَشْيَةً مِنْ فُتْنَةٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ لِأَنَّ خَالِدًا أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، فَقَطَعَ رَأْسَهُ وَطَبَخَهُ، ثُمَّ اغْتَصَبَ زَوْجَتَهُ. وَهَذَا أَغْضَبَ عُمَرَ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «إِنَّهُ زَنَى فَارْجِمْهُ»، فَرَفَضَ أَبُو بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «إِنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا فَاقْتُلْهُ»، فَرَفَضَ أَبُو بَكْرٍ ثَانِيَةً، وَقَالَ: «تَأوَّلْ فَأَخْطَأْ»، وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ التَّسْمِيَةُ «سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ».
فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ، عِنْدَمَا قَالَ جُنُودُ خَالِدٍ: «إِنَّا الْمُسْلِمُونَ»، رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْمُ مَالِكٍ: «نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، فَإِنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ فَضَعُوا السِّلَاحَ». ثُمَّ صَلَّى هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ، وَلَمْ يَفُتْ خَالِدٌ فِي قَتْلِهِمْ، وَكَتَمَ شَهَادَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِينَ دَافَعُوا عَنْ مَالِكٍ وَقَوْمِهِ، وَأَصَرَّ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَأَوْكَلَ الْمَهَمَّةَ إِلَى ضِرَارِ بْنِ الْأَزُورِ، وَقَالَ: «يَا ضِرَارُ اضْرِبْ عَنْقَهُ».
غَضِبَ أَبُو قَتَادَةَ لِدَرَجَةٍ أَنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ أَلَّا يَشْهَدَ مَعَ خَالِدٍ حَرْبًا بَعْدَهَا، وَغَضِبَ "الْفَارُوقُ" عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَامَ بِعَزْلِهِ فَوْرَ تَوَلِّي خِلَافَتِهِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ.
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَذْبَحَةُ الأُولَى الَّتِي ارْتَكَبَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّهَا الأَخِيرَةُ؛ فَهُوَ رَجُلٌ يَعْشَقُ النِّسَاءَ وَالْقَتْلَ، وَيَقُومُ بِالتَّمْثِيلِ بِجُثَثِ أَعْدَائِهِ، وَحَرْقِ الزَّرْعِ وَالنَّسْلِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ جَرَائِمَ حَرْبٍ وَإِبَادَةً جَمَاعِيَّةً.
أُرْسِلَ إِلَى تَهَامَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَمَرَّ بِبَنِي جُذَيْمَةَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَرَفَضُوا الْاِعْتِرَافَ، فَتَجَلَّتْ وَحْشِيَّتُهُ فِي قَتْلِهِمْ وَأَسْرِهِمْ، حَتَّى تَبَرَّأَ النَّبِيُّ مِنْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ، قَتَلَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ الْمُرْتَدِّينَ نَحْوَ ٢١ أَلْفَ رَجُلٍ، وَفِي مَوْقِعَةِ الْيَرْمُوكِ قَتَلَ نَحْوَ ١٢٠ أَلْفًا مِنَ الْجَيْشِ الْبَيْزَنْطِيِّ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ الدِّمَوِيِّ، فَإِنَّ سِيرَتَهُ تُقَدَّسُ فِي كَثِيرٍ مِنْ شُعُوبِ الْمِنْطِقَةِ، وَتُسَمَّى بِاسْمِهِ الشَّوَارِعُ وَالْمَدَارِسُ وَالْمَسَاجِدُ، كَأَنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي سَفَكَهَا كَانَتْ بُطُولَاتٍ يُحْتَفَى بِهَا.
يَقُولُ نِضَالُ نَعِيسِي فِي مَقَالِهِ «سَفَّاحُو الْبَدْوِ الْكِبَار»:

> «هُنَاكَ مَنْ يُقَدِّسُونَ وَيُمَجِّدُونَ هَذَا الْمُجْرِمَ الْغَازِي الْبَدَوِيَّ خَالِدَ، وَأَمْثَالَهُ مِنَ السَّفَّاحِينَ وَقَاطِعِي الرُّؤُوسِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ كَائِنَاتٍ فِي الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ مُبَعُوثًا لِيَقُولَ لَهُمْ: «اقْتُلُوا الْبَشَرَ، وَدَمِّرُوا حَضَارَاتِهِمْ، وَاسْبُوا نِسَاءَهُمْ، وَاقْتُلُوا أَطْفَالَهُمْ».»

وَقَدْ وَرَدَ فِي رِسَائِلِ خالِدٍ هَذَا إِلَى قَائِدِ الرُّومِ: «وَلَكِنَّنَا مَعْشَرُ الْعَرَبِ قَوْمٌ نَشْرَبُ الدِّمَاءَ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا دَمَ أَشَهَى وَلَا أَطْيَبَ مِنْ دَمِ الرُّومِ» يَا لَهُ مِنْ خُلُقّ!
أَلَيْسَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ مَخِزِيَةً، وَهِيَ تَرْسُمُ صُورَةً وَاضِحَةً لِوَحْشِيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ، حِينَ يَفْتَخِرُ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَيَقُولُ: «عَجِزَتِ النِّسَاءُ أَنْ تَلِدَ مِثْلَ خَالِدٍ»؟
وَمِنْ بُطُولَاتِهِ الَّتِي سَتَظَلُّ مَحْفُورَةً فِي ذِاكِرَةِ التَّارِيخِ، فَتْحُهُ لِمَدِينَةِ دِمَشْقَ عامَ ٦٣٤م، حَيْثُ قَتَلَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُسِيحِيٍّ، مُدَمِّرًا الْمَدِينَةَ، مُقْتَحِمًا مِنَ الشَّرْقِ، فِي حِينِ اسْتَسْلَمَ الْغَرْبُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَاحِ. وَاعْتَبَرَتِ الْكَنِيسَةُ الأَرْثُوذُوكْسِيَّةُ شُهَدَاءَ دِمَشْقَ الأَرْبَعِينَ أَلْفَ قُدِّيسِينَ، حتّى أنّهْ ضربَ بالسّيفِ أعناقَ التّلاميذِ المسيحيُين وهُم في صُفوفِهم، يتلقّونً العلمَ.

لَمْ يَصِلِ الْعَرَبُ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدُ إِلَى نُقْطَةِ الْاِعْتِرَافِ بِأَخْطَائِهِمْ، وَلَا تُوجَدُ لَدَيْهِمْ رَغْبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي هَذَا التُّرَاثِ الْقَائِمِ عَلَى الْخِدَاعِ وَالْأَسَاطِيرِ. فَإِنَّ مَنْ يَبْقَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ دُونَ النَّظَرِ إِلَى أَخْطَائِهِ وَعُيُوبِهِ، فَلَنْ تَقُومَ لَهُ قَائِمَةٌ، وَهَكَذَا تَبْقَى الْأُمَّةُ غَارِقَةً فِي الْجَهْلِ وَالِاقْتِتَالِ وَالْعَدَاءِ لِلآخَرِ، وَمُنْغَلِقَةً عَنْ كُلِّ حَقِيقَةٍ، مُحْرُومَةً مِنْ نُورِ التَّصْحِيحِ وَالإصْلَاحِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس