عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 20-05-2026, 03:30 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,105
افتراضي من كتاب هوامش سيرة ذاتية

من كتابي هوامش سيرة ذاتية

طُفُولَتُنَا

مُلْحَق (١٠)

رُبَّما كُنْتُ فِي السَّابِعَةِ أَوِ الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِي، أَعِيشُ فِي رُبُوعِ دِيرِيكَ الحَبِيبَةِ، تِلْكَ البَلْدَةِ الَّتِي احْتَضَنَتْ طُفُولَتِي وَصِبَايَ، وَشَهِدَتْ جَمِيعَ مَرَاحِلِ عُمْرِي حَتَّى غَادَرْتُهَا مُتَّجِهًا إِلَى أَلْمَانِيَا فِي الشَّهْرِ الثَّامِنِ مِنْ عَامِ ١٩٨٦م. وَإِلَى اليَوْمِ، لَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ كَيْفَ تَشَكَّلَتْ تِلْكَ الرُّوحُ القِيَادِيَّةُ فِي دَاخِلِي، وَلَا لِمَاذَا وَجَدْتُ نَفْسِي مُنْذُ الصِّغَرِ أَتَزَعَّمُ مَجْمُوعَةً مِنَ الأَصْدِقَاءِ وَالأَقْرَانِ، يَقِلُّ بَعْضُهُمْ عَنِّي عُمْرًا وَيَزِيدُ بَعْضُهُمُ الآخَرُ.

كُنْتُ، بِكُلِّ بَسَاطَةٍ وَعَفَوِيَّةٍ، قَائِدَ تِلْكَ المَجْمُوعَةِ، فِي وَقْتٍ كَانَتْ فِيهِ مَجْمُوعَاتٌ أُخْرَى تَتَشَكَّلُ فِي أَحْيَاءِ البَلْدَةِ، لِكُلِّ مَجْمُوعَةٍ زَعِيمُهَا وَهَيْبَتُهَا. وَكَانَ مِنْ أَبْرَزِ أُولَئِكَ القَادَةِ اليَاسُ إِسْحَق گَرَعْزِه، الَّذِي كُنَّا نَدْخُلُ مَعَهُ فِي مُنَافَسَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لِفَرْضِ الحُضُورِ وَإِثْبَاتِ القُوَّةِ وَالسَّيْطَرَةِ.

وَلَعَلَّ مَا مَنَحَنِي مَكَانَتِي بَيْنَ أَقْرَانِي أَنَّنِي كُنْتُ قَوِيَّ البُنْيَةِ، مُتَمَتِّعًا بِقُدْرَةٍ جَسَدِيَّةٍ جَعَلَتْنِي أَتَفَوَّقُ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَبْنَاءِ جِيلِي، سَوَاءٌ فِي «الگِيبَالِهْ» أَيْ المُصَارَعَةِ، أَوْ فِي «المُبَاكَسَةِ» أَيْ المُلَاكَمَةِ. وَلِذَلِكَ كَانَ أَغْلَبُ الصِّبْيَةِ يَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ مِنَ الجِدِّيَّةِ وَالحَذَرِ، وَيَحْسِبُونَ لِقُوَّتِي أَلْفَ حِسَابٍ.

كَانَ أَفْرَادُ مَجْمُوعَتِي يَدْفَعُونَنِي دَوْمًا لِمُوَاجَهَةِ المَجْمُوعَاتِ الأُخْرَى، حَتَّى نُثْبِتَ مَوْقِعَنَا وَنَفْرِضَ هَيْبَتَنَا فِي السَّاحَةِ بِغَيْرِ مُنَازِعٍ. وَكَثِيرًا مَا كَانَتْ تَنْشُبُ بَيْنَنَا المُشَاجَرَاتُ وَالعِرَاكَاتُ، فَنَتَبَادَلُ اللَّكَمَاتِ وَالدَّفْعَ وَالصِّيَاحَ، فِي مَشَاهِدَ تَحْمِلُ مِنَ الحَمَاسِ وَالطَّيْشِ بِقَدْرِ مَا تَحْمِلُ مِنْ بَرَاءَةِ الطُّفُولَةِ.

وَأَذْكُرُ جَيِّدًا إِحْدَى تِلْكَ المُوَاجَهَاتِ الَّتِي لَا تَزَالُ مَاثِلَةً فِي ذَاكِرَتِي حَتَّى اليَوْمِ. كُنْتُ يَوْمَهَا مَعَ مَجْمُوعَتِي، وَإِذَا بِمَجْمُوعَةِ اليَاسِ تَقْتَرِبُ مِنَّا وَتَحَاوِلُ مُشَاكَسَتَنَا وَاسْتِفْزَازَنَا. عِنْدَهَا قُلْتُ لَهُ بِحَمَاسِ الصِّبَا وَتَحَدِّي الطُّفُولَةِ:
«دَعْنَا نَخْرُجْ إِلَى خَارِجِ البَلْدَةِ… خَلِّينَا نِطْلَعْ عَالچُول، وَهُنَاكَ لِيُثْبِتَ كُلٌّ مِنَّا مَنْ هُوَ الأَقْوَى.»

كَانَ قَصْدِي أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، حَيْثُ لَا أَحَدَ سَيَتَدَخَّلُ لِفَضِّ النِّزَاعِ أَوْ مَنْعِ العِرَاكِ. وَلَمْ يَتَرَدَّدِ اليَاسُ فِي قَبُولِ التَّحَدِّي، وَبِالفِعْلِ انْطَلَقَتِ المَجْمُوعَتَانِ إِلَى خَارِجِ البَلْدَةِ، عَلَى طَرِيقِ دَيْرِ مَار يَعْقُوب.

هُنَاكَ اصْطَفَّ كُلُّ فَرِيقٍ خَلْفَ زَعِيمِهِ؛ أَنَا وَمِنْ وَرَائِي رِفَاقِي، وَاليَاسُ وَخَلْفَهُ أَصْحَابُهُ. وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنْ يَقْتَصِرَ النِّزَالُ عَلَى زَعِيمَيِ المَجْمُوعَتَيْنِ فَقَطْ. وَكَمَا هِيَ العَادَةُ فِي مِثْلِ تِلْكَ المُوَاجَهَاتِ، سَبَقَتِ العِرَاكَ كَلِمَاتُ التَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَتَأَجَّجَ الحَمَاسُ.

وَفِي لَحْظَةِ انْدِفَاعٍ، بَادَرْتُ إِلَى الهُجُومِ عَلَى اليَاسِ، وَأَخَذْتُ أُوَجِّهُ لَهُ اللَّكَمَاتِ بَيْنَمَا كَانَ يُحَاوِلُ تَفَادِيَهَا. وَفَجْأَةً، وَفِي غَمْرَةِ الحَمَاسِ، تَدَخَّلَ أَحَدُ أَفْرَادِ مَجْمُوعَةِ اليَاسِ، وَهُوَ يَعْقُوبُ سَلِيم جَجُّو، فَحَاوَلَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَنَا لِيُوقِفَ الاشْتِبَاكَ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ كُنْتُ قَدْ وَجَّهْتُ لَكْمَةً قَوِيَّةً نَحْوَ وَجْهِ اليَاسِ، لَكِنَّ يَعْقُوبَ أَصْبَحَ بَيْنَنَا عَلَى نَحْوٍ مُفَاجِئٍ، فَتَلَقَّى اللَّكْمَةَ بَدَلًا مِنْهُ، وَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ مُغْمًى عَلَيْهِ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَوَقَّفَ الشِّجَارُ فَوْرًا، وَتَحَوَّلَ التَّوَتُّرُ إِلَى ذُهُولٍ وَقَلَقٍ عَلَى يَعْقُوب. وَالغَرِيبُ أَنَّ تِلْكَ الحَادِثَةَ الَّتِي بَدَأَتْ بِالعِدَاوَةِ وَالعُنْفِ، كَانَتْ بِدَايَةَ صَدَاقَةٍ عَمِيقَةٍ وَمَتِينَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَ يَعْقُوب سَلِيم، وَكَذَلِكَ أَفْرَام گُورگِيس شِيعَا، وَكَانَا مِنْ فَرِيقِ اليَاسِ إِسْحَق سِيدِكِهْ. وَيَوْمَهَا تَذَكَّرْنَا المَثَلَ الشَّعْبِيَّ القَائِلَ:
«بَعْدَ العَدَاوَةِ حَلَاوَة.»

وَمَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ، تَرَسَّخَتْ تِلْكَ الصَّدَاقَةُ وَازْدَادَتْ قُوَّةً، خَاصَّةً بَعْدَ انْتِسَابِنَا إِلَى فَرِيقِ نِينَوَى لِكُرَةِ القَدَمِ، أَشْبَالِ فَرِيقِ الرَّافِدَيْنِ فِي دِيرِيكَ. وَانْضَمَّ إِلَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ نَعِيمُ رَشْكُو، وَعِيسَى عُورَى، وَمِيخَا مُوسَى دُورِي، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الأَصْدِقَاءِ الَّذِينَ جَمَعَتْنَا المَلَاعِبُ وَالأَحْلَامُ الصَّغِيرَةُ.

وَهَكَذَا انْتَهَتْ تِلْكَ المَرْحَلَةُ المُضْطَرِبَةُ مِنَ الفَوْضَى وَالانْدِفَاعِ وَعَدَمِ الانْضِبَاطِ، لِنَدْخُلَ مَرْحَلَةً أَكْثَرَ نُضْجًا وَاتِّزَانًا. فَقَدْ أَصْبَحَ اهْتِمَامُنَا مُنْصَبًّا عَلَى الرِّيَاضَةِ وَالتَّدْرِيبِ وَالمُبَارَيَاتِ وَالأَنْشِطَةِ المُخْتَلِفَةِ، وَبَدَأْنَا نُدْرِكُ، وَلَوْ بِشَكْلٍ بَسِيطٍ، مَعْنَى المَسْؤُولِيَّةِ وَقِيمَةَ الصَّدَاقَةِ وَأَهَمِّيَّةَ أَنْ يَجْتَمِعَ الشَّبَابُ عَلَى مَا يَبْنِي الرُّوحَ وَالجَسَدَ، لَا عَلَى الخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ.

وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكْتَشِفَ الإِنْسَانُ، بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، أَنَّ أَعْنَفَ مُوَاجَهَاتِ الطُّفُولَةِ قَدْ تَكُونُ أَحْيَانًا البِدَايَةَ الأَجْمَلَ لِأَصْدَقِ الصَّدَاقَاتِ وَأَدْوَمِهَا.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس