الرد الذي نُقل هنا فيه خلط بين نوعين مختلفين من الأدلة التاريخية، ويحتاج إلى تفكيك علمي هادئ:
أولًا، القول: “أعطني أرقام نصوص آشورية مكتوبة بالآرامية من أرشيف الدولة الآشورية” فيه تضييق غير دقيق لموضوع الأدلة. لأننا لا نتحدث عن “أرشيف موحّد مكتوب بالكامل بالآرامية”، بل عن وجود استعمال إداري فعلي للآرامية داخل الدولة الآشورية المتأخرة، وهذا مثبت عبر عدة أنواع من المصادر، وليس فقط “نصوص ملكية مسمارية كاملة بالآرامية”.
الدليل الأهم هنا ليس وجود “نصوص ملكية آرامية كاملة”، بل وجود:
نصوص ثنائية اللغة (أكادية + آرامية)
وثائق اقتصادية وإدارية تحمل كتابات آرامية
أختام ونقوش إدارية فيها أسماء ومصطلحات آرامية
إشارات واضحة إلى وجود “كتبة آراميين” داخل الجهاز الإداري الآشوري
هذه المواد موجودة في مجموعات أثرية منشورة ضمن دراسات علم الآشوريات، خصوصًا في مواقع مثل نمرود، نينوى، وخورسباد، وهي محفوظة في متاحف مثل المتحف البريطاني ومتحف اللوفر.
ثانيًا، الطلب بـ “أرقام نصوص ملكية آرامية من أرشيف الدولة الآشورية” يعكس سوء فهم لطبيعة الكتابة في ذلك العصر. الآشوريون لم يستبدلوا اللغة الأكدية رسميًا بالآرامية في النصوص الملكية الكبرى، بل احتفظوا بالأكدية كلغة رسمية للنقوش الملكية، بينما كانت الآرامية تنتشر كلغة إدارية موازية وسريعة الاستخدام. لذلك لن تجد “بدائل آرامية كاملة” للنقوش الملكية، لأن الوظيفة مختلفة من الأساس.
ثالثًا، المثال الذي ذكره عن النقوش الأخمينية (مثل نقش سوسة) هو في الواقع دليل ضده لا معه. لأن الإمبراطورية الأخمينية نفسها استخدمت الآرامية كلغة إدارية رسمية للإمبراطورية، إلى جانب اللغات المحلية مثل الأكدية (البابلية) والفارسية القديمة. وهذا يؤكد أن وجود أكثر من لغة إدارية في دولة واحدة كان أمرًا طبيعيًا في الإمبراطوريات القديمة، وليس تناقضًا.
رابعًا، عبارة “التاريخ لا يُقرأ بهذا الشكل” صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تُستخدم هنا بشكل مقلوب. لأن التاريخ فعلًا لا يُقرأ من خلال شرط واحد مثل “أعطني نصًا ملكيًا كاملًا بلغة معينة”، بل يُقرأ من خلال:
النقوش
الوثائق الإدارية
الأختام
الرسائل
البرديات
الأدلة المادية المتفرقة
وعندما تتجمع هذه الأدلة، يتضح أن الآرامية كانت لغة إدارية واسعة الاستخدام في أواخر العصر الآشوري، ثم أصبحت أكثر هيمنة في العصر الأخميني.
خامسًا، عبارة “عند غياب المادة العلمية لا يمكن خلق تاريخ جديد” صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تنطبق هنا، لأن المادة العلمية موجودة فعلًا، لكنها موزعة وغير من نوع واحد. هناك فرق بين:
غياب الدليل
وبين عدم وجود دليل من النوع الذي يطلبه الطرف الآخر تحديدًا
الخلاصة:
لا يوجد ادعاء علمي يقول إن الآرامية استبدلت الأكدية في النصوص الملكية الآشورية، لكن يوجد دليل قوي على أنها كانت مستخدمة إداريًا داخل الدولة الآشورية المتأخرة، وهذا مثبت بنقوش ثنائية، ووثائق إدارية، وشواهد كتابية متعددة. وبالتالي فإن الاعتراض القائم على طلب “نصوص ملكية كاملة” هو شرط غير علمي ولا يعكس طبيعة الأدلة التاريخية في علم الآشوريات.
__________________
fouad.hanna@online.de
|