يمكن الرد على هذا الطرح بهدوء وبالاستناد إلى التاريخ واللغة وعلم الآثار، بعيدًا عن الخطاب القومي الانفعالي أو التعميم العرقي. فالنص المطروح لا يقدّم قراءة علمية لتاريخ بلاد الرافدين، بل يعتمد على ثنائية “أصحاب الأرض الأصليين” مقابل “الغزاة الساميين”، وهي رؤية أيديولوجية لا يقرّها معظم المؤرخين والباحثين المتخصصين بتاريخ الشرق الأدنى القديم.
أولًا، من الخطأ وصف جميع الشعوب السامية في بلاد الرافدين بأنها “شعوب غازية” أو “ذئاب الصحراء”. فالأكاديون والآشوريون والبابليون لم يكونوا جماعات عابرة أو طارئة على المنطقة، بل شعوبًا استقرت في بلاد الرافدين منذ أقدم العصور، وأسهمت بصورة جوهرية في بناء الحضارة الإنسانية. الحضارة الأكدية مثلًا لم تكن مجرد مشروع عسكري، بل أسست أول إدارة مركزية واسعة، وطورت أنظمة الحكم والكتابة والقانون والتجارة. كما أن الآشوريين والبابليين تركوا إنجازات ضخمة في العمارة والعلوم والفلك والرياضيات والأدب، ولا يمكن اختزال تاريخهم في الحروب فقط، وإلا لوجب وصف جميع إمبراطوريات العالم القديم بالطريقة نفسها، بما فيها الإمبراطوريات الحورية والميدية والفارسية.
ثانيًا، الادعاء بأن السومريين والحوريين هم “أصل الكرد” لا يوجد عليه إجماع علمي. السومريون شعب قديم لغته معزولة لا تنتمي إلى اللغات الهندوأوروبية ولا السامية، ولم يثبت علميًا وجود صلة عرقية مباشرة بينهم وبين الكرد المعاصرين. أما الحوريون فقد كانوا شعبًا قديمًا عاش في شمال الهلال الخصيب، ولغتهم ليست إيرانية أيضًا، بل تنتمي إلى مجموعة لغوية مستقلة قريبة من الأورارتية. وبالتالي فإن تحويل الحوريين والسومريين إلى “أجداد مباشرين للكرد” هو استنتاج قومي أكثر منه حقيقة أكاديمية مثبتة.
ثالثًا، الكرد أنفسهم — بحسب أغلب الدراسات التاريخية واللغوية — شعب إيراني هندوأوروبي، دخل أسلافه إلى مناطق زاغروس وشمال العراق ضمن الهجرات الإيرانية القديمة بعد ظهور الحضارات السومرية والأكدية بقرون طويلة. وهذا لا ينفي أن للكرد وجودًا تاريخيًا عريقًا في المنطقة، لكنه ينفي فكرة أنهم وحدهم “أصحاب الأرض الأصليون” وأن بقية الشعوب مجرد غزاة غرباء.
رابعًا، القول إن الآشوريين والبابليين “ليسوا من أصل الرافدين” يناقض الأدلة التاريخية والآثارية واللغوية. فهذه الشعوب نشأت وتطورت داخل بلاد الرافدين نفسها، وتكلمت لغات سامية محلية قديمة استقرت في المنطقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد على الأقل. كما أن مفهوم “النقاء العرقي” أو “السكان الأصليين الخالصين” لا ينطبق على الشرق الأدنى القديم، لأن المنطقة كانت عبر آلاف السنين ساحة تفاعل واختلاط بين شعوب متعددة.
خامسًا، استخدام مفردات مثل “الساميون غجر” أو “شعوب بلا حضارة” ليس خطابًا علميًا بل خطاب إقصائي وعنصري. فالشعوب السامية قدّمت للعالم منجزات حضارية كبرى، تمامًا كما فعلت شعوب أخرى غير سامية. كما أن وصف الحضارات القديمة بمنطق “الخير المطلق” و”الشر المطلق” تبسيط مخلّ بالتاريخ؛ فكل الإمبراطوريات القديمة مارست التوسع والحروب، سواء كانت أكدية أو آشورية أو فارسية أو ميدية أو رومانية.
سادسًا، فيما يتعلق بالحديث عن الحمض النووي (dna)، فإن الدراسات الجينية الحديثة لا تدعم الروايات القومية المطلقة لأي طرف. بل تؤكد أن شعوب العراق وبلاد الشام والأناضول وإيران الحالية تشترك في خليط جيني متداخل ومعقد يعود إلى آلاف السنين، وأن الهويات القومية الحديثة لا يمكن إسقاطها مباشرة على شعوب العصر البرونزي أو الحديدي.
أما الحديث عن أن العراق الحديث “قائم على أنقاض حضارات الآخرين”، فهو تجاهل لحقيقة أن العراق تاريخيًا كان موطنًا لشعوب متعددة: عرب وكرد وآشوريين وتركمان وغيرهم، وأن أي محاولة لاحتكار تاريخ بلاد الرافدين لصالح قومية واحدة — عربية كانت أم كردية أم غير ذلك — هي قراءة انتقائية للتاريخ.
في النهاية، لا يمكن إنكار عمق الوجود الكردي في شمال العراق والمنطقة الجبلية المحيطة ببلاد الرافدين، كما لا يمكن إنكار مساهمة الكرد التاريخية والثقافية. لكن في المقابل، لا يصح علميًا ولا أخلاقيًا نفي تاريخ الأكاديين والآشوريين والبابليين أو تصويرهم كـ”غرباء” عن أرض صنعوا فيها واحدة من أعظم حضارات العالم القديم. بلاد الرافدين كانت عبر التاريخ أرضًا متعددة الشعوب والثقافات، وحضارتها نتاج تراكمي شاركت فيه جماعات كثيرة، وليس ملكًا الحصريًا لأي قومية معاصرة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|