مُلْحَقٌ لِقِسْمِ «شَبابنَا» مِنْ كِتَابِي «هَوَامِش» (سِيرَةٌ ذَاتِيَّة)
(1)
فِي مُنْعَطَفِ الشَّبَابِ، حَيْثُ تَتَفَتَّحُ الأَرْوَاحُ عَلَى أَسْئِلَةِ الْمَصِيرِ، وَتَتَّسِعُ العُيُونُ لِرُؤْيَا عَالَمٍ أَكْبَرَ مِنْ حُدُودِ الطُّفُولَةِ، وَجَدْتُ نَفْسِي مَدْفُوعًا—بِحَمَاسٍ لَا يَهْدَأُ—نَحْوَ النَّشَاطِ السِّيَاسِيِّ. وَكَانَ أَوَّلُ مَسَارٍ خُضْتُهُ فِي ذٰلِكَ الطَّرِيقِ هُوَ انْضِمَامِي إِلَى الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ السُّورِيِّ، حَيْثُ تَمَّ تَنْظِيمِي أَنَا وَالرَّفِيقُ عِيسَى عُورِي فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ فَضْلُ البَدْءِ، وَهُوَ الرَّفِيقُ حَنَّا گُورْگِيس شِيعَا.
كَانَتْ تِلْكَ الأَيَّامُ مَشْحُونَةً بِالتَّوَتُّرِ وَالإِحْتِمَالَاتِ الْخَطِرَةِ، فَقَدْ كَانَتْ مَدِينَةُ دِيرِيك تَعِيشُ مَرْحَلَةً حَسَّاسَةً فِي تَارِيخِهَا السِّيَاسِيِّ. الأَحْزَابُ الَّتِي انْتَمَيْنَا إِلَيْهَا—وَمِنْهَا حِزْبُنَا وَالحِزْبُ القَوْمِيُّ السُّورِيُّ الاجْتِمَاعِيُّ—كَانَتْ مَحْظُورَةً رَسْمِيًّا، وَلٰكِنَّهَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذٰلِكَ، كَانَتْ تَتَمَتَّعُ بِحُضُورٍ قَوِيٍّ وَتَأْثِيرٍ عَمِيقٍ فِي الشَّارِعِ السِّيَاسِيِّ، لَا فِي دِيرِيك فَقَطْ، بَلْ فِي مُجْمَلِ مُحَافَظَةِ الحَسَكَةِ.
وَفِي وَقْتٍ كَانَ فِيهِ حِزْبُ البَعْثِ الحَاكِمُ يَفْتَقِرُ إِلَى أَيِّ قَاعِدَةٍ شَعْبِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي المَدِينَةِ، كَانَتِ السَّاحَةُ تُقَاسَمُ بَيْنَ قُوَّتَيْنِ رَئِيسَتَيْنِ: الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ السُّورِيِّ—قَبْلَ الانْقِسَامِ الشَّهِيرِ الَّذِي أَدَّى إِلَى خُرُوجِ أَعْضَاءِ المَكْتَبِ السِّيَاسِيِّ وَتَشْكِيلِ تَيَّارٍ آخَرَ—وَالحِزْبِ القَوْمِيِّ السُّورِيِّ الاجْتِمَاعِيِّ. وَكَانَ التَّنَافُسُ بَيْنَهُمَا مُحْتَدِمًا، يَتَّخِذُ أَحْيَانًا طَابِعًا حَادًّا يَقْتَرِبُ مِنَ الصِّدَامِ.
فِي خِضَمِّ تِلْكَ الأَجْوَاءِ، نَسَجْتُ عَلاقَاتٍ مُتِينَةً مَعَ رِفَاقِ الحِزْبِ، وَخَاصَّةً مَعَ صَدِيقِي القَرِيبِ عِيد إِسْحَاق عِيدُو، وَبَهِيج يُوسُف القَسّ، وَرَيْمُون عَزِيز مَعْجُون. وَمَعَ الأَخِيرِ، تَحَوَّلَ شَغَفُنَا إِلَى مَشْرُوعٍ صَغِيرٍ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ: جَمْعُ الأَعْدَادِ القَدِيمَةِ مِنْ مَجَلَّةِ «نِضَالِ الشَّعْبِ»—اللِّسَانِ النَّاطِقِ بِاسْمِ الحِزْبِ—إِلَى جَانِبِ وُثَائِقَ وَمَنْشُورَاتٍ حِزْبِيَّةٍ عَتِيقَةٍ، كَأَنَّنَا كُنَّا نُنَقِّبُ فِي ذَاكِرَةِ الزَّمَنِ عَنْ شُذُورٍ مِنْ مَعْنًى.
وَلَمْ تَكُنْ حَيَاتُنَا كُلُّهَا سِيَاسَةً وَكَتَابَةً، بَلْ كَانَ لِلْمَقْهَى نَصِيبُهُ مِنْ أَيَّامِنَا. كَانَ العَمُّ إِسْحَاق عِيدُو يُدِيرُ مَقْهًى فِي حَارَةِ بَيْتِ أَبُو سَمْعَان وَعِيسَى شِيرِينَه، وَكَانَ ذٰلِكَ المَكَانُ أَشْبَهَ بِمَلَاذٍ يَجْمَعُنَا. هُنَاكَ، كُنَّا نَجْلِسُ سَاعَاتٍ طِوَالًا نَلْعَبُ الوَرَقَ، نَخُوضُ فِي أَحَادِيثَ لَا تَنْتَهِي، وَنُشَارِكُ فِي جَلَسَاتٍ تَجْمَعُ بَيْنَ شَبَابٍ يَافِعٍ وَرِجَالٍ كِبَارٍ، مِثْلِ بُولُس حَنَّا القَسّ وَقَرِيبِي صَبْرِي إِسْحَاق چَرِي وَرزّوق كبرو (إيشْ الحمير) وآخرون.
وَفِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، كُنْتُ أَعْمَلُ مُعَلِّمًا فِي مَدْرَسَةِ نَاظِم الطَّبَقْجَجْلِي، وَكَانَ يُدِيرُهَا الأُسْتَاذُ نَعِيم زَيْتُون. وَكَثِيرًا مَا كَانَتْ تَسْرِقُنِي سَاعَاتُ المَقْهَى، فَأَتَأَخَّرُ عَنْ مَوْعِدِ المَدْرَسَةِ، أَوْ أَصِلُ فِي آخِرِ اللَّحَظَاتِ، مُحَمَّلًا بِبَقَايَا سَهَرٍ وَضَحِكٍ وَانْشِغَالٍ.
أَمَّا أَنَا وَصَدِيقِي عِيد، فَكَانَ لَنَا وَلَعٌ خَاصٌّ بِالكِتَابَةِ السَّاخِرَةِ؛ كُنَّا نَخُطُّ أَخْبَارًا وَمَقَالَاتٍ خَفِيفَةَ الظِّلِّ، نَقْصِدُ بِهَا التَّسْلِيَةَ وَإِثَارَةَ البَسْمَةِ، وَكَانَتْ لَنَا فِيهَا مَوْهِبَةٌ نَشْعُرُ بِهَا وَنَفْخَرُ بِهَا فِي سِرِّنَا. وَكَانَ شَغَفُنَا بِالقِرَاءَةِ لَا يَقِلُّ عَنْ ذٰلِكَ، بَلْ كَانَ نَهَمًا لَا يُشْبَعُ.
وَفِي يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ الأَيَّامِ، دَخَلْنَا مَعًا إِلَى مَكْتَبَةِ السَّيِّدِ فُؤَاد لَحْدُو رَازَاي، نَتَجَوَّلُ بَيْنَ الرُّفُوفِ كَمُسْتَكْشِفَيْنِ فِي عَالَمٍ سِحْرِيٍّ. لَفَتَ انْتِبَاهَنَا كِتَابٌ بَعَيْنِهِ، فَأَخَذَ بِقُلُوبِنَا قَبْلَ أَيْدِينَا. وَلٰكِنَّ الجَيْبَ كَانَ خَالِيًا، وَالرَّغْبَةُ كَانَتْ مُلِحَّةً. هُنَا، ارْتَكَبْنَا خَطَأً لَمْ نَكُنْ نُدْرِكُ ثِقَلَهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ: سَرَقْنَا الكِتَابَ.
لَا أَذْكُرُ اليَوْمَ مَنْ مِنَّا احْتَفَظَ بِهِ، وَلَا كَيْفَ تَقَاسَمْنَا صَمْتَ الذَّنْبِ بَعْدَهَا، لٰكِنِّي أَذْكُرُ جَيِّدًا ذٰلِكَ الشُّعُورَ الَّذِي تَسَلَّلَ إِلَيْنَا بَعْدَ حِينٍ: شُعُورُ الخِفَّةِ فِي العَمَلِ، وَالثِّقَلِ فِي الضَّمِيرِ. بَدَتْ لَنَا فِعْلَتُنَا سَاذَجَةً، صَغِيرَةً، لَكِنَّهَا كَشَفَتْ لَنَا عَنْ حَقِيقَةٍ كَبِيرَةٍ: أَنَّ الخَطَأَ، وَإِنْ بَدَا عَابِرًا، يَتْرُكُ أَثَرًا لَا يُمْحَى.
نَدِمْنَا—وَبِصِدْقٍ—عَلَى مَا فَعَلْنَا، وَوَعَدْنَا أَنْفُسَنَا أَلَّا نُعِيدَ تِلْكَ الزَّلَّةَ مَهْمَا كَانَتِ الذَّرَائِعُ. كَانَ دَرْسًا قَاسِيًا، وَلٰكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ، فَالْإِنْسَانُ لَا يَنْضُجُ إِلَّا إِذَا وَاجَهَ أَخْطَاءَهُ، وَلَا يَتَعَلَّمُ إِلَّا إِذَا اعْتَرَفَ بِهَا.
هٰكَذَا تَكُونُ الحَيَاةُ: مَزِيجًا مِنَ الحَمَاسِ وَالعَثَرَاتِ، مِنَ الضَّحِكِ وَالنَّدَمِ، وَمِنْ كُلِّ ذٰلِكَ يَتَشَكَّلُ الإِنْسَانُ.
وَيَتَعَلَّمُ الإِنْسَانُ مِنْ أَغْلَاطِهِ.