إِشْكَالِيَّةُ اخْتِلَافِ مَوَاعِيدِ عِيدَيِ الْمِيلَادِ وَالْقِيَامَةِ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمَسِيحِيَّةِ: دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فِي الْأَسْبَابِ وَالْعَوَائِقِ وَإِمْكَانِيَّةِ التَّوْحِيدِ
(18)
بِقَلَمِ الْبَاحِثِ: فُؤَاد زَادِيكي
يُعَدُّ اخْتِلَافُ مَوَاعِيدِ الِاحْتِفَالِ بِعِيدَيِ الْمِيلَادِ وَالْقِيَامَةِ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمَسِيحِيَّةِ مِنْ أَبْرَزِ الْإِشْكَالِيَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ وَاللَّاهُوتِيَّةِ الَّتِي مَا زَالَتْ تُثِيرُ نِقَاشًا وَاسِعًا فِي الْوَسَطِ الدِّينِيِّ وَالْأَكَادِيمِيِّ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ وِحْدَةِ الْمُعْتَقَدِ الْأَسَاسِيِّ حَوْلَ مِحْوَرِيَّةِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ فِي الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ، إِلَّا أَنَّ تَعَدُّدَ التَّقَالِيدِ وَاخْتِلَافَ مَرْجِعِيَّاتِ الْحِسَابِ الزَّمَنِيِّ أَدَّيَا إِلَى تَفَرُّقٍ وَاضِحٍ فِي تَحْدِيدِ مَوَاعِيدِهِمَا، مِمَّا يُعَبِّرُ فِي جَوْهَرِهِ عَنْ تَرَاكُمَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ وَانْقِسَامَاتٍ كَنَسِيَّةٍ عَمِيقَةٍ.
فَفِي مَا يَخُصُّ عِيدَ الْمِيلَادِ، تَحْتَفِلُ مُعْظَمُ الْكَنَائِسِ الْغَرْبِيَّةِ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ دِيسَمْبَرَ، فِي حِينِ تَحْتَفِلُ بِهِ الْكَنَائِسُ الشَّرْقِيَّةُ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ فِي السَّابِعِ مِنْ يَنَايِرَ، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ أَسَاسًا إِلَى اخْتِلَافِ التَّقْوِيمَيْنِ الْمُعْتَمَدَيْنِ، أَعْنِي التَّقْوِيمَ الْيُولْيَانِيَّ وَالتَّقْوِيمَ الْغِرِغُورِيَّ، حَيْثُ أَدَّى الْإِصْلَاحُ الَّذِي أُجْرِيَ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ إِلَى فَارِقٍ زَمَنِيٍّ بَلَغَ فِي وَقْتِنَا الْحَالِيِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. أَمَّا عِيدُ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا، إِذْ لَا يَثْبُتُ عَلَى تَارِيخٍ وَاحِدٍ، بَلْ يُحَدَّدُ وَفْقَ قَاعِدَةٍ أَقَرَّهَا مَجْمَعُ نِيقِيَّةَ سَنَةَ 325م، تَقْضِي بِالِاحْتِفَالِ بِهِ فِي الْأَحَدِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَوَّلِ بَدْرٍ يَلِي الِاعْتِدَالَ الرَّبِيعِيَّ. غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي تَحْدِيدِ هَذَا الِاعْتِدَالِ، وَفِي طَرِيقَةِ حِسَابِ الْبَدْرِ، بَيْنَ الْحِسَابَاتِ الْفَلَكِيَّةِ الْحَدِيثَةِ وَالْجَدَاوِلِ التَّقْلِيدِيَّةِ، أَدَّى إِلَى تَبَايُنٍ فِي تَوَارِيخِ الِاحْتِفَالِ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ.
وَلَا يَقْتَصِرُ هَذَا الِاخْتِلَافُ عَلَى الْجَانِبِ التَّقْوِيمِيِّ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى أَبْعَادٍ لَاهُوتِيَّةٍ وَتَارِيخِيَّةٍ مُتَجَذِّرَةٍ، إِذْ إِنَّ كُلَّ كَنِيسَةٍ تَرَى فِي نَفْسِهَا حَامِلَةً لِلتَّقْلِيدِ الْأَصِيلِ، وَتَتَحَفَّظُ عَلَى أَيِّ تَغْيِيرٍ قَدْ يُفْهَمُ عَلَى أَنَّهُ تَنَازُلٌ عَنْ هُوِيَّتِهَا. وَقَدْ تَعَمَّقَ هَذَا الْوَضْعُ بَعْدَ الِانْقِسَامِ الْكَنَسِيِّ الْكَبِيرِ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ سَنَةَ 1054م، حَيْثُ تَكَرَّسَتِ الِاخْتِلَافَاتُ وَأَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنَ الْبِنْيَةِ الْهُوِيَّاتِيَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ. وَهَكَذَا، أَضْحَى تَحْدِيدُ مَوْعِدِ الْعِيدِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَسْأَلَةٍ فَلَكِيَّةٍ، بَلْ رَمْزًا لِاسْتِقْلَالِ الْكَنِيسَةِ وَتَمَسُّكِهَا بِتُرَاثِهَا.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ تَغِبْ مَسَاعِي تَوْحِيدِ الْأَعْيَادِ عَنْ سَاحَةِ الْحِوَارِ الْمَسْكُونِيِّ، إِذْ شَهِدَ الْعَصْرُ الْحَدِيثُ مُبَادَرَاتٍ عِدَّةً دَعَتْ إِلَى اعْتِمَادِ حِسَابَاتٍ فَلَكِيَّةٍ دَقِيقَةٍ أَوْ إِلَى تَوْحِيدِ التَّقْوِيمِ الْكَنَسِيِّ، وَهِيَ اقْتِرَاحَاتٌ تَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِيَّةِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّاحِيَةِ النَّظَرِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ تَحْقِيقَ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ يَصْطَدِمُ بِعَدَدٍ مِنَ الْعَوَائِقِ، أَبْرَزُهَا الِاخْتِلَافَاتُ اللَّاهُوتِيَّةُ حَوْلَ سُلْطَةِ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ، وَالْحَسَّاسِيَّاتُ التَّارِيخِيَّةُ الْمُتَرَاكِمَةُ، إِضَافَةً إِلَى الِاعْتِبَارَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنَ التَّغْيِيرِ أَمْرًا صَعْبًا فِي وَعْيِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُؤْمِنَةِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَبْرُزُ دَوْرُ رِجَالِ الدِّينِ كَعَامِلٍ مُؤَثِّرٍ فِي تَكْرِيسِ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَوْ فِي السَّعْيِ إِلَى تَجَاوُزِهِ، إِذْ يَتَّخِذُ بَعْضُهُمْ مَوْقِفًا مُحَافِظًا يَرْفُضُ أَيَّ تَعْدِيلٍ بِدَافِعِ الْحِفَاظِ عَلَى التَّقَالِيدِ، أَوْ خَوْفًا مِنْ فُقْدَانِ الْخُصُوصِيَّةِ الطَّائِفِيَّةِ، بَيْنَمَا يَنْخَرِطُ آخَرُونَ فِي جُهُودٍ حِوَارِيَّةٍ تَرْمِي إِلَى تَعْزِيزِ وَحْدَةِ الْكَنِيسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ رِجَالَ الدِّينِ لَيْسُوا سَبَبًا وَحِيدًا فِي اسْتِمْرَارِ الِاخْتِلَافِ، وَلَكِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ أَحَدَ أَهَمِّ الْعَوَامِلِ الْمُوَجِّهَةِ لِمَسَارِهِ.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ، إِنَّ إِشْكَالِيَّةَ اخْتِلَافِ مَوَاعِيدِ الْأَعْيَادِ الْمَسِيحِيَّةِ تَعْكِسُ تَدَاخُلًا مُعَقَّدًا بَيْنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالتَّارِيخِ وَالْهُوِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ تَوْحِيدُهَا أَمْرًا مُمْكِنًا مِنَ النَّاحِيَةِ النَّظَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَظَلُّ مَرْهُونًا بِتَوَفُّرِ إِرَادَةٍ جَمَاعِيَّةٍ صَادِقَةٍ، وَبِالِاسْتِعْدَادِ لِتَجَاوُزِ الْإِرْثِ التَّارِيخِيِّ الثَّقِيلِ، وَبِتَفْعِيلِ حِوَارٍ مَسْكُونِيٍّ جَادٍّ يُقَدِّمُ وَحْدَةَ الْإِيمَانِ عَلَى اخْتِلَافِ التَّقَاوِيمِ.
الهوامش
[1] مَجْمَعُ نِيقِيَّةَ الأَوَّلُ (325م): أَوَّلُ مَجْمَعٍ مَسْكُونِيٍّ وَضَعَ أُسُسَ حِسَابِ عِيدِ الْقِيَامَةِ.
[2] التَّقْوِيمُ الْغِرِغُورِيُّ (1582م): إِصْلَاحٌ تَقْوِيمِيٌّ أَقَرَّهُ الْبَابَا غِرِغُورِيُوسُ الثَّالِثُ عَشَرَ.
[3] الِانْقِسَامُ الْكَنَسِيُّ الْكَبِيرُ (1054م): فَصْلٌ بَيْنَ الْكَنِيسَتَيْنِ الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ.
[4] مَجْلِسُ الْكَنَائِسِ الْعَالَمِيُّ: مِنَ الْهَيْئَاتِ الَّتِي دَعَتْ إِلَى تَوْحِيدِ عِيدِ الْقِيَامَةِ.
المراجع
فِيلِيب شَاف: تَارِيخُ الْكَنِيسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ.
إِدْوَارْد غِيبُون: اضْمِحْلَالُ وَسُقُوطُ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ.
وُثَائِقُ مَجْلِسِ الْكَنَائِسِ الْعَالَمِيِّ.
الموسوعة الكاثوليكية.
الموسوعة البريطانية (مادة: عيد القيامة والتقويم).