تَصْوِيبُ المَفَاهِيمِ التَّارِيخِيَّةِ حَوْلَ شَخْصِيَّةِ "المُقَوْقِسِ" وَسِيَاقِهَ
تَصْوِيبُ المَفَاهِيمِ التَّارِيخِيَّةِ حَوْلَ شَخْصِيَّةِ "المُقَوْقِسِ" وَسِيَاقِهَا الزَّمَنِيِّ
بِقَلَمِ البَاحِثِ وَالمُؤَرِّخِ فُؤَاد زَادِيكِي
لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُلُوكِ الأَقْبَاطِ فِي مِصْرَ أَيُّ مَلِكٍ بِاسْمِ "المُقَوْقِسِ" كَمَا وَرَدَ فِي السِّيَرِ وَالمَصَادِرِ الإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي صَوَّرَتْهُ كَحَاكِمٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ رِسَالَةً يَدْعُوهُ فِيهَا إِلَى الإِسْلَامِ، فَرَدَّ عَلَيْهَا بِرَدٍّ لَبِقٍ وَأَهْدَى إِلَيْهِ جَارِيَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا مَارِيَةُ القِبْطِيَّةُ وَأُخْتُهَا سِيرِينُ بِنْتُ شَمْعُونَ. وَالحَقِيقَةُ العِلْمِيَّةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ "المُقَوْقِسَ" لَيْسَ اسْمًا شَخْصِيًّا بَلْ هُوَ لَقَبٌ إِدَارِيٌّ أَوْ دِينِيٌّ بَيْزَنْطِيٌّ، وَهُوَ تَعْرِيبٌ لِلَّفْظَةِ اليُونَانِيَّةِ (Makaukios) أَوْ (Megalos) بِمَعْنَى "العَظِيمِ" أَوْ "الأَسْقُفِ الأَكْبَرِ"، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ الشَّخْصِيَّةَ المَقْصُودَةَ هِيَ "جُرَيْجُ بْنُ مِينَا" (Georgios) أَوْ البَطْرِيَرْكُ "كَيْرُس"، وَكَانَ يُمَثِّلُ السُّلْطَةَ الإِمْبِرَاطُورِيَّةَ الرُّومَانِيَّةَ الشَّرْقِيَّةَ وَلَيْسَ مَلِكًا مُسْتَقِلًّا، إِذْ إِنَّ الحُكْمَ الفِرْعَوْنِيَّ كَانَ قَدْ انْدَثَرَ مُنْذُ قُرُونٍ، وَمِصْرُ آنَذَاكَ كَانَتْ أَبْرَشِيَّةً تَقَعُ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ البَيْزَنْطِيِّ، كَمَا أَنَّ هَذَا الحَاكِمَ كَانَ "مَلْكَانِيًّا" تَابِعًا لِكَنِيسَةِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ وَلَيْسَ قِبْطِيًّا أَرْثُوذُكْسِيًّا مِنْ أَهْلِ الكَنِيسَةِ الوَطَنِيَّةِ المِصْرِيَّةِ. إِنَّ إِطْلَاقَ لَقَبِ "مَلِكِ مِصْرَ" أَوْ "عَظِيمِ القِبْطِ" عَلَيْهِ فِي المَصَادِرِ العَرَبِيَّةِ يَعْكِسُ مَنْظُورًا قَبَلِيًّا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَلِكِ صَاحِبِ السَّيَادَةِ وَبَيْنَ الوَالِي أَوْ الموَظَّفِ الإِدَارِيِّ، رَغْبَةً فِي إِضْفَاءِ شَرْعِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ وَتَضْخِيمِ صَدَى الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ بِجَعْلِهَا نِدًّا لِقِوىً عُظْمَى، وَهَذَا الخَلْطُ التَّارِيخِيُّ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ عَدَمَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "النَّصْرَانِيَّةِ" كَبِدْعَةٍ مَسِيحيَّةٍ يَهودِيَّةٍ بَائِدَةٍ وَبَيْنَ "المَسِيحِيَّةِ" الجَامِعَةِ، وَهُوَ تَشْوِيهٌ مَقْصُودٌ لِلْحَقَائِقِ لَا يَزَالُ مُسْتَمِرًّا إِلَى اليَوْمِ. وَمِنْ أَبْرَزِ شَوَاهِدِ هَذَا الِارْتِبَاكِ التَّارِيخِيِّ المَعْرِفِيِّ هُوَ الخَلْطُ بَيْنَ "مَرْيَمَ أُخْتِ هَارُونَ وَمُوسَى" الَّتِي عَاشَتْ فِي العُصُورِ القَدِيمَةِ، وَبَيْنَ "مَرْيَمَ العَذْرَاءِ أُمِّ المَسِيحِ"، رَغْمَ أَنَّ الفَاصِلَ الزَّمَنِيَّ بَيْنَهُمَا يَتَجَاوَزُ أَلْفًا وَثَلَاثَمِئَةِ سَنَةٍ، مِمَّا يُؤَكِّدُ غِيَابَ المَرْجِعِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ. إِنَّ مَا يَتِمُّ تَرْوِيجُهُ مِنْ مَغَالَطَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ لَيْسَ إِلَّا نِتَاجَ مُحَاوَلَاتٍ لِتَسْوِيقِ التَّزْوِيرِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، لَكِنَّ البَحْثَ العِلْمِيَّ الرَّصِينَ يَكْشِفُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ زَيْفَ هَذِهِ الأَكَاذِيبِ الَّتِي سُوِّغَتْ لِتَهْيِمَنَ عَلَى عُقُولِ الأَجْيَالِ، فَالْبَاطِلُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَغْدُوَ حَقًّا مَهْمَا دَعَمَتْهُ القُوَّةُ أَوْ طَالَ زَمَنُ تَرْدِيدِهِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|