عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 05-04-2026, 03:10 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,029
افتراضي إشكاليّة الإيمان المسيحي في مواجهة العالم المعاصر: دراسة نقديّة فلسفيّة لاهوتيّة الب

إشكاليّة الإيمان المسيحي في مواجهة العالم المعاصر: دراسة نقديّة فلسفيّة لاهوتيّة

الباحث: فُؤَاد زَادِيكِي

يَقِفُ الإِيمَانُ المَسِيحِيُّ اليَومَ أَمَامَ تَحَدٍّ مَرْكَزِيٍّ لَا يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَةِ تَمَوْضُعِهِ ضِمْنَ عَالَمٍ تَشَكَّلَ وَعْيُهُ عَلَى أُسُسٍ عِلْمِيَّةٍ وَعَقْلَانِيَّةٍ وَرَقْمِيَّةٍ مُتَسَارِعَةٍ، حَيْثُ لَمْ يَعُدِ الإِنسَانُ الحَدِيثُ يَسْتَقْبِلُ الحَقِيقَةَ فِي صُورَةِ مُسَلَّمَاتٍ مِيتَافِيزِيقِيَّةٍ، بَلْ يُخْضِعُهَا لِمِعْيَارِ التَّجْرِبَةِ وَالنَّقْدِ وَالتَّحْلِيلِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الإِشْكَالَ لَا يَنْحَصِرُ فِي صِرَاعٍ تَقْلِيدِيٍّ بَيْنَ الدِّينِ وَالعِلْمِ، بَلْ يَتَجَاوَزُ ذٰلِكَ إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ يَتَعَلَّقُ بِإِمْكَانِ إِعَادَةِ صِيَاغَةِ اللُّغَةِ الدِّينِيَّةِ نَفْسِهَا لِتَكُونَ قَادِرَةً عَلَى مُخَاطَبَةِ إِنسَانٍ يَعِيشُ فِي أُفُقٍ مَعْرِفِيٍّ مُخْتَلِفٍ جِذْرِيًّا.

فِي هٰذَا السِّيَاقِ، تَتَبَايَنُ المَوَاقِفُ الدَّاخِلِيَّةُ فِي المَسِيحِيَّةِ تَبَايُنًا يَكْشِفُ عَنْ غِنًى لَاهُوتِيٍّ مِنْ جِهَةٍ، وَعَنْ أَزْمَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَفِي التَّقْلِيدِ الكَاثُولِيكِيِّ، الَّذِي يَجِدُ امْتِدَادَهُ الفِكْرِيَّ فِي تَرَاثِ توما الأكويني وَيَتَجَدَّدُ فِي خِطَابِ البابا فرنسيس، يَتَشَكَّلُ مَوْقِفٌ تَوْفِيقِيٌّ يَقُومُ عَلَى افْتِرَاضِ التَّنَاغُمِ بَيْنَ العَقْلِ وَالوَحْيِ، حَيْثُ لَا يُنْظَرُ إِلَى العِلْمِ كَخَصْمٍ، بَلْ كَمَجَالٍ مُكَمِّلٍ لِفَهْمِ الخَلْقِ. وَيَتَجَلَّى ذٰلِكَ فِي قَبُولِ نَظَرِيَّاتٍ عِلْمِيَّةٍ كَالتَّطَوُّرِ مَعَ الإِبْقَاءِ عَلَى بُعْدٍ غَائِيٍّ إِلَهِيٍّ، وَفِي الاِنْفِتَاحِ عَلَى قَضَايَا مُسْتَجِدَّةٍ كَالذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ مِنْ زَاوِيَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّوْفِيقَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مَرُونَتِهِ، يُثِيرُ إِشْكَالِيَّةً نَقْدِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِحُدُودِ التَّأْوِيلِ، إِذْ قَدْ يُفْضِي إِلَى إِعَادَةِ قِرَاءَةِ النُّصُوصِ الدِّينِيَّةِ عَلَى نَحْوٍ يُفْقِدُهَا جُزْءًا مِنْ صَرَامَتِهَا العَقَائِدِيَّةِ.

أَمَّا التَّقْلِيدُ الأُرْثُوذُكْسِيُّ، كَمَا يَتَجَلَّى فِي أَعْمَالِ يوحنا زيزولاس، فَيَتَّخِذُ مَسَارًا مُخَالِفًا يَرْفُضُ أَصْلًا وَضْعَ الإِيمَانِ فِي مُوَاجَهَةٍ مَعَ العِلْمِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْتَمِي إِلَى أُفُقٍ مَعْرِفِيٍّ مُخْتَلِفٍ؛ فَالإِيمَانُ خِبْرَةٌ وُجُودِيَّةٌ وَسِرٌّ كَنَسِيٌّ، لَا نَظَرِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ التَّجْرِيبِيِّ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هٰذَا المَوْقِفَ يُجَنِّبُ اللَّاهُوتَ صِدَامًا مُبَاشِرًا مَعَ المَعْرِفَةِ العِلْمِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُوَاجِهُ نَقْدًا يَتَعَلَّقُ بِعَجْزِهِ عَنْ مُخَاطَبَةِ العَقْلِ الحَدِيثِ بِلُغَتِهِ، مِمَّا قَدْ يُفْضِي إِلَى انْكِفَاءِ الإِيمَانِ فِي دَائِرَةٍ طُقُوسِيَّةٍ مَحْضَةٍ.

وَفِي السَّاحَةِ البُرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، يَبْدُو التَّعَدُّدُ أَكْثَرَ حِدَّةً، إِذْ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ اتِّجَاهٍ لِيبِرَالِيٍّ، كَمَا عِنْدَ رودولف بولتمان، يَدْعُو إِلَى “نَزْعِ الأُسْطُورَةِ” عَنِ النُّصُوصِ المُقَدَّسَةِ وَإِعَادَةِ تَفْسِيرِهَا فِي ضَوْءِ الفَهْمِ الوُجُودِيِّ، وَبَيْنَ اتِّجَاهٍ مُحَافِظٍ يَتَمَسَّكُ بِقِرَاءَةٍ حَرْفِيَّةٍ لِلكِتَابِ المُقَدَّسِ وَيَدْخُلُ فِي مُوَاجَهَةٍ صَرِيحَةٍ مَعَ بَعْضِ النَّظَرِيَّاتِ العِلْمِيَّةِ، وَبَيْنَ مَوْقِفٍ وَسَطِيٍّ كَمَا عِنْدَ كارل بارث يَفْصِلُ بَيْنَ مَجَالِ الوَحْيِ وَمَجَالِ العِلْمِ دُونَ أَنْ يُقِيمَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةً. وَيُظْهِرُ هٰذَا التَّعَدُّدُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حَيَوِيَّتِهِ، أَزْمَةً فِي تَحْدِيدِ مَرْجِعِيَّةٍ مَوْحِدَةٍ، مِمَّا يُفْضِي إِلَى تَشَظٍّ فِي الخِطَابِ الدِّينِيِّ وَاخْتِلَافٍ فِي مَوَاقِفِهِ مِنَ العَالَمِ المُعَاصِرِ.

إِذَا نَظَرْنَا إِلَى هٰذِهِ المَوَاقِفِ فِي ضَوْءِ التَّحَدِّيَاتِ الرَّاهِنَةِ، كَنَظَرِيَّةِ التَّطَوُّرِ وَالثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّةِ وَالذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِشْكَالَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكْمُنُ فِي المُعْطَى العِلْمِيِّ ذَاتِهِ، بَلْ فِي الإِطَارِ التَّأْوِيلِيِّ الَّذِي يُسْتَقْبَلُ مِنْ خِلَالِهِ. فَالعِلْمُ، بِوَصْفِهِ مَنْهَجًا لِفَهْمِ الظَّوَاهِرِ، لَا يَدَّعِي الإِجَابَةَ عَنِ الأَسْئِلَةِ الغَائِيَّةِ، بَيْنَمَا يَسْعَى الدِّينُ إِلَى مَنْحِ المَعْنَى وَتَأْسِيسِ القِيَمِ؛ إِلَّا أَنَّ التَّدَاخُلَ بَيْنَ المَجَالَيْنِ يَحْدُثُ عِنْدَمَا يُصِرُّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى تَجَاوُزِ حُدُودِهِ.

وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى أَزْمَةٌ أَعْمَقُ، يُمْكِنُ تَوْصِيفُهَا بِأَزْمَةِ اللُّغَةِ الدِّينِيَّةِ، حَيْثُ مَا زَالَ اللَّاهُوتُ التَّقْلِيدِيُّ يَسْتَعْمِلُ مَفَاهِيمَ مِيتَافِيزِيقِيَّةً تَشَكَّلَتْ فِي سِيَاقَاتٍ فِلْسَفِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، فِي حِينِ يَتَشَكَّلُ وَعْيُ الإِنسَانِ المُعَاصِرِ ضِمْنَ أُفُقٍ عِلْمِيٍّ وَنَفْسِيٍّ وَتِقْنِيٍّ مُخْتَلِفٍ. وَيُفْضِي هٰذَا التَّفَاوُتُ إِلَى نُشُوءِ فَجْوَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالمُضْمُونِ فَحَسْبُ، بَلْ بِأَدَوَاتِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ، مِمَّا يَجْعَلُ الرِّسَالَةَ الدِّينِيَّةَ أَقَلَّ قُدْرَةً عَلَى التَّأْثِيرِ فِي الفَضَاءِ العَامِّ.

وَعَلَى هٰذَا الأَسَاسِ، تَجِدُ المَسِيحِيَّةُ نَفْسَهَا بَيْنَ خَطَرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ: خَطَرِ الذَّوَبَانِ فِي الحَدَاثَةِ، حَيْثُ يُفْقِدُهَا التَّكَيُّفُ المُفْرِطُ هُوِيَّتَهَا العَقَائِدِيَّةَ، وَخَطَرِ الاِنْغِلَاقِ، حَيْثُ يُفْضِي التَّمَسُّكُ الحَرْفِيُّ بِالتُّرَاثِ إِلَى عَزْلِهَا عَنْ وَاقِعِ الإِنسَانِ المُعَاصِرِ. وَبَيْنَ هٰذَيْنِ الحَدَّيْنِ، يَبْدُو أَنَّ التَّحَدِّيَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكْمُنُ فِي الاِخْتِيَارِ بَيْنَ القَبُولِ وَالرَّفْضِ، بَلْ فِي القُدْرَةِ عَلَى إِنْتَاجِ خِطَابٍ لَاهُوتِيٍّ جَدِيدٍ، يَكُونُ قَادِرًا عَلَى الاِنْخِرَاطِ فِي العَالَمِ العِلْمِيِّ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ بُعْدَهُ الرُّوحِيَّ، وَعَلَى مُخَاطَبَةِ العَقْلِ دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى مَجَرَّدِ نِظَامٍ فِلْسَفِيٍّ خَالٍ مِنَ السِّمَةِ الإِيمَانِيَّةِ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الإِشْكَالِيَّةَ المَطْرُوحَةَ اليَوْمَ لَا تَنْحَصِرُ فِي سُؤَالِ مَدَى تَوَافُقِ المَسِيحِيَّةِ مَعَ العِلْمِ، بَلْ تَتَجَاوَزُهُ إِلَى سُؤَالٍ أَنْطُولُوجِيٍّ أَعْمَقَ: هَلْ يَسْتَطِيعُ الإِيمَانُ أَنْ يُعِيدَ تَعْرِيفَ ذَاتِهِ فِي عَالَمٍ لَمْ يَعُدْ يَنْطَلِقُ مِنْ مُسَلَّمَاتٍ دِينِيَّةٍ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِهٰذَا الإِيمَانِ أَنْ يُقَدِّمَ مَعْنًى لِلْوُجُودِ الإِنسَانِيِّ فِي زَمَنٍ أَصْبَحَ فِيهِ المَعْنَى نَفْسُهُ مَحَلَّ تَشْكِيكٍ مُسْتَمِرٍّ؟ إِنَّ الإِجَابَةَ عَنْ هٰذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ هِيَ الَّتِي سَتُحَدِّدُ مَآلَ المَسِيحِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، بَيْنَ أَنْ تَظَلَّ قُوَّةً حَيَّةً قَادِرَةً عَلَى التَّجَدُّدِ، أَوْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى تُرَاثٍ ثَقَافِيٍّ يُسْتَذْكَرُ أَكْثَرَ مِمَّا يُعَاشُ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس