عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 04-04-2026, 08:30 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,043
افتراضي حَيَاةُ الْمَسِيحِيِّينَ بَيْنَ الْبِدَايَةِ وَالتَّحَوُّلِ البَاحِثُ: فُؤَادُ زَادِ

حَيَاةُ الْمَسِيحِيِّينَ بَيْنَ الْبِدَايَةِ وَالتَّحَوُّلِ

البَاحِثُ: فُؤَادُ زَادِيكِي

كَانَتْ حَيَاةُ الْمَسِيحِيِّينَ الْأَوَائِلِ تَتَّسِمُ بِرُوحٍ جَمَاعِيَّةٍ قَوِيَّةٍ وَبِبَسَاطَةٍ وَاضِحَةٍ، إِذْ عَاشُوا كَأَنَّهُمْ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ، يَجْمَعُهُمْ الْإِيمَانُ وَتُوَحِّدُهُمُ الْمَحَبَّةُ الْعَمَلِيَّةُ. كَانُوا يَهْتَمُّونَ بِبَعْضِهِمْ بَعْضًا اهْتِمَامًا عَمِيقًا، فَيُسَاعِدُونَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَرْضَى وَالْأَرَامِلَ، وَيَشْعُرُونَ بِمَسْؤُولِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ تُجَاهَ الْجَمِيعِ[1]. وَفِي بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ، كَانُوا يُشَارِكُونَ فِي الْمُمْتَلَكَاتِ، فَيَبِيعُونَ مَا لَدَيْهِمْ وَيَضَعُونَهُ لِخِدْمَةِ الْجَمِيعِ، لِكَيْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مُحْتَاجٌ[2]. وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُمَارَسَةُ إِلْزَامِيَّةً دَائِمًا، وَلَكِنَّهَا عَكَسَتْ عُمْقَ التَّضَامُنِ وَصِدْقَ الْإِيمَانِ.

كَانَتِ الْعِبَادَةُ تَجْرِي فِي الْبُيُوتِ، حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ لِلصَّلَاةِ وَكَسْرِ الْخُبْزِ وَتَعْلِيمِ الرُّسُلِ، فِي بَسَاطَةٍ وَعَفْوِيَّةٍ، دُونَ مَبَانٍ خَاصَّةٍ أَوْ طُقُوسٍ مُعَقَّدَةٍ[3]. وَقَدْ عَاشُوا فِي ظِلِّ اضْطِهَادٍ مُتَكَرِّرٍ مِنَ السُّلْطَاتِ الرُّومَانِيَّةِ، مِمَّا جَعَلَهُمْ أَكْثَرَ تَمَاسُكًا وَتَرَابُطًا، وَأَظْهَرَ اسْتِعْدَادَهُمْ لِلتَّضْحِيَةِ حَتَّى بِالْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ إِيمَانِهِمْ[4]. وَكَانَتْ قِيَادَتُهُمْ بَسِيطَةً، يَقُودُهَا الرُّسُلُ ثُمَّ الشُّيُوخُ، مَعَ تَرْكِيزٍ كَبِيرٍ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ وَانْتِظَارِ مَجِيءِ الْمَسِيحِ.

غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَغَيَّرَتْ تَغَيُّرًا جِذْرِيًّا بَعْدَ صُدُورِ مرسوم ميلانو فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْمِيلَادِيِّ عَلَى يَدِ قسطنطين الكبير، حَيْثُ أُقِرَّتْ حُرِّيَّةُ الْعِبَادَةِ[5]، ثُمَّ أَصْبَحَتِ الْمَسِيحِيَّةُ دِينًا رَسْمِيًّا فِي عَهْدِ ثيودوسيوس الأول[6]. وَمَعَ انْتِهَاءِ الِاضْطِهَادِ، بَدَأَتِ الْكَنِيسَةُ تَتَحَوَّلُ مِنْ جَمَاعَاتٍ صَغِيرَةٍ مُتَرَابِطَةٍ إِلَى مُؤَسَّسَةٍ كَبِيرَةٍ مُنَظَّمَةٍ، لَهَا هَيَاكِلُ وَسُلَّمٌ إِدَارِيٌّ وَاضِحٌ.

فَلَمْ يَعُدِ الِاجْتِمَاعُ فِي الْبُيُوتِ هُوَ السَّائِدَ، بَلْ بُدِئَ بِبِنَاءِ كَنَائِسَ كَبِيرَةٍ، وَأَصْبَحَتِ الْعِبَادَةُ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا وَتَعْقِيدًا، مَعَ ظُهُورِ طُقُوسٍ رَسْمِيَّةٍ[7]. كَمَا دَخَلَتْ أَعْدَادٌ كَبِيرَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْمَسِيحِيَّةِ، بَعْضُهُمْ لِأَسْبَابٍ رُوحِيَّةٍ وَآخَرُونَ لِدَوَافِعَ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ سِيَاسِيَّةٍ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَنَوُّعٍ كَبِيرٍ فِي مُسْتَوَى الِالْتِزَامِ وَالْإِيمَانِ.

وَمَعَ هَذَا التَّحَوُّلِ، تَرَاجَعَتْ فِكْرَةُ الْمُشَارَكَةِ الْجَمَاعِيَّةِ فِي الْمُمْتَلَكَاتِ، وَظَهَرَ تَفَاوُتٌ طَبَقِيٌّ أَكْثَرُ وُضُوحًا دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ الْمَسِيحِيِّ[8]. كَمَا أَصْبَحَ لِلْكَنِيسَةِ نُفُوذٌ سِيَاسِيٌّ وَاجْتِمَاعِيٌّ، وَتَدَخَّلَتِ السُّلْطَةُ فِي شُؤُونِهَا، وَظَهَرَتِ الْمَجَامِعُ الْكَنَسِيَّةُ لِتَوْحِيدِ الْعَقَائِدِ، مِثْلَ مجمع نيقية الأول[9].

وَرُغْمَ أَنَّ هَذَا التَّطَوُّرَ أَسْهَمَ فِي انْتِشَارِ الْمَسِيحِيَّةِ وَاسِعًا وَأَوْقَفَ الِاضْطِهَادَ، فَإِنَّهُ أَدَّى أَيْضًا إِلَى بَعْضِ التَّحَدِّيَاتِ، مِثْلَ دُخُولِ السِّيَاسَةِ فِي الدِّينِ وَضَعْفِ الرُّوحِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي مَيَّزَتِ الْبِدَايَاتِ[10]. وَلِذَلِكَ ظَهَرَتْ حَرَكَاتٌ رُوحِيَّةٌ، كَالرَّهْبَنَةِ، فِي مُحَاوَلَةٍ لِلْعَوْدَةِ إِلَى حَيَاةِ الزُّهْدِ وَالنَّقَاءِ.

وَبِهَذَا، يَتَّضِحُ أَنَّ الْمَسِيحِيَّةَ قَدِ انْتَقَلَتْ مِنْ حَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، قَائِمَةٍ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْبَسَاطَةِ وَالتَّضْحِيَةِ، إِلَى دِيَانَةٍ عَالَمِيَّةٍ كَبِيرَةٍ مُنَظَّمَةٍ، مِمَّا مَنَحَهَا قُوَّةً وَانْتِشَارًا، وَلَكِنَّهُ غَيَّرَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مَلَامِحَ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

---

الهوامش:

[1] يُنْظَرُ: سفر أعمال الرسل، الإصحاح 2 و4.
[2] المرجع نفسه.
[3] يُنْظَرُ: تقاليد الكنيسة الأولى حول كسر الخبز والاجتماعات المنزلية.
[4] عن الاضطهادات الرومانية في القرون الثلاثة الأولى.
[5] حول حرية العبادة في مرسوم ميلانو.
[6] قرارات ثيودوسيوس الأول بجعل المسيحية دينًا رسميًا.
[7] تطور الليتورجيا وبناء الكنائس بعد القرن الرابع.
[8] دراسات في التاريخ الاجتماعي للمسيحية المبكرة.
[9] مقررات مجمع نيقية الأول.
[10] تحليلات تاريخية حول علاقة الكنيسة بالسلطة.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس