عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم اليوم, 12:20 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,000
افتراضي ملحق طفولتنا ٤ من كتاب (هَوَامِش) سِيرةٌ ذاتِيّةٌ. شَذَرَاتٌ مِن رَحِمِ الـمَنَافِي

ملحق طفولتنا
٤
من كتاب (هَوَامِش) سِيرةٌ ذاتِيّةٌ.

شَذَرَاتٌ مِن رَحِمِ الـمَنَافِي وَذَاكِرَةِ الطُّفُولَةِ

حِينَ أَوْصَدَ وَالِدَايَ أَبْوَابَ الدَّارِ فِي قَرْيَةِ (بَرِهْ بِيْت)، كَانَتْ نَسَمَاتُ الرَّحِيلِ تَحْمِلُ ثِقْلًا لَا تُفَسِّرُهُ إِلَّا دُمُوعُ الودَاعِ الـمُعَلَّقَةِ فِي مَحَاجِرِ الصَّمْتِ. كُنْتُ آنَذَاكَ غَضَّ الإِهَابِ، أَقْتَسِمُ بَرَاءَةَ الْعُمْرِ مَعَ أَخِي الـمَرْحُومِ (جُوزِيف)، وَنَحْنُ نَرْقُبُ أَعْوَامَنَا القَلِيلَةَ وَهِيَ تُحْزَمُ مَعَ مَتَاعِ البَيْتِ البَسِيطِ جِدًّا، لِيُوضَعَ كُلُّ شَيْءٍ فَوْقَ مَتْنِ "تِرِكْتُورِ" الـمَرْحُومِ (جِرْجِيس القَس)، الَّذِي مَضَى بِنَا نَحْوَ (دِيرِيك). مَا زَالَ هَدِيرُ ذَلِكَ الـمُحَرِّكِ وَغُبَارُ الطَّرِيقِ يَنْبُضَانِ فِي ذَاكِرَتِي كَأَنَّهُ مَشْهَدٌ لَمْ يَجِفَّ حِبْرُهُ بَعْدُ.
حَلَلْنَا فِي (دِيرِيك) ضُيُوفًا عَلَى الزَّمَنِ، فَسَكَنَّا ابْتِدَاءً فِي دَارٍ تَعُودُ مِلْكِيَّتُهَا لِآلِ (إِبْرَاهِيم سِيْدكِهْ)، وَالِدِ الـمَرْحُومِ (كَشْتُو)، ثُمَّ انْتَقَلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ لِنَسْتَكِنَّ فِي كَنَفِ قَرِيبِي (رِزْقُو شَمْعُون حَنُّو)، وَالِدِ الخُورِي شَمْعُون، وَهُوَ ابْنُ عُمُومَةِ جَدِّي لِأُمِّي (حَانَة)، السَّيِّدِ (قِرْيَاقِس يُونُو جُمُعَة). كَانَتْ خَرِيطَةُ العَائِلَةِ تَمْتَدُّ جُذُورُهَا فِي تِلْكَ الأَرْضِ، بَيْنَ بَيْتِ الـمُخْتَارِ (حَنَّا اسْطِيفُو)، وَبَيْتِ (حَنَّا جَاجُو)، وَبَيْتِ (بُولُس عِيدُو)، وَعَائِلَةِ (مَلْكِي حَبِيب - حَبُّو)، وَآلِ (سُرْيَانِي)، وَبَيْتِ (عَبْدَال كُولِهْ).
مِحْرَابُ العِلْمِ وَحِجَارَةُ "آزَخ" الـمُقَدَّسَةِ
وَلَجْتُ عَالَمَ التَّعْلِيمِ عَبْرَ بَوَّابَةِ (مَدْرَسَةِ السُّرْيَانِ الخَاصَّةِ)، الَّتِي كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا آنَذَاكَ "مَدْرَسَةُ الدَّوْلَةِ". لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ، بَلْ كَانَتْ مَلْحَمَةً بَشَرِيَّةً تَأَسَّسَتْ عَامَ ۱۹۳۰م بِرُؤْيَةِ (مُرَاد صُوهرُو) وَسَوَاعِدِ شَبَابِ الطَّائِفَةِ الَّذِينَ نَقَلُوا حِجَارَةَ كَنِيسَةِ (آزَخ) لِيَبْنُوا بِهَا صَرْحَ المَدْرَسَةِ وَالكَنِيسَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
كَانَ صَفُّنَا يَقَعُ فِي آخِرِ الرَّوَاقِ بِاتِّجَاهِ الـمَرَافِقِ، وَفِي بَاحَةِ الكَنِيسَةِ يَرْبِضُ بِئْرُ مَاءٍ بِلَا سِيَاجٍ، كُنَّا نَمُدُّ لَهُ دِلَاءً مِنَ الجِلْدِ لِنَرْتَوِيَ مِنْ زُلَالِهِ. تَعَاقَبَ عَلَى إِدَارَةِ هَذَا الصَّرْحِ رِجَالٌ لَهُمْ فِي التَّارِيخِ بَصْمَةٌ؛ بَدْءًا مِنْ (حَنَّا بَشِير)، مرورًا بِالـمَلْفُونُو (إِسْحَق لَحْدُو)، وَصُولًا إِلَى الأُسْتَاذِ (يَعْقُوب تُومَا).
غُصَّةُ الطُّفُولَةِ وَتَفَوُّقٌ لَمْ يَنْصِفْهُ الفَقْرُ
تَتَرَدَّدُ فِي مَسَامِعِي أَسْمَاءُ رِفَاقِ الدَّرْبِ فِي ذَلِكَ الحِينِ: نَظِير مُرَاد، بَهِيج القَس، إِبْرَاهِيم چَاجُو، إِلْيَاس سَلْطُو، أَفْرَام لُوزِهْ، إِسْحَق كَرْمُو، وَآخَرُونَ مِمَّنْ نَقَشُوا مَلَامِحَهُمْ فِي كِتَابِ حَيَاتِي. كُنْتُ شُعْلَةً مِنَ الذَّكَاءِ وَالاجْتِهَادِ، لَا أَقِلُّ عَنْ أَقْرَانِي مَوْهِبَةً، وَلَكِنَّ القَدَرَ هَيَّأَ لِي مَوْقِفًا لَا يَزَالُ يَحُزُّ فِي نَفْسِي مَرَارَةً.
فِي الصَّفِّ الثَّالِثِ، تَمَّ تَرْفِيعُ نُخْبَةٍ مِنَ الزُّمَلَاءِ إِلَى صَفٍّ أَعْلَى، منهم بهيج يوسُف القَسّ ونَظِير مرَاد گبرو الحَكِيم وجورجيت عَبدو (عبد الأحَد) وسُعَاد يوسُف گيژو ونَعِيمَة قريَاقس، وَبَقِيتُ أَنَا رَغْمَ أَهْلِيَّتِي وَتَفَوُّقِي. أَدْرَكْتُ بِفِطْرَتِي الصَّغِيرَةِ حِينَذَاكَ أَنَّ قِيْدَ الفَقْرِ الَّذِي كَانَ يُطَوِّقُ وَالِدِي كَانَ أَثْقَلَ مِنْ نَتَائِجِي الـمُبْهِرَةِ، بَيْنَمَا فَتَحَ الغِنَى أَبْوَابَ التَّجَاوُزِ لِغَيْرِي. تِلْكَ الغُصَّةُ مَا زَالَتْ تَسْكُنُ أَعْمَاقِي، تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ ذِكْرَى كَأَنَّهَا حَدَثَتْ بِالأَمْسِ القَرِيبِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، اسْتَمَرَّ مِشْوَارُ الكِفَاحِ، فَتَعَلَّمْتُ عَلَى يَدِ الأُسْتَاذِ (كَرِيم بِيْطَار) فِي الصَّفِّ الرَّابِعِ، وَأَبْحَرْتُ فِي قَوَاعِدِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مَعَ (يَعْقُوب تُومَا) وَ**(حَنَّا كُورْكِيس شَيْعَا)**، وَارْتَشَفْتُ مَبَادِئَ الإِنْجِلِيزِيَّةِ مِنَ الـمُعَلِّمِ (تُومَا رِزْقُو مَحْبُوبِهْ). لَقَدْ صَقَلَتْنِي تِلْكَ الأَيَّامُ، وَجَعَلَتْ مِنِّي شَاعِرًا يَكْتُبُ بِدَمِ القَلْبِ تَارِيخًا لَا يَمُوتُ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس